
من المؤكد أنه يجب علينا معالجة إغواء الإيديولوجيات العنيفة المتطرفة. وفي الوقت نفسه، يجب علينا التخفيف من نبرة خطاب الكراهية وعدم التسامح.
* * *
تماماً مثلما هناك العديد من الأسئلة التي ليست لها إجابات عن السبب وراء قيام سيد فاروق وزوجته، تشفين مالك، بذبح 14 شخصاً خلال حفلة في سان برناردينو في كاليفورنيا، فإن هناك الكثير جداً مما هو واضح على نحو مأساوي.
في المقام الأول، ثمة 14 شخصاً قتلوا، و17 آخرين جرحوا، وتضررت حياة المئات من أفراد العائلات والأصدقاء بقسوة بسبب الجريمة البشعة. ومن الطبيعي أن يتم الشعور بفداحة هذا الرعب طول العمر لدى أولئك الذين حرموا من حب ورفقة الآباء والأمهات والأخوات والإخوة والأزواج والزوجات أو الأصدقاء الذين أخذتهم الجريمة منهم.
لكن الصدمة الناجمة عن هذه الجرائم ترددت إلى ما هو أبعد من “الإمبراطورية الداخلية”. لقد تعقبت أمة بكاملها هذا الكابوس في الزمن الحقيقي. وبينما قد لا يكون أولئك الذين تسمروا في مقاعدهم أمام أجهزة التلفزة على معرفة بالضحايا، فإنهم شعروا بالألم. واختبروا من على بعد مشاعر الخسران وانعدام الأمن اللذين صاحبا العشوائية الظاهرة للجريمة التي تم ارتكابها.
لقد أصاب الرئيس كبد الحقيقة عندما علق على تكرار الأحداث التي ترتب علينا معها معاناة نتائج هذه الأعمال الإرهابية، وحقيقة أننا لا نستطيع ببساطة السماح لهذه الجرائم الجماعية بأن تصبح “العرف الجديد” الذي يُعرِّف حياتنا اليومية. وهناك، كما كنت قد أشرت في مقال سابق بعد عمليات القتل في تشارلستون، أكثر من حالة إطلاق نار جماعي في اليوم في الولايات المتحدة، وفي الكثير جداً من الحالات، يرتكب هذه الأعمال المريعة أشخاص يعانون من اضطرابات عقلية ممن يستطيعون الوصول إلى أسلحة تتوافر على قدر غير معقول من الفتك. بعضها جرائم عاطفة، وأخرى لها صبغة القصد السياسي. وفي الحالة الأخيرة، وسواء حدث ذلك في كنيسة في كارولينا الجنوبية أو في عيادة للأبوة المخططة في كولورادو، أو في حفلة مكتبية في كاليفورنيا، فقد كانت هناك حالات كثيرة جداً شهدت أناسا غير متوازنين عقلياً ومسلحين بأسلحة متطورة وهم يشغلون خيالاتهم الإيديولوجية ليحصدوا أرواح آخرين أبرياء، ممن تصادف أنهم كانوا متواجدين في المكان الخطأ في الزمن الخطأ.
سواء كانوا مدفوعين بوهم التفوقية البيضاء، أو بأكاذيب حول محتوى شريط لبيع أعضاء جسم جنين، أو بتشويهات كبيرة للدين، فإن هذه الجرائم تبقى الشيء نفسه، والضحايا هم نفس الضحايا، والصدمة وفقدان الأمن الذي يصيب البقية منا هما المشاعر نفسها.
على أن هناك فارقاً واحداً مهماً، وهو عندما يكون مرتكب الجريمة مسلماً؛ حيث تتدفق الجريمة وتفيض لتلحق الضرر بجالية كاملة في المجتمع. وكانت هناك جهود بعد حادثة تشارلستون لإزالة علم الكنفدرالية من مبنى عاصمة الولاية. لكن الجنوبيين البيض الذين يدعون بأن هذا العلم هو تراثهم لم يكونوا ضحايا لجرائم الكراهية. وبعد الهجوم على عيادة تخطيط الأبوة، لم يتسلم الناشطون المعادون للإجهاض وتنظيماتهم موجة من تهديدات القتل، كما لم يتم العبث بمكاتبهم وتخريبها.
أما بعد حادثة سان برناندينو، فقد ترتب على الأميركيين المسلمين مرة أخرى تحمل التوبيخات المهينة والازدراء والكراهية. وتمت مداهمة مساجد منذ ارتكاب فاروق ومالك لأعمالهما الإرهابية، وعانى المسلمون الأبرياء من عشرات جرائم الكراهية المرعبة.
وقد ضرب ألم هذا الموضوع مكتبي بطريقة شخصية. فهناك امرأة شابة تعمل معي، والتي أصبحت تجيء إلى العمل وهي تضع على رأسها قبعة، لأن والدتها خافت أن تجعلها تغادر المنزل وهي ترتدي حجابها.
كما أن شقيقة امرأة أخرى تعمل في مكتبي، ولها من العمر ستة عشر عاماً، تلقت تهديدات بالقتل في مدرستها الثانوية. وكان زملاؤهما في العمل داعمين لهما، لكنهم يشعرون بالحيرة وبالصدمة من كل هذه العروض لعدم التسامح.
وأنا لست غريباً على تلقي التهديدات بالقتل. ولذلك أفهم ماهية الوضع الذي يمرون فيه. فبعد أحداث 11/9 كان ثلاثة رجال قد هددوني بالقتل، حتى أن أحدهم هدد بقتل أولادي. وتلقت ابنتي التي كانت في ذلك الحين طالبة مستجدة في الجامعة تهديداً بالقتل على هاتف غرفتها في السكن الجامعي. وأتذكر أن ما كان يضايقني أكثر ما يكون خلال تلك الفترة المخيفة هو الشيء نفسه الذي كان يضايق أقراني الأميركيين. لقد غضبت من القتلة الذين أساؤوا إلى ضيافة بلدي وقتلوا مواطنيّ. وكنت أنا أنعي وأتألم أيضاً بسبب فقدانهم أرواحهم وبسبب الحزن غير القابل للتعبير عنه لدى الكثيرين من أحبتي الذين أخذ منهم أحبتهم. وكان ما فعلته جرائم الكراهية هو أنها أنكرت علي وعلى عائلتي حدادنا وشعورنا المشترك بالحزن كأميركيين، لأننا أصبحنا مجبرين على النظر المتشكك من حولنا ومن ورائنا خوفاً من الذين أساؤوا توجيه الكراهية واستهدفونا نحن.
لحسن الحظ، لم تنته القصة هناك. فقد وفرت لنا شرطة مقاطعة كولومبيا حماية، وألقى مكتب التحقيقات الفيدرالي القبض على الجناة ووجه إليهم التهم وأدانهم. وكانت هناك العديد من التصرفات اللطيفة من أشخاص عرفتهم ومن أشخاص لم أكن أعرفهم، من الذين اتصلوا أو كتبوا وعرضوا الدعم. وكان ذلك شيئاً رائعاً بحق، وكانت أميركا في أفضل حالاتها. لكن كل ذلك ما كان ينبغي أن يكون ضرورياً لو لم يشتت الكارهون انتباهنا بعيداً عن جريمة 11/9 والتسعة عشر إرهابياً الذين ارتكبوا تلك الأعمال الفظيعة من القتل.
لقد قررت جهات إنفاد القانون الآن أن جرائم سان برناندينو كانت عملاً إرهابياً وهي تعمل راهناً للإجابة عن سؤال: لماذا. وسوف يعرف المحققون قريباً وقبل مرور وقت طويل ما هي العوامل التي دفعت فاروق ومالك إلى اتخاذ هذا المسار الجرائمي. وقد توفر تحقيقاتهم الإجابات، لكنها لن تضع نهاية لحزن عائلات أولئك الذين قتلوا. ولن يشفي جراحهم أي شيء.
سوف يكون هناك هؤلاء الذين سيركزون بشكل حصري على هذا العمل وعلى هؤلاء الفاعلين الذين حاولوا تبرير جرائمهم كما يبدو بالدين. لكن ذلك لا يجب أن يحول انتباهنا عن المشاكل الأضخم في قضايا انتشار الأسلحة ومسائل الصحة العقلية والعنف الجماعي.
من المؤكد أنه يجب علينا أن نعالج إغواء الإيديولوجيات العنيفة المتطرفة (سواء كانت مستندة إلى الدين أو العداء للحكومة أو كراهية العرق)، وأن نلاحظ ما يجر الأشخاص المرضى إلى تبنيها. ولكن هناك قضايا أخرى يجب علينا التصدي لها أيضاً: مسألة إمكانية الوصول إلى الأسلحة الفتاكة التي تسبب حالات إطلاق النار الجماعي، من كل الأنواع، وفشل نظام الصحة العقلية لدينا، والذي يتيح سقوط الكثيرين من خلال الشقوق، وثقافة العنف التي كرست حالات إطلاق النار الوبائية.
في الأثناء، يجب علينا خفض نبرة خطاب الكراهية وعدم التسامح، وعدم السماح للكارهين بإنتاج ضحايا جدد لهذا الرعب، من خلال استهداف المسلمين الأميركيين الأبرياء بشكل عشوائي.
جيمس زغبي – (واشنطن ووتش)
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Another Mass Killing, More Hate
abdrahaman.alhuseini@alghad.jo




