
عندما كنت طالبا في باريس في منتصف الخمسينيات كان الطلبة الصينيون الذين يحضرون الدكتوراة في مختلف التخصصات لا يتجاوز طول الواحد منهم كتفي، مع أني لم أكن أتجاوز المتر والستين سنتيمترا بكثير. كنت أنصت إليهم يصوصون كالعصافير بالعشرات في الغرفة المجاورة لغرفتي في الفندق الذي كنت أقطن فيه. وفي الثمانينيات فوجئت في مؤتمر طه حسين في جامعة المنيا بباحث صيني شاب كالنخلة يكاد أن يبلغ طوله ضعف طولي. قلت له: هل أنت صيني حقا ؟ فأجاب: طبعا صيني.
قلت له: كيف ذلك وأنا أعرفكم قصار القامة وفي نحافة شديدة. قال: حقا كان ذلك طول أبي، وأشار إلى ما تحت كتفه. أما جدي فكان لا يزيد طوله عن ذلك (وأشار لمنتصف طوله). ثم أردف قائلا: مرجع ذلك أن الصين كانت من أفقر دول العالم منذ ما يزيد على بضعة عقود بعد الحرب العالمية الثانية. ولهذا كانت الأجيال السابقة لا تتغذى في طفولتها بما يجعلها تنمو وتترعرع بينما صار ذلك ممكنا بالنسبة لنا نحن من الأجيال التالية. كأنما تعملق الصين في العقود الأخيرة قد صار متمثلا في طول أجياله المتتابعة. فالتقدم الاقتصادي صار على الرغم من انفتاحه على السوق العالمية يعود بالنفع على غالبية الشعب الصيني. ولعل هذا يتمثل في الحل الصيني الذي ينتفع بكافة خبرات هذا العالم وإمكاناته، لكن على أن تصب في مصلحة الشعب الصيني عن طريق التخطيط القومي لكل ذلك الوافد من خبرات، ومعارف، وفنون إنتاجية، وإمكانات مادية. فانفتاح الصين على السوق العالمية ليس انبطاحا لقوانينها، وإنما استفادة من إمكاناتها. هو إذن نوع من التمفصل بين الصين والعالم الخارجي، بما لا يدع الصين تتأثر بالهزات الاقتصادية خاصة في العواصم الغربية. وهو ما رأيناه بالفعل فيما صار يعرف بأزمة الاقتراض العقاري في أمريكا عام 2008، حيث لم تؤثر تلك الأزمة في الاقتصاد الصيني على الرغم من تداعياتها بالنسبة للاقتصاد الأوروبي وغير الأوروبي. ولعل هذا الدرس يمكن أن ينفعنا نحن في مصر والعالم العربي، فالانفتاح على السوق العالمية لا يمكن أن يكون سداحا مداحا كما فعل السادات في 1974، ومن بعده مبارك بكل تلك الفجاجة التي أبدع فيها ولداه وخلانه من رجال الأعمال الذين سطوا على معظم ثروات هذا الشعب ولاذوا بالفرار. وجانب المفارقة هنا بين ما حدث آنذاك من قطيعة بين الغرب، وعلى رأسه أمريكا، وبين الصين حتى مطلع الثمانينيات، قد استحال بعد ذلك لتعاون اقتصادي وعلمي وفني على كافة المستويات. ففي الوقت الذي كانت فيه الجامعات الألمانية الغربية توفر في ظل الانكماش الاقتصادي وظائف الأساتذة الجدد على حساب زملائهم المعينين حتى صار هؤلاء يعتبرون أن رحيل زميل لهم عن هذه الحياة يعد تخليا منه عنهم لأنهم سيكلفون بأعبائه التدريسية والبحثية، في هذا الوقت نفسه أنشئ كرسي جديد لاقتصاديات الصين في جامعة بوخوم الألمانية حين كنت عضوا بهيئة التدريس بها في مطلع الثمانينيات. ويرجع ذلك لأن الاقتصاد الألماني الغربي كان يلهث آنذاك وراء سوق الصين بمليارات شعبها بعد أن صار قادرا على شراء المنتجات الغربية.
لم تعد المسألة بالنسبة للصين منذ انفتاحها على السوق العالمية بعد فترة انغلاق لعدة عقود، مسألة نزاع «عقائدي»، محض نظري، وإنما توظف تفاعل الأفكار لما يعود بالفائدة على الاقتصاد والفكر والحلول الصينية دونما أدنى تخل عن هويتها الثقافية أو الاجتماعية. وذلك في حقل الاقتصاد على وجه التحديد بعدم الانصياع لآليات السوق العالمية، وإنما بالاستفادة منها في التخطيط للاقتصاد الداخلي الذي صار الثاني مباشرة على الصعيد العالمي.
هذه هي الصين في انفتاحها على كافة بلاد العالم، لكن كي يصب ذلك كله في دعم الشعب الصيني من كافة الوجوه. انفتاح يصاحبه التخطيط الرشيد على كافة المستويات.
عن «الاهرام» المصرية




