السبت, أبريل 25, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراءهشاشة الصورة وثقل التاريخ: تأملات في سوء الفهم الأبدي بين الشرق والغرب...

هشاشة الصورة وثقل التاريخ: تأملات في سوء الفهم الأبدي بين الشرق والغرب .. عبد الرحيم شباك

 

عندما أقرأ اليوم ما يحدث في منطقتنا من حروب وصراعات، وأتأمل في طبيعة الخطاب الغربي، وخاصة الأمريكي، تجاه العالم العربي والإسلامي، أتذكر مقولة المؤرخ الإيطالي فرانكو كار ديني التي لطالما أرقتني: إن علاقة أوروبا بالعالم الإسلامي هي “تاريخ من سوء التفاهم”. وأنا أعتقد أن هذا السوء لم يكن وليد صدفة أو سوء قراءة عابرة، بل كان نتاج تراكمات متعمدة أحياناً، وموروثة أحياناً أخرى، جعلت من “الآخر” المسلم صورة مشوهة لا تشبه حقيقته قط.

 

لطالما تساءلت: كيف يمكن لأوروبا التي استفادت من الإسلام في نهضتها العلمية، وفي صياغة نظمها القانونية والدستورية، أن تنقلب عليه بهذه الصورة؟ كيف يمكن لمنطقة كانت جسراً للحضارة والترجمة أن تتحول في المخيال الغربي إلى مرادف للهمجية والتخلف؟

 

ما أراه اليوم أن هذه الصورة النمطية لم تأت من فراغ. لقد صنعتها تجربة تاريخية مريرة قائمة على الهيمنة والاستعلاء، بدأت بحروب الفرنجة التي انطلقت عام 1095 واستمرت قروناً، مروراً بالاستعمار الفرنسي والبريطاني الذي قسم بلادنا ونهب ثرواتنا، ووصولاً إلى ما أسماه الراحل إدوارد سعيد “الاختلاق الاستشراقي”، الذي رسخ في الغرب صورة عن الشرق مفادها أننا شعب لا يصلح إلا للتبعية، ولا يفهم إلا لغة القوة.

 

لست هنا بصدد إصدار حكم قيم على الغرب ككل، فهناك بالتأكيد تيارات تنويرية وعلمانية تدعو للحوار والتفاهم، وتؤمن بأن الإنسانية تتسع لكل الثقافات والأديان. لكن ما يؤسف له أن هذه الأصوات تبقى هامشية أمام آلة ضخمة تعمل على تغذية القلق من الإسلام، وتجديد الصورة النمطية عنه.

 

أقرأ اليوم تصريحات بعض المسؤولين الغربيين، وأتابع خطابات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يتحدث بثقة عن مواجهة ما يسميه “التطرف الشيعي والسني”، وكأنه يقود حرباً دينية باسم الحضارة. أتساءل: هل نسي هؤلاء أن الإسلام كان يوماً جزءاً من نسيج أوروبا؟ هل تناسوا أن شبه الجزيرة الإيبيرية ظلت قروناً منارة للعلم والثقافة قبل أن تطرد منها المسيحية؟

 

ما يقلقني حقاً هو تحول هذا الخطاب إلى مادة استعمالية في السياسة الغربية. لم تعد الصورة النمطية عن الإسلام مجرد جهل أو تحيز، بل أصبحت أداة تُستخدم لتبرير السياسات الاستعمارية، وتمرير الأجندات التي تهدف إلى السيطرة على موارد المنطقة. لقد رأينا ذلك بوضوح بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، حين سارع الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون في كتابه “انتهزوا الفرصة” إلى اعتبار الإسلام العدو الجديد. ثم جاء صامويل هنتنغتون بنظرية “صدام الحضارات” ليضفي شرعية أكاديمية على هذا العداء. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى مفكرين مثل برنارد لويس الذي لم يعد يخفي عداءه للإسلام ذاته، وليس فقط لما يسمى “الأصولية”.

 

أتذكر هنا عبارة لويس الشهيرة: “الغرب غرب، والشرق شرق، ولن يلتقيا أبداً”. كم هي خاطئة هذه العبارة، وكم تتناقض مع التاريخ. فأنا أرى أن الشرق والغرب التقيا مرات لا تُحصى، في الأندلس، وفي صقلية، وفي بلاد الشام، وفي الترجمة التي نقلت علوم اليونان والهند وفارس إلى أوروبا عبر الحضارة الإسلامية. لقد التقينا وتفاعلنا، وكانت ثمار هذا اللقاء الحضارة الإنسانية بكل تنوعها.

 

إن ما يغفله أصحاب هذه الأطروحات أن الإسلام لم يكن مجرد دين منافس أو عدو في المخيال الأوروبي، بل كان عاملاً أساسياً في ميلاد الضمير الحديث لأوروبا. كما يذكر المؤرخ فرانكو كار ديني، فإن الاحتكاك المباشر مع العالم الإسلامي، سواء عبر شبه الجزيرة الإيبيرية أو شرق أوروبا عبر الدولة العثمانية، خلق فرصاً للتبادل المعرفي والقانوني لم تكن لتحدث لولا ذلك. لقد ساهم النظام الاجتماعي الغني بالقواعد والقوانين في الإسلام في إنتاج القانون الدستوري الأوروبي فيما بعد، وهذا ما نغفل عنه كثيراً.

 

لكن يبدو أن التاريخ الطويل لا يكفي أحياناً لكسر جدار الصور النمطية. فحتى عصر التنوير الأوروبي، الذي يُفترض فيه أنه عصر العقل والتحرر من الخرافات، لم يخلُ من نزعات متشددة تجاه الإسلام والمسلمين. قرأت لفولتير وديدرو وروسو، فوجدت أن بعضهم لم يتحرر بالكامل من إرث الحروب الصليبية. بل إن ما يثير دهشتي أن بعض هؤلاء المفكرين تراجعوا عن مواقفهم الأولى حين تجردوا من الأحقاد التاريخية، ولكن التصور المغلوط ظل يجد من يجدده، ويحوله إلى مادة استعمالية تخدم المشاريع الاستعمارية.

 

وهذا بالضبط ما نعاني منه اليوم. أرى كيف اخترقت الصهيونية المسيحية الإنجيلية في أمريكا، لتنتج تحالفاً غريباً يجمع بين العلمانيين اليهود والمتدينين البروتستانت على أساس “وعد توراتي”. والأكثر إثارة للدهشة أن آباء الصهيونية الأوائل كانوا علمانيين بل ملحدين، لكنهم أدركوا أن تسويق مشروعهم بوصفه تحقيقاً لنبوءات دينية سيمنحه شرعية هائلة في الغرب المسيحي. وهكذا قامت إسرائيل على أنقاض وعد بلفور، واستمرت أمريكا في دعمها بلا حدود، وكأن الدفاع عنها أصبح “مهمة لاهوتية” كما يصفها جورج فريدمان في كتابه “الإمبراطورية والجمهورية”.

 

لا أستطيع أن أتجاهل في هذا السياق المشهد الحالي، وما يجري في غزة ولبنان وإيران من تصعيد غير مسبوق. حديث نتنياهو عن أن إسرائيل أصبحت “قوة إقليمية بل عالمية” لا يبدو لي مجرد خطاب انتخابي، بل هو تعبير عن رؤية استراتيجية تهدف إلى إعادة رسم خريطة المنطقة. وأنا أتساءل: أليس من السذاجة الاعتقاد أن الحرب الدائرة اليوم هي مجرد رد على هجوم السابع من أكتوبر؟ أم أن هناك أهدافاً أبعد تتعلق بتفكيك الدول العربية وإشاعة الفوضى لترك المنطقة لإسرائيل، وكيلاً عن الولايات المتحدة التي تريد التخفف من وجودها المباشر؟

 

لقد قرأت عن الاستراتيجية الجديدة للبيت الأبيض التي تهدف إلى الانكفاء على نصف الكرة الغربي لمواجهة الصين، وترك الشرق الأوسط لإسرائيل. وهذا يفسر لي لماذا تسمح واشنطن لحليفتها بفعل ما تشاء، دون أي رادع حقيقي. هناك اختلاف في الرؤى بين من يريدون الهيمنة الناعمة عبر الاقتصاد والثقافة، كما كان يطرح شمعون بيريز، وبين نتنياهو الذي يكتب في كتابه “مكان تحت الشمس” بأن هذه الهيمنة لن تأتي إلا بالدم والنار. واليوم، يبدو أن نتنياهو هو من يجر أمريكا خلفه، وليس العكس.

 

لكن ما يثير دهشتي أن أصحاب هذا التصور لم يتعلموا من الدروس التي أمطرتهم بها المنطقة مراراً. لقد غاب عنهم أن شعوب الشرق الأوسط، رغم كل ما تعانيه من ويلات، تمتلك جينات حضارية تمكنها من الصمود. نحن لا نقاوم فقط بدافع الدين، بل بدافع قيم راسخة في أعماقنا، تشكلت عبر آلاف السنين من التفاعل الحضاري. هذه المنظومة القيمية لا تقبل التغيير عنوة، ولا يمكن فرض إرادة الخارج عليها بفوهات المدافع ودبابات الحرب.

 

أتذكر هنا تجارب أمريكا نفسها في الصومال، حيث جرت جنودها في شوارع مقديشو. وفي أفغانستان، حيث أنفقت تريليونات الدولارات لتنهزم أمام بساطة المقاومة. وفي العراق، حيث تفككت الدولة لكن الشعب لم يستسلم. وفي اليمن، حيث تحولت أقوى آلة حربية إلى مستنقع. هل تعلم هؤلاء شيئاً من هذه الدروس؟ أم أنهم يعتقدون أن هذه المرة ستكون مختلفة؟

 

أعتقد أن الهيمنة التي يتحدثون عنها، وتفكيك الدول الذي يخططون له، لن يكون إلا فخاً جديداً يعيد إنتاج الفشل الاستعماري نفسه. فمنطقة الشرق الأوسط ليست لوحة بيضاء يمكن إعادة رسمها كيفما شاءوا. إنها كتلة تاريخية متراصة، بكل تعقيداتها وتناقضاتها، وتمتلك قدرة هائلة على استيعاب الصدمات ثم إعادة بناء نفسها من جديد.

 

ما أحزنني حقاً هو أن كل هذا يحدث تحت عناوين براقة مثل “محاربة التطرف” و”تحرير الشعوب” و”فرض السلام”. لقد آن الأوان لنفض هذه العناوين الزائفة، والنظر إلى الحقائق كما هي: ما يحدث هو محاولة لإعادة إنتاج الهيمنة بثوب جديد، وسيظل مصيرها الفشل كسابقاتها.

 

في النهاية، أظل متمسكاً بالأمل الذي يمنحني إياه التاريخ نفسه. فالتاريخ، كما أقرأه، ليس مجرد سرد للمآسي، بل هو أيضاً شهادة على قدرة الشعوب على الصمود والتجدد. ولعل هذه المرة، كما في كل مرة، ستثبت منطقتنا أنها قادرة على تجاوز المحن، وأن الصورة النمطية المغلوطة عنا لن تنتصر في النهاية على حقيقتنا العميقة، تلك الحقيقة التي لا تعرفها المدافع ولا الدبابات ولا الطائرات.

 

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب