من القصر الجديد الذي شيده أردوغان بتكلفة زادت على 600 مليون دولار، إلى رحلة البحث عن هوية ساكنيه، وربما عمن يستضيفه فيه، ثمة مسافة كبيرة كان على الطامح إلى إحياء الإمبراطورية العثمانية أن يقطعها وصولاً إلى شواطئ الحضارة الأوروبية التي يلهث للالتحاق بها، من دون أن يمر ببرلين النازية، أو روما الفاشية في عشرينات وثلاثينات، وأوائل أربعينات القرن الماضي.
لكن أردوغان، في رحلة البحث هذه، سرعان ما سقط في الفخ الذي نصبه لنفسه، حين بدأ يفصح عن أفكاره، وهو يستعد لتحويل تركيا إلى النظام الرئاسي، مبدياً إعجابه الشديد بنظام هتلر الرئاسي في عهد ألمانيا النازية، ولم تشفع محاولات تصحيح تصريحه في إخفاء حقيقة ميوله الاستبدادية نحو جمع كل السلطات في يده. كما أن مأساة أردوغان لم تتوقف عند هذا الحد، إذ سرعان ما اتبع ذلك بالكشف عن وجهه الحقيقي تجاه التعامل مع الكيان الصهيوني، وسعيه إلى إعادة تطبيع العلاقات مع هذا الكيان بالإعلان المباشر عن أن «تركيا بحاجة إلى «إسرائيل»، بعد أن كان يغلف هذا التوجه بالحديث عن أن هذا التطبيع يخدم المنطقة بكاملها، ووضع الشروط تلو الشروط من رفع الحصار عن قطاع غزة إلى إقامة محطة عائمة لتزويد القطاع بالكهرباء.
يأتي هذا السقوط المدوي في ظل تراجع دور تركيا في المنطقة وانهيار خططها الاستراتيجية في سوريا بعد التدخل العسكري الروسي، بل استدراج الدب الروسي لمحاصرتها وفرض عقوبات عليها بعد إسقاط القاذفة الروسية على حدود سوريا الشمالية، من دون أن تجد الحماسة الكبيرة لدى حلف «الناتو» لمجاراتها في سياساتها تجاه «المنطقة الآمنة» وفرض «الحظر الجوي» أولاً، وثانياً، الوقوف معها في وجه موسكو حفاظاً على مصالح دوله، حيث اكتفى الحلف بإعلان موقف تضامني معها، تماماً كما فعلت أنقرة انطلاقاً من مصالحها أيضاً، عندما رفضت في البداية الدخول في التحالف الدولي لمحاربة «داعش»، وقبل ذلك الالتزام بالعقوبات الغربية على روسيا بعد ضمها شبه جزيرة القرم، وهي في كل هذا تدفع ثمن سياساتها العشوائية وحساباتها الخاطئة.
والعنوان الأبرز لهذا التخبط وهذه العشوائية هي محاولة التعويض عن خسارتها في سوريا بإرسال قواتها إلى شمال العراق في انتهاك غير مسبوق لسيادة بلد عربي تدعي الحرص على صداقته والتحالف معه ضد الإرهاب.
لقد ولد هذا التخبط خسارة تركيا لمعظم تحالفاتها في المنطقة، خصوصاً بعد انهيار نظام «الإخوان» في مصر والتيارات الإسلامية وشعورها بفقدان إمكانية تتويج نفسها «زعيمة للعالم الإسلامي».
وإذا كان مفهوماً أن الكيان الصهيوني يبقى حليفها الثابت ومفتاحها الأساس لإصلاح العلاقات مع الغرب، وإذا كان مفهوماً أيضاً أنها استطاعت طرق أبواب أوروبا عبر بوابة اللاجئين، فإنها تخطئ الحساب، مرة أخرى، حين تقرر الالتحاق بالركب الأوروبي من خلال نظام ديكتاتوري يتلفع بعباءة النازية الهتلرية، ومن خلال طموحات أردوغان الشخصية، حتى إن استطاع البحث عن صيغ واستراتيجيات جديدة من الواضح أن لا مكان لها على أرض الواقع في ظل المتغيرات والمعادلات الجديدة على صعيد المنطقة والعالم.
عن الخليج الاماراتية



