كما هو متصور حالياً، فإن مؤتمر جنيف 2 – العملية الدبلوماسية التي تستهدف التوصل إلى تسوية سياسية في سورية- صائر إلى فشل شبه أكيد. وتؤشر الصعوبة التي تواجه تحديد موعد ثابت للاجتماع على وجود عائق أساسي: الخصوم السوريون
– وخاصة المعارضة- غير مستعدين للتفاوض بعد. وحتى لو حضر الجانبان إلى طاولة المفاوضات، فمن المرجح أن تفضي الخلافات عميقة الجذور على الهدف والبنية ومجرى المفاوضات، بالإضافة إلى الشق المتسع بين المعارضة السياسية والمقاتلين المسلحين، إلى فشل المفاوضات في الحال -وما يجره ذلك من تداعيات خطيرة على أرض الواقع.
بدلاً من ذلك، يجب على الأمم المتحدة أن تعيد بناء عملية جنيف من خلال إضافة مرحلة مؤقتة – ولنسمها جنيف 1.5 – قبل محاولة جلب السوريين إلى الطاولة. ومن شأن جنيف 1.5 التركيز على عقد مؤتمر متعدد الأطراف، يجمع لاعبين دوليين وإقليميين رئيسيين من أجل معالجة معظم القضايا الملحة المغذية للصراع، ولإرساء دعائم عملية تفاوض سورية نهائية.
تؤكد حدة الصراع السوري حقيقة أن التخلي عن الدبلوماسية أو فشلها ليسا خيارين. وفي الحقيقة، وفيما سورية تحترق، يتطلب الصراع إلحاحاً عنيداً على عقد مؤتمر دولي. لا يستطيع العالم ببساطة غسل يديه من سورية. كما أنه لا يستطيع القيام بعملية دبلوماسية مكتوب لها الفشل. وفي كلتا الحالتين، سوف تستمر سورية في الدوران اللولبي الهابط نحو الفوضى العارمة.
كما هو واقع الحال، قد يبدو الصراع السوري وأنه يمر في حالة تغير مرحلي، متحولاً من حرب أهلية طائفية إلى كابوس إنساني وأمني مع تدفقات إقليمية واسعة. وبينما تبدو قوات النظام تعزز سيطرتها على مناطق رئيسية، يظل المسار الكلي واحداً موسوماً بالجمود المطول، حيث لن يستطيع النظام ولا الثوار فرض سيادتهما العسكرية على الأرجح.
فيما يتعمق بالصراع، أفضى التدهور المتهور على أرض الواقع إلى حدوث كارثة إنسانية، وسط التواجد المتنامي للمقاتلين الأجانب من الجهاديين والشيعة على حد سواء. وثمة 84 % من المواطنين السوريين الذين أصبحوا الآن في حاجة إلى مساعدات إنسانية، وهناك الملايين من المشردين. وفي الأثناء، أصبحت سورية موضع استقطاب للمقاتلين الأجانب، متجاوزة العراق -وقريبا أفغانستان- كوجهة للجهاديين وغيرهم من المتشددين. وبأخذ هذه الأمور جميعاً بعين الاعتبار، فإن هذه التطورات تهدد بوضع سورية التي كانت ذات مرة بلداً صلباً متوسط الدخل، على شفا منزلق عميق بحيث يصبح الصومال التالي أو أفغانستان التالية في المنطقة.
ينبغي أن يعمل نهج مرحلي لعملية جنيف على تبني استراتيجية “خارج- داخل” لحل الصراع السوري. وسيتم بناء الإجماع بين اللاعبين العالميين والإقليميين حول الحاجة إلى الاستجابة للقضايا الحساسة، استشرافاً للمفاوضات السورية. وسيضم مؤتمر جنيف 1.5 هذا الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوربي. والأهم أنه سيجمع أصحاب حصص إقليميين رئيسيين آخرين: المملكة العربية السعودية وقطر والكويت وإيران وتركيا والعراق والأردن ولبنان.
وستتركز أجندة المؤتمر على ثلاثة أهداف: تحسين الوصول الإنساني إلى المناطق المحاصرة في داخل سورية؛ والقضاء على حالات التوتر الطائفي المتصاعد في المنطقة وأبعادها ذات الصلة بسورية؛ وتوفير تمويل كبير لجيران سورية الذين يعانون، وخاصة لبنان والأردن اللذين يستضيفان العدد الأضخم من اللاجئين.
فيما يتعلق بالوصول الإنساني، يجب على المؤتمر البناء على البيان الرئاسي لمجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة والصادر في تشرين الأول (أكتوبر)، الذي طالب بتسهيل الوصول الإنساني الفوري لحوالي 2.5 مليون سوري، يظل أمر الوصول إليهم من جانب قوافل المساعدات غير ممكن. وتخطط الأمم المتحدة، كما يتردد، لعقد اجتماع دولي لمخاطبة الأزمة الإنسانية في سورية، والذي سيضم الولايات المتحدة وروسيا وإيران والعربية السعودية، ليؤكد أكثر على أن تحديات سورية الضاغطة تتطلب دبلوماسية متعددة الأطراف بشكل أوسع.
من خلال جلب العربية السعودية وإيران إلى الطاولة —وهي دفعة دبلوماسية ثقيلة كما يجب الاعتراف— سيبدأ جنيف 1.5 في مخاطبة الأبعاد المحورية بالوكالة للصراع السوري، بالإضافة إلى امتداداتها الأوسع في داخل لبنان والعراق. وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أن التفجيرين الانتحاريين اللذين استهدفا السفارة الإيرانية في بيروت مؤخراً إنما يؤشران على حدة المخاطر التي أصبحت عليها الحالة. وكانت هاتان القوتان الإقليميتان قد وفرتا الوقود لهذه الأزمة من خلال وكلائهما على الأرض عبر نقل التمويل والأسلحة والمقاتلين إلى الصراع المتمدد. ومن الممكن أن يفضي فتح حوار بين هذين اللاعبين الإقليميين إلى تخفيف حالات التوتر الطائفي، مع احتمال التمهيد لخطوة كبيرة باتجاه نزع فتيل التصعيد في صراع سورية.
في الأثناء، يعد تأمين تمويل إضافي لدعم اللاجئين والسكان المضيفين في لبنان والأردن أمرا حاسماً أيضاً. وتجدر الإشارة إلى أن كلا البلدين يتحملان عبئاً غير متكافئ للتدفق السوري، وهما ما يزالان يعانيان من تداعيات سلبية كبيرة على اقتصاداتهما. وباستضافته أكثر من مليون لاجئ سوري، يدفع لبنان على وجه الخصوص ثمناًً ضخماً. وتلاحظ دراسة حديثة للبنك الدولي أن لبنان سيفقد 7.5 مليار دولار، وسيتضاعف معدل البطالة لديه كنتيجة مباشرة لتدفقات اللجوء السوري. إلى ذلك، شهد الأردن من جهته، والذي يستضيف أكثر من 600000 لاجئ سوري، نمواً اقتصادياً أبطأ بكثير بسبب تكاليف استضافة اللاجئين السوريين.
مع ذلك، وبينما ساهمت الولايات المتحدة بحوالي 1.4 مليار دولار في جهود المساعدات الإنسانية لسورية، ساهمت روسيا وقطر والعربية السعودية بأقل من ذلك بكثير. ويجب على مؤتمر جنيف 1.5 السعي إلى زيادة المساهمات الإنسانية للبلدان الرئيسية التي لا تسدد حصصها العادلة، مع تركيز خاص على المساعدات في داخل سورية وللجيران الأكثر هشاشة – لبنان والأردن.
لن تساعد مخاطبة هذه التحديات الحساسة في تخفيف تصعيد الصراع وحسب، وإنما سيكون من شأنها الشروع في تمهيد الطريق نحو عقد مفاوضات ذات معنى بين الأطراف المتحاربة في سورية أيضاً. وستسعى هذه الطريقة إلى التخفيف من معاناة المدنيين السوريين عبر تأمين الوصول الإنساني. كما أنها تتطلع إلى نزع التصعيد في التوترات الطائفية التي تساعد في صب الوقود على الصراع المستعر في سورية والتدفق الإقليمي الأوسع، عبر جلب الخصوم الإقليميين الرئيسيين سوية. وأخيراً، ستتطلع إلى توفير الدعم، الذي تمس الحاجة إليه، إلى لبنان والأردن اللذين يعانيان من آثار غير متكافئة ومزعزعة للاستقرار جراء الصراع السوري. وبالنظر إليها معاً، فإن هذه الأهداف الثلاثة لعملية جنيف خاضعة للمراجعة، يمكن أن تبدأ بامتصاص الأوكسجين إلى خارج النار المستعرة في سورية، وخلق ظروف على الأرض تكون أكثر مواتاة للمفاوضات.
(فورين بوليسي)
*مستشارة رفيعة المستوى حول الشرق الأوسط في مركز ستيمسون.





