منذ اجتياح بيروت عام 1982، وما تبعه من انسحاب تدريجي لقوات الاحتلال من الأراضي اللبنانية، لم يكن الانسحاب انسحابًا حقيقيًا بقدر ما كان إعادة تموضع مدروسة. فقد ترك العدو وراءه ما يُعرف بـ”جيش لحد”، ليكون حارسًا لمصالحه وأداةً لتكريس نفوذه في الجنوب اللبناني. كان ذلك أول نموذج لما يمكن تسميته بـ”الانسحاب المشروط”، الذي يُبقي الاحتلال قائمًا بأشكالٍ غير مباشرة، عبر أدواتٍ محلية تعمل بإشرافه وتنفذ أهدافه الأمنية والاستراتيجية، دون الحاجة لوجوده العسكري المباشر.
تلك التجربة التي عاشها لبنان قبل أكثر من أربعة عقود، تعاد اليوم على نحوٍ مختلف في قطاع غزة. فبعد حربٍ مدمرة وانقسامٍ عميق، جرى تقسيم أوصال القطاع إلى خطوط ميدانية ومناطق فصل عسكرية، تحاول من خلالها الإدارة الأمريكية تثبيت واقعٍ جديد تحت مسمى “ترتيبات ما بعد الحرب”. هذه الخطوط ليست مجرد خرائط ميدانية، بل تعبير عن مشروع سياسي يسعى إلى فرض وصاية دولية – إقليمية على غزة، تضمن استمرار السيطرة الإسرائيلية بطريقة غير مباشرة، عبر ما يسمى بالإشراف الإنساني والأمني والإداري.
المشروع الأمريكي – الإسرائيلي في جوهره ليس خطة لإنهاء الحرب، بل لإدارة نتائجها بما يضمن الأمن الإسرائيلي ويُفرغ القضية الفلسطينية من مضمونها الوطني. فكل خطوة يجري تسويقها كـ”مبادرة سلام” أو “جهد إنساني”، تحمل في طياتها محاولة لتثبيت واقع التقسيم، وتحييد أي دور وطني مستقل في تقرير مصير غزة أو إعادة إعمارها وفق الإرادة الفلسطينية الحرة.
وفي ظل هذا المشهد، برزت الأدوار الإقليمية المتداخلة، التي تتقدمها إيران وقطر وتركيا، حيث تخوض هذه القوى استراتيجياتها من خلف الستار، وتتعامل مع فلسطين ولبنان كمساحات نفوذ في صراعها الإقليمي. لقد اتضح أن همّ هذه الأطراف لا يقوم على مبدأ دعم التحرر أو حماية الأرض، بقدر ما يرتكز على تثبيت مواقعها السياسية في المنطقة من خلال التمويل والتأثير الإعلامي والسياسي، مقابل تنازلات واقعية تصب في مصلحة بقاء الاحتلال وتمديد أمده.
فما الذي جلبته هذه التدخلات سوى مزيد من الدمار، وإراقة دماء الشعوب، وإطالة أمد المعاناة؟ لقد أصبحت المساعدات المالية وسيلة ابتزاز سياسي، تُستخدم لتطويع المواقف وشراء الولاءات، فيما تبقى الأرض محتلة والشعب محاصر، يدفع ثمن لعبة المحاور والمصالح المتقاطعة.
إن تكرار تجربة “جيش لحد” في لبنان، وإنْ بأشكال مختلفة، يكشف أن الاحتلال لا ينسحب إلا ليُعيد صياغة حضوره بطريقةٍ جديدة. اليوم، تُعاد التجربة في غزة تحت غطاء أمريكي وبتواطؤ قوى إقليمية، لتتحول القضية من مشروع تحرر وطني إلى ملف إداري تُتداول فيه الصفقات والمصالح.
ما يُراد للفلسطينيين هو واقعٌ مشوَّه: لا سيادة، ولا وحدة جغرافية، ولا قرار وطني مستقل، بل كيانات جزئية مُدارة من الخارج، تُبرر بذرائع إنسانية وأمنية. وهذا أخطر ما في المرحلة الراهنة، إذ يجري تحويل الاحتلال إلى واقعٍ مقبول دوليًا، بينما تُفرغ فلسطين من جوهرها كقضية تحرر وطني، وتُختزل في أرقام مساعدات ومشاريع إعمار مشروطة.
إن قراءة ما يجري اليوم في غزة لا يمكن أن تنفصل عن الدروس التي تركها التاريخ القريب في لبنان. فكلّما انسحب الاحتلال من الباب، عاد من النافذة، مستفيدًا من تشتّت الداخل وتناقضات الإقليم، ومستخدمًا لغة “السلام” لتغطية استمرارية الهيمنة. وبينما تتصارع القوى الإقليمية على النفوذ، يظلّ الشعب وحده يدفع الثمن، من دمائه وأرضه ومستقبله.
لقد آن الأوان لإدراك أن لا خلاص حقيقي ما دام القرار الفلسطيني مرهونًا بمشاريع الخارج، وأن أي ترتيبات تُفرض تحت راياتٍ دولية أو إقليمية لا تختلف في جوهرها عن الوصاية القديمة التي عرفها لبنان بعد اجتياح بيروت. فالتاريخ يعيد نفسه، ولكن هذه المرة على أرض غزة، تحت شعاراتٍ جديدة وبأدواتٍ أكثر دهاءً.





