
بعد ثلاث حروب في ست سنوات، أصبح في غزة اليوم أعلى معدل للبطالة في العالم، وتقوم الأسر التي تعاني من الفقر المدقع بإرسال أطفالها للعمل في جمع الأنقاض.
بيت حانون، قطاع غزة- على طريق ترابي في بيت حانون المدمرة، تخرج ألواح الخرسانة وقضبان الحديد المطوية من بقايا المباني المسواة بالأرض، بجوار المنزل الوحيد الباقي الذي لم تمزقه حرب العام 2014 بين إسرائيل وحماس. وتقف بناية شقق سكنية عالية مهترئة هنا وحيدة في أقصى شمال قطاع غزة.
ثمة صبيان يتنقلان بين ركام المباني المهدمة بدلو بلاستيكي، ويُعملان أصابعهما الصغيرة في الحطام. ويجمع عزيز الرنتيسي -6 سنوات- قطعاً خشنة من الإسمنت التي تشبه شكل الحجارة بطريقة ما، وتبدو أظافره مسودة على أطراف يديه المتصلبتين.
يمر صبي آخر لم يبلغ سن المراهقة بعد على دراجة هوائية “بي. أم. إكس”، قديمة فاتحة اللون. ويرفع عزيز رقبته وينظر إليه بحسرة. ويقول: “لم أركب دراجة في حياتي أبداً. أحب حقاً أن أركب واحدة”. ويضيف: “الرجل الذي يشتري منا الحجارة سوف يغلق قريباً، ولذلك ليس هناك وقت للعب على دراجة. لكن هناك شيئين أتمناهما في الحياة -دراجة هوائية سوداء وجمع الكثير من الحجارة”.
يتلقى الطفلان الفلسطينيان عزيز وشقيقه عبد الفتاح -8 سنوات- خمسة شواقل، أو 50 بنساً، عن كل 50 كغم يجهدان في جمعها من الحجارة. وإذا تمكنا من العثور على 5 قطع متماسكة من الطوب الإسمنتي، فإنهما يكسبان 15 بنساً. وبينهما، يجني الشقيقان نحو 5 جنيهات إسترلينية أسبوعياً (نحو 5 دنانير وربع الدينار)، من العمل أربعة أو خمسة أيام بعد الظهر، بعد الانتهاء من المدرسة عند الساعة الحادية عشرة صباحاً.
الشقيقتان هما جامعا أنقاض في بيت حانون؛ إحدى المناطق التي أصيبت بأسوأ القصف وأفدح الدمار خلال حرب الواحد وخمسين يوماً بين إسرائيل وحماس في العام 2014، التي خلفت 2.200 فلسطيني و73 إسرائيلياً من القتلى. وعزيز وعبد الفتاح هما اثنان فقط مما يقدر عددهم بنحو 104.000 طفل مجبرين على العمل في المناطق الفلسطينية المحتلة.
يُعتقد الآن أن غزة تعاني أعلى معدل بطالة في العالم؛ واليوم، نصف السكان البالغين فيها بلا عمل. وبينما تمت إزالة الكثير من ركام نحو أكثر من 100.000 منزل دُمرت أو تضررت في الحرب الأخيرة، ما تزال هناك بعض المواد المتبقية في المكان، والتي يجري جمعها وطحنها إلى إسمنت؛ السلعة التي تعاني من نقص المعروض بعد إغلاق الأنفاق بين مصر وغزة.
بدأ الاقتصاد في غزة بالانهيار بعد العام 2005، عندما قامت إسرائيل بسحب المستوطنين اليهود الذين كانوا يسكنون في القطاع. وفي العام 2006، كسبت حركة حماس الإسلامية الانتخابات في غزة، ثم انتزعت السيطرة عليها من فتح؛ الحزب العلماني الفلسطيني الأبرز. وعندئذٍ قطعت إسرائيل العلاقات، وحاصرت غزة جواً، وبراً وبحراً. وقد تصاعدت نسب البطالة في غزة اليوم، بعد ثلاث حروب في ستة أعوام فحسب، وأصبح الاقتصاد الآن راكعاً على ركبتيه. وأُجبر المزيد من الأولاد على العمل نتيجة للحرب الأخيرة، بينما فقد الكثيرون منهم كلا والديه معاً؛ أو أصبح آباؤهم عاطلين عن العمل، أو مصابين أو معاقين أو مرضى، ولم يعد بإمكانهم العمل.
لعزيز وعبد الفتاح والد مريض. ويعاني ذياب الرنتيسي، 42 عاماً، من سكري لم يُعالج، ولذلك أصبح عرضة للنوبات وفقدان الوعي، وهو ما يجعل من الصعب عليه العمل. وشقيقهما حمزة -10 سنوات- مصاب بشلل دماغي. وهو يقبع مدفوناً في كومة من البطانيات الرقيقة القذرة في منزل عائلته المكون من ثلاث غرف، ولا يكاد يغادره. وثمة شقيق ثالث، فارس ذي الثمانية عشر شهراً من العمر، والذي أزيلت إحدى عينيه بسبب السرطان -وهو الآن في غيبوبة.
تعيش الأسرة المكونة من ثمانية أشخاص في مساحة تخزين محولة إلى إسكان في “أبراج العودة”، التي كانت حكومة فتح قد بنتها لإسكان فقراء غزة، لكن حكومة حماس الحالية أهملتها وتركتها تتعفن، وتدفع الحكومة حالياً حداً أدنى من المساعدة للمعدمين. وتقول العائلة إنها تتلقى 1.500 شاقل (ما يعادل 264 ديناراً أردنياً) من حكومة حماس كل ثلاثة أشهر تقريباً.
ومع عدم وجود تدفئة، فإن الجو في داخل منزل الرنتيسي أبرد من الجو في الخارج بينما يزحف الشتاء. وتعبق في المكان رائحة البول اللاذعة. وليس في الحمام ماء جار، ولا “دوش” للاستحمام، وإنما مجرد حفرة في الأرض هي المرحاض. ومع انقطاعات الكهرباء اليومية في غزة، فإن الأسرة محظوظة بأن تكون لديها كهرباء لمدة تصل إلى ثماني ساعات في اليوم.
وعندما يكون التيار موجوداً، تستطيع الأسرة ضخ المياه إلى خزان خارجي من أجل الشرب والطبخ، لكن منظمة الصحة العالمية اعتبرت هذا الماء ملوثاً بنسبة 95 % وغير آمن للشرب. ولا تستطيع الأسرة دفع ثمن المياه المحلاة، مثلها مثل معظم الغزيين. وليست هناك نوافذ للبيت والمطبخ يرشح، والبلاط اهترأ كاشفاً عن الأرض العارية. وفي إحدى الزوايا تقف ثلاجة جديدة بيضاء، وفي زاوية أخرى غسالة ملابس تم التبرع بهما مؤخراً للعائلة. لكن الثلاجة عارية وخاوية.
يصل عزيز وعبد الله إلى المنزل من المدرسة، ويغيران ملابسهما. ولأنهما لا يستطيعان دفع ثمن الزي المدرسي، فإنهما يرتديان الجينز، وبلوزات من المواد الصناعية وصنادل بالية للمدرسة. ويلتف عزيز بمعطف شتائي رمادي جاءه هدية من المدرسة.
لا وجبة غداء للولدين اليوم لأنه لا يوجد طعام. وبحلول منتصف النهار، يذهب الولدان إلى العمل في الأنقاض المجاورة وحول منزلهما. ويقول عزيز وهو يلتقط قطعة من الأنقاض: “لقد رأيت شظايا الصواريخ في المباني المدمرة، لكنني لا أعتقد أنها خطيرة جداً”.
وقد نجا عزيز من حربين، ويتذكر: “أتذكر الصاروخ الذي أطلق على الطابق العلوي. كنت داخل المنزل. بدا الأمر مثل الزلزال عندما ضرب منزل جيراننا. كنت ألعب بهاتف أبي المحمول. وفي اليوم التالي غادرنا إلى الملجأ. أخذنا عمنا على عربة يجرها حصان”.
لعزيز أنف سيال وصندل ممزق. وهو طفل هادئ ويقول إنه بدأ يتعب من جمع الأنقاض، لكنه يظن أنه ليس لديه خيار. وهو يغادر المنزل إلى المدرسة عند السادسة صباحاً، ثم يعمل من الثانية عشرة ظهراً حتى السادسة مساء تقريباً.
ويقول عبد الفتاح: “أنا أعطي أبي المال الذي أكسبه ليشتري الطعام. أكلاتي المفضلة هي الدجاج والسمك، لكننا لا نأكلهما”.
يعمل الأولاد والشباب الصغار في كل أنحاء قطاع غزة في أعمال مختلفة، من جمع الأنقاض إلى العمل في المصانع والكراجات، إلى بيع الأشياء في الشوارع. ويعيش جميل مؤمن، 21 عاماً، وشقيقه الأصغر هيثم، 15 عاماً، في مخيم الشاطئ للاجئين. ويريد جميل أن يدرس في الجامعة، لكنه يبيع بدلاً من ذلك البالونات ويؤجر جولات ركوب للأطفال على سيارة صغيرة كهربائية صغيرة، حتى يعيل عائلته. وقد اضطر هيثم إلى ترك المدرسة للمساعدة على إعالة أسرته أيضاً؛ وهو يعمل ثماني ساعات في اليوم في بيع البالونات لقاء ما يعادل 15 بنساً للبالون خارج الحدائق، ومراكز التسوق والمطاعم مثل مطعم “أمواج” في وسط قطاع غزة؛ حيث تبلغ قيمة طبق الباستا أكثر من دخل هيثم اليومي الذي يعادل نحو أربعة جنيهات بريطانية (أربعة دنانير تقريباً).
يفترض أن يكون الحد الأدنى لعمر العمل في الضفة الغربية وقطاع غزة 15 عاماً، و18 عاماً للأعمال الخطرة، لكن ذلك لا يُنفذ في غزة. وفي الضفة الغربية، تتمتع السلطة الفلسطينية بولاية على الأراضي المعروفة باسم المنطقة (أ) والمنطقة (ب)، وإنما ليس المنطقة (ج) الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة. ويؤخَذ العديد من الأولاد الفلسطينيين إلى المنطقة (ج) للعمل في المزارع التي يمتلكها الإسرائيليون؛ ولا تستطيع السلطة الفلسطينية إرسال مفتشيها إلى هذه المزارع.
وفقاً لتقرير أعدته وزارة العمل الأميركية، لا توجد لدى السلطة برامج لمنع أو القضاء على أسوأ أشكال عمالة الأطفال. ووجدت الوزارة أن السلطة الفلسطينية قد فشلت في المصادقة على الاتفاقيات الدولية المتعلقة بعمل الأطفال بعد أن انضمت إلى اتفاقيات الأمم المتحدة الخاصة بحقوق الأطفال. ويكشف التقرير الذي نشرته وزارة العمل الأميركية في العام 2014 أنه كان يُدفع للأطفال في قطاع غزة لقاء العمل في تهريب البضائع عبر أنفاق غزة حتى تم إغلاق هذه الأنفاق في العام 2014. كما استُخدم الأطفال أيضاً لتهريب المخدرات من الضفة الغربية إلى إسرائيل، كما يقول التقرير. ويوثق التقرير قيام حماس بتدريب أطفال صغار بعمر 12 عاماً على القتال، كما يوثق إحدى الحالات التي استخدمت فيها القوات الاسرائيلية طفلاً كدرع بشري وآخر كمخبر في الحرب الأخيرة.
يقول الدكتور ماهر الطباع، الخبير الاقتصادي من غزة، إن واقع عمل الأطفال في غزة ربما يكون من الأسوأ في العالم كله. ويضيف: “سوف يتم خفض عمالة الأطفال فقط إذا كان هناك ضمان اجتماعي مناسب للعائلات الفلسطينية الفقيرة. يجب أن يكون هناك تضافر للجهود من جميع المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني لمحاربة ظاهرة عمالة الأطفال ولتكثيف الوعي بهذه الظاهرة”.
وفي الأثناء، لا يعرف والدا عزيز وعبدالفتاح؛ ذياب وحنان، كم من الوقت سيستطيعان تدبر أمر إبقاء الولدين في المدرسة؛ وربما يخرجانهما منها حتى يستطيعا العمل بدوام كامل. ويقولان إن إرسال الأولاد إلى العمل هو خيارهما الوحيد. وتقول حنان: “ما الذي يمكن أن تفعله بضعة شاقلات في نهاية المطاف؟”.
ويقول ذياب: “إنهما لا يصلان أبداً إلى 10 شاقلات في اليوم. أنا لا أؤيد فتح أو حماس -إنهم لا يعرفون شيئاً عن السكان… إننا نتوق فقط إلى حياة طبيعية فقط، مثل كيت شاتلوورث – (كرستيان سينس مونيتور)
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
أي أحد خارج غزة>
“.
*نشر هذا التقرير تحت عنوان:Gaza’s children forced to work for a pittance amid war-torn ruins




