أقرأ الكثير هذه الأيام عن بلورة أحزاب سياسية جديدة في الديمقراطيات الناشئة، وذلك لإيماني بعد أكثر من عشرين عاما من العمل الحكومي أن القوى التقليدية في المجتمعات العربية لا تريد الديمقراطية الحقة وتعتبرها خطرا على امتيازاتها.
كما أن التزام قوى المعارضة الإسلامية بالتعددية السياسية والدينية والثقافية التزام غامض في أحسن أحواله، إما بسبب نقص التجربة في الحكم بسبب عقود من الاقصاء، وإما بسبب تفسير ضيق للدين يمنع الحرية الحقة للفرد والمجموعات ويعوزه الاحترام الفعلي لا اللفظي للتعددية في المجتمع.
ما يحدث في مصر مقلق، لأن استعداد أي جهة، وهي في هذه الحالة القوى الإسلامية، اقرار دستور بأغلبية 64 % ممّن صوتوا، او 33 % ممن يحق لهم التصويت، يدل على عدم اكتراث فعلي بالتعددية، فهذه ليست انتخابات تعاد كل بضع سنوات وتتيح للناخبين تغيير آرائهم وفقا لأداء من تم انتخابهم، بل دستور يفترض أن يقر بتعددية المجتمع ويحترمها ويحتفي بها، ويفترض ان يشعر كل مواطن ان الدستور يحميه، ويتظلل به بغضّ النظر عن انتماءاته السياسية او الدينية أو الثقافية.
وبالتالي فهو دستور يحتاج لأن يقر بأكبر قدر من التوافق، لا بالأغلبية فقط.
فشل الحكومات العربية في بلورة نظم حكم تعددية أوصلنا إلى هذه الحال. كلنا متهمون. الكثير من القوى الناشئة في العالم العربي ما تزال أيضا تتغنى بديمقراطية انتقائية طالما تحقق أغراضها وتقصي الإسلاميين. بالتالي فهي مقصرة أيضا. من يقبل إقصاء الآخر فكأنه يقر بإقصاء الآخر له. من يخون الناس عليه التعامل مع تخوين الآخرين له.
ما أحوجنا في العالم العربي لقوى سياسية تؤمن بالديمقراطية الحقة، التي تعمل من أجل حق الجميع في العمل السياسي وتقف ضد من يحاول احتكار الحقيقة لنفسه، قوى تحارب ليس فقط لنفسها، ولكن لمن تختلف معه أيضا في إطار يحترم الآراء كافة.
لن تقوم لنا قائمة إن لم تكن التعددية سمة رئيسية من تكويننا، نرضعها مع حليب أمهاتنا وندرسها في المدرسة لنمارسها في حياتنا اليومية.
هذا ليس بحلم سهل التحقيق. لقد كتب الكثير عن تكوين الأحزاب الجديدة في العالم باسره، ولعل الحقيقة المرة أن التجربة العالمية غير مشجعة بالنسبة لنجاح معظم هذه المحاولات.
ولعل العمل الأبرز في هذا الإطار الكتاب الذي ألفه توماس كاروذرز، الباحث في مؤسسة كارنجي بعنوان “مواجهة الحلقة الأضعف: مساعدة الأحزاب السياسية في الديمقراطيات الناشئة”. ورغم مرور أكثر من ستة أعوام على إصدار الكتاب، فإن الملاحظات التي يبديها والمبنية على بحوث ميدانية لمناطق مختلفة من العالم، ما تزال تنطبق بدقة متناهية على العالم العربي.
الملاحظة الأولى هي أن معظم الأحزاب السياسية في الديمقراطيات الناشئة لا تحظى بشعبية كبيرة، بل إن الانطباع العام عن الأحزاب في هذه البلدان سلبي. تشعر الأغلبية أن الأحزاب يتم تأسيسها لخدمة قلة نخبوية، بدلا من عامة الناس، وأنها تصرف وقتا أكبر في التناحر بينها في محاولة لإيجاد الحلول لمشاكل البلد الذي تعمل فيه. وتشعر الأغلبية كذلك أن الأحزاب تنشط وقت الانتخابات فقط ولا يسمع منها في الأوقات الأخرى.
الملاحظة الثانية هي أن معظم هذه الأحزاب تجمعها صفات مشتركة: فهي مرتكزة حول شخص أو قلة، قدراتها التنظيمية ضعيفة، ليست لها قاعدة واضحة، أو برامج تفصيلية، أو قدرة على بلورة أو تنفيذ سياسات فاعلة.
كما يلاحظ الكاتب أن معظم هذه الأحزاب الجديدة تخلق وتموت بسرعة فائقة. في اسبانيا، تنافس على الانتخابات الأولى بعد التحول للديمقراطية في منتصف السبعينيات 161 حزبا، وقد رأينا كيف تنافست على الانتخابات التونسية العام 2011 أكثر من 110 أحزاب، وأكثر من 67 حزبا في مصر، لم يفز منها في كل هذه البلدان إلا قلة.
ونرى اليوم كيف تتنافس أكثر من 60 قائمة وطنية على الانتخابات في بلد صغير كالأردن. قد يكون الأمر مستغربا او حتى مستهجنا، ولكنه ليس بالخارج عن المألوف، قياسا بالتجارب العالمية في هذا المضمار.
الملاحظة الثالثة، والتي تعنينا مباشرة في الأردن هي الصعوبة المضاعفة لقيام أحزاب في بلد تتمتع به السلطة التنفيذية، مع ما يرافقها من طبقات مستفيدة من الوضع القائم، بشبه احتكار للسلطة.
في بلدان عديدة في أميركا الجنوبية وافريقيا والاتحاد السوفياتي سابقا، نجحت قوى الوضع القائم لعقود طويلة في مقاومة أي محاولات للإصلاح. ولكن في الدول التي لم تنجح حكوماتها في معالجة مشاكل المواطنين، فقد أدت هذه السياسة عبر الزمن إلى احتقان مجتمعي متزايد وإلى تنامي قوى أخرى معارضة وصلت للحكم كما حدث في فنزويلا وبلغاريا في التسعينيات.
من أهم أسباب نجاح التجربة الحزبية في اوروبا مثلا، كما يرى المؤلف، أن تطور التجربة الحزبية هناك أخذ أكثر من مائة عام، مرت فيها الأحزاب بمراحل عدة بدأت بأحزاب نخبوية ثم انتقلت في مرحلة الثورة الصناعية لأحزاب لها قواعد أوسع، وخاصة بسبب النقابات العمالية، وصولا لأحزاب تعتمد الانتخابات طريقا للوصول إلى السلطة.
أما في الديمقراطيات الناشئة، فإن الأحزاب الجديدة تحاول اختزال هذه المراحل مركزة فقط على العملية الانتخابية دون العمل الجدي لبناء قواعد على الأرض.
ويلاحظ الكاتب أن أحد عوامل نجاح القوى الإسلامية في الوطن العربي، أنها منعت من خوض الانتخابات في معظم الدول العربية، وبالتالي لم يكن لديها خيار إلا بناء قواعد شعبية على مدى عقود طويلة، ما أفادها لاحقا. بمعنى آخر فإن السياسات الإقصائية للعديد من الدول العربية أسهمت في تقوية الاحزاب السياسية الاسلامية.
هناك عوامل بنيوية تقف أيضا عائقا أمام تطور الأحزاب الجديدة. في الدول ذات الديمقراطيات المتجذرة، رافقت عملية تطور الاحزاب التدرجية تقوية واعمال مبدأ سيادة القانون، بمعنى تطوير نظام قضائي قوي، التوافق على مبادئ قانونية اساسية واحترامها، والالتزام الراسخ أن لا احد فوق القانون.
في الأردن، سيادة القانون على الجميع دون محاباة أو تمييز تعني ايضا اهمية الانتهاء من النظام الريعي واستعادة الثقة بين المواطن والدولة، إن كنا جادين في تطوير نهج ديمقراطي سليم.
عامل بنيوي آخر مهم هو المال. الكثير من الاحزاب الجديدة تحاول تطوير نفسها في دول فقيرة لا مجال للمواطن العادي التبرع لها من أجل خلق قدرات تنظيمية والتمويل اللازم للاتصال الجماهيري. بالتالي أغلب هذه الأحزاب تصبح مرهونة لعدد قليل من الناس، وبالتالي مدافعة عن مصالح تلك القلة بدلا من قطاع واسع من المواطنين.
نتكلم اليوم في الأردن عن المال السياسي، وهي ظاهرة ستبقى معنا طويلا. قد تساعد تكنولوجيا المعلومات في هذا المجال من القدرة على الوصول الى عدد كبير من الناس، وشرح برنامج الحزب بكلفة متدنية اضافة الى القدرة على التبرع للحزب عن طريق الانترنت مع اتساع عدد مستخدمي الانترنت بمرور الزمن.
هل يعني ذلك الحكم على فشل تطوير احزاب ديمقراطية في الوطن العربي حتى قبل ان تبدأ التجربة؟ قطعا لا. الكتاب ذاته يخلص إلى أن العالم لم يستطع ايجاد بديل مناسب للنظام الحزبي على علاته بما في ذلك في الديمقراطيات الناشئة.
حتى في المجتمعات المتطورة، فإن مؤسسات راسخة وفاعلة، كمنظمات المجتمع المدني لا تستطيع ادعاء تمثيلها لشرائح عريضة، كونها غير منتخبة من هذه الشرائح، وكونها كثيرة ومتعددة بتعدد اهتمامات أعضائها.
الدروس المستخلصة أننا لا نختلف عن غيرنا من دول العالم، من ناحية اننا سنمر بتجارب عديدة سيفشل معظمها في اقامة نظم تعددية ناجحة وقادرة على ممارسة الحكم الرشيد، ومعالجة هموم الناس مثلما هي قادرة على بناء انظمة من الرقابة والتوازن بين السلطات ومحاسبة الفاسدين. ولكن إن أردنا كسر احتكار القوى المستفيدة من امتيازاتها، أو أية قوى لا يكون التزامها بالتعددية مبدئيا وبصورة راسخة وأبدية، فعلينا بدء العمل الجدي لبلورة خيارات أخرى، ثالثة ورابعة وخامسة، قد تختلف في مقاربتها لتحديات الوطن، ولكنها تتفق اتفاقا كليا في رفع راية التعددية والدفاع عنها دفاعا مستميتا.
ستقف قوى الوضع القائم كما فعلت في السابق سدا أمام كل محاولة جدية للاصلاح، وستهاجم كما فعلت في السابق وبشراسة كل من يدعو للاصلاح، ولكنها ستفشل في النهاية لان التاريخ يعلمنا ذلك.
وستفشل كذلك كل المحاولات الاخرى التي تدعي الاصلاح، فيما تركز هي على الانتخابات والشهرة الشخصية فقط دون الصالح العام.
في النهاية، فقط القوى التي تعمل على الارض وتبني قواعد شعبية وتقدم حلولا عملية لمشاكل الناس وتنظر لكافة مواطني هذا البلد الغالي نفس النظرة، وتتبنى سياسة النفس الطويل هي من سينجح، ولو بعد حين، وبنجاحها سيزهو الوطن.





