
لا قيمة أخلاقيةً أو سياسيةً لإدانة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنجامين نتنياهو جريمة حرق الرضيع الفلسطيني علي دوابشة قرب نابلس نهاية الأسبوع الماضي. فالجريمة هي نتاج سياسة نتنياهو وحكومته تشجيعَ الاستيطان واحتضان المستوطنين وشيطنةَ الإنسان الفلسطيني.
إدانة نتنياهو الجريمة من دون وقف السياسات التي أنتجتها محاولةٌ للتخفيف من تبعاتها على صورة إسرائيل، وليس موقفاً حقيقياً ضدّ الجريمة وضدّ الإرهاب الذي يمارسه المستوطنون بحقّ الفلسطينيين.
الدولة الإسرائيلية، بحكومتها وقضائها، مسؤولةٌ عن تجذّر الإرهاب الاستيطاني. هي التي تُموّل الاستيطان وتدعمه سياسةً رسمية. وهي التي تُحصّن المستوطنين ضدّ أيّ إجراءاتٍ قضائيةٍ تردعهم أو تحاسبهم على جرائمهم.
والدليل في المواقف والأرقام.
فنتنياهو أعلن غير مرةٍ أنّه مُتمسكٌ بالتوسع الاستيطاني رغم إدانة العالم كلّه له خرقاً للقانون الدولي وتقويضاً لحلّ الدولتين. والحكومة الإسرائيلية مُستمرةٌ في بناء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في سعيٍ مُمَنهجٍ لقتل كلّ فرص قيام الدولة الفلسطينية.
نتيجة هذه السياسة ليس فقط تغيير الحقائق على الأرض بما يجعل من قيام الدولة الفلسطينية القابلة للحياة أمراً مستحيلاً. نتيجته أيضاً هي تنشئةُ المجتمع الإسرائيلي على نُكران حقّ الفلسطينيين في وطنهم، وتبريرُ استهدافهم وقتلهم واستباحة حقوقهم. السياسات الإسرائيلية تُكرّس كُرهَ الفلسطينيين وشيطنتهم قيمةً في الوعي الإسرائيلي. لذلك يستهين المستوطنون قتلَهم، ويجد القتلة بيئةً مساندةً تدافع عنهم وتبرّر جرائمهم.
يتّهم الإسرائيليون العرب بالتحريض ضدّهم في مناهجهم ومنابرهم العامة. والحقيقة هي أنّ إسرائيل هي من يُحرّض ويشيطن في المناهج وفي السياسات وفي المواقف الرسمية، التي دفعت المجتمع الإسرائيلي إلى تطرّف غير مسبوقٍ في رفض السلام وفي إنكار كلّ الحقوق الإنسانية والسياسية للشعب الفلسطيني.
والحال ليست أفضل في القضاء الإسرائيلي، الذي يدّعي العدالة والنزاهة. الأرقام المتوفرة تشير إلى أنّ القضاء الإسرائيلي يرفض أكثر من ثمانين بالمئة من الشكاوى التي يرفعها الفلسطينيون. ومن بين حوالي الثمانية بالمئة من القضايا التي تصل درجة الاتهام، لا تتجاوز نسبة الإدانة ثلاثة بالمئة.
جريمةُ حرق الطفل الدوابشة إذن هي نتاجُ سياسةٍ تحرّض وقضاءٍ لا يردع. وهذان يشكّلان واقعاّ دعمه نتنياهو المتحالفُ مع التطرّف الاستيطاني والمُلتقي معه في رفض إنسانية الفلسطينيين وحقهم في أرضهم واستقلالهم.
لذلك لن تُترجم إدانة نتنياهو جريمة قتل الدوابشة فعلاً مؤثراً يوقف الاستيطان والتحريض اللذين أدّيا لها. من المؤكد أنّ الحكومة الإسرائيلية ستُرسل القتلة إلى القضاء إن استطاعت. لكن هدف ذلك سيكون لملمة انعكاسات هذا العمل الإرهابي على صورة إسرائيل دولياً، وليس وقف التدهور القيمي وإنهاء السياسات العنصرية التي تُغذّي إرهاب المستوطنين.
ستستمر إسرائيل في سياساتها المتنكرة لحقوق الفلسطينيين طالما ظنّت أنها قادرةٌ على سرقة الأرض وإدامة الاحتلال من دون دفع كلف جرائمها. ويعتقد نتنياهو أنّ تراجع أولوية القضية الفلسطينية إقليمياً ودولياً في ضوء ما تشهده المنطقة من أزمات يتيح له فرصة تقويض الشروط الموضوعية لقيام الدولة الفلسطينية. رهانه الواضح أنّه يستطيع الحصول على الأرض والأمن معاً.
وقد يكسب نتنياهو رهانه مرحلياً. لكنّ الحقيقة التي يُغفلها هذا الرهان هي أنّ الإمعان في استباحة الفلسطينيين وقتل أملهم بحلّ سلميٍ يُلبّي الحدَّ الأدنى من حقوقهم سيقودهم إلى يأسٍ سيتفجّر عنفاً سيحرم إسرائيل الأمن الذي تعيشه منذ سنوات.
وربّما وقتذاك فقط ستدرك إسرائيل عبثية رهانها، فتوقف صناعة التطرف في مجتمعها، وتقتنع أنّ حصول الفلسطينيين على أمنهم وحريتهم هو شرط تحقيق الأمن والاستقرار الحقيقيين لها




