الثلاثاء, أبريل 21, 2026
spot_img
الرئيسيةالاخبارالسنة التي أنهت حقبة

السنة التي أنهت حقبة


مدريد- مع نهاية العام 2016، تحيط الشكوك بآفاق العام 2017. فالتوترات في الشرق الأوسط آخذة في التصاعد. وفي أوروبا والولايات المتحدة، يتوالى ظهور الحركات الشعبوية.
في الشرق الأوسط، يتواصل الصراع المأساوي في سورية، على الرغم من المحاولات العديدة غير المثمرة لإيجاد أي قدر من التقارب، وهي المحاولات التي شابها الخلاف الجوهري حول دور الرئيس السوري بشار الأسد في المستقبل في أي عملية سلام أو انتقال سياسي. ومن ناحية أخرى، نجحت القوات الحكومية السورية في الفترة الأخيرة، بدعم من روسيا وإيران، في استعادة مدينة حلب بالكامل تقريباً، وهي التي كانت ذات يوم أكبر مدينة في سورية، ثم تحولت الآن إلى خرائب بفِعل الحرب.
في العام الجديد، لا بد أن تكون الأولوية لإحلال السلام في سورية، وهي المهمة التي تتطلب التعاون الإقليمي والدولي الوثيق. وقد عقد في موسكو يوم السابع والعشرين من كانون الأول (ديسمبر) اجتماع ثلاثي ضم إيران وروسيا وتركيا لمناقشة حل سياسي للصراع السوري. وتوقع المراقبون أن تخيم عليه تداعيات اغتيال السفير الروسي إلى تركيا. ولكن، ليس من المستغرب على الإطلاق أن تتولى هذه الأطراف الثلاثة، وليس الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، التفاوض على مثل هذا الاتفاق.
من التطورات الإيجابية التي شهدها العام الماضي، كان توقيع الاتحاد الأوروبي وتركيا في آذار (مارس) على اتفاق لمعالجة أزمة اللاجئين. وقد استقبلت تركيا حتى الآن نحو ثلاثة ملايين لاجئ سوري منذ بداية الصراع. وعلى الرغم من أن العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا ليست في أفضل أحوالها الآن، فمن الأهمية بمكان أن يستمر الحوار بين الجانبين في العام 2017، وخاصة في ضوء المصالح المشتركة بين البلدين، والتي لا تقوم فقط فقط على الاعتماد الاقتصادي المتبادل، بل وأيضاً على أزمة اللاجئين والكفاح الجماعي ضد الإرهاب.
ومن ناحية أخرى، سوف تستهلك مفاوضات الخروج البريطاني السياسة الأوروبية في العام 2017. ومن المحتمل أن تبدأ المملكة المتحدة في آذار (مارس) تطبيق المادة 50 من معاهدة لشبونة، وهذا يعني بدء إجراءات الانسحاب من الاتحاد الأوروبي رسمياً. وسوف يتمثل التحدي في التوصل إلى اتفاق يضمن سلامة العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة في المستقبل. ولن تكون هذه بالمهمة السهلة. وقد بدأ المفاوضون من جانب الاتحاد الأوروبي بالفعل في وضع جدول زمني لمدة 188 شهراً فقط. وفي حين يظل الكثير غير مؤكد، فإن الأمر الواضح هو أن المملكة المتحدة سوف تضطر إلى قبول حريات الاتحاد الأوروبي الأربع، بما في ذلك حرية حركة العمال، إذا كانت راغبة في الاحتفاظ بقدرتها على الوصول إلى السوق الأوروبية الموحدة.
في العام 2017، تعقد دول أوروبية عديدة انتخابات عامة، ولا ينبغي لنا أن نغفل عن خطر الظهور القوي للحركات الانعزالية والشعبوية المناهضة لأوروبا. فخسارة الاتحاد الأوروبي لدولة بأهمية المملكة المتحدة عسكرياً واقتصادياً هي أمر مؤسف بالقدر الكافي؛ أما خسارة دولة مؤسِّسة للاتحاد الأوروبي مثل فرنسا فسيكون أمراً مأساوياً.
مما يدعو إلى التفاؤل أن نظرة العديد من الأوروبيين تجاه الاتحاد الأوروبي تحسنت في واقع الأمر في أعقاب الاستفتاء على الخروج البريطاني. ولكن هذا لا يقلل من خطورة التحدي الذي ينتظر حكومات الاتحاد الأوروبي في العام المقبل؛ إذ يتعين عليها أن تعمل على توحيد المجتمعات التي قسمتها قوى عالمية عاتية، مثل العولمة وسرعة وتيرة الإبداع التكنولوجي.
وفي واقع الأمر، كان الاستفتاء على الخروج البريطاني، والذي أعقبه فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، بمثابة نذير بصعود الشعبوية في الغرب. أما الآن وقد عكف ترامب على شغل المناصب الوزارية في حكومته بأنصار حُكم القِلة والعسكريين السابقين، فقد أصبحت لدينا كل الأسباب التي تحملنا على الشك في اعتزامه الوفاء بوعده بمزاولة الحُكم من دون الاستعانة بالمؤسسة في واشنطن.
تبدو إدارة ترامب القادمة زاخرة بالأشخاص المجهولين، ولكن لا شك أن رفضه للمؤسسات المتعددة الأطراف من شأنه أن يهدد الجهود الدولية الرامية إلى تعزيز أواصر التعاون لإيجاد حلول لأكبر مشاكل العالم. ولا يخلو هذا من تهديد للعلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ففي السنوات السابقة، كان اتفاق باريس للمناخ والاتفاق النووي مع إيران بمثابة شعاع من الأمل في عالَم يغلق أبوابه في وجه التعددية. وفي السنوات المقبلة، ربما تصبح شعاعات الأمل أكثر نُدرة.
الآن أكثر من أي وقت مضى، أصبحنا في احتياج إلى ذلك النوع من الحوار الذي يساعد في بناء الثقة الاستراتيجية بين القوى العظمى. ومع ذلك، تُلقي تصريحات ترامب بظلال من الشك على استمرار الولايات المتحدة في الالتزام بسياسة “الصين الواحدة” في ما يتصل بتايوان، وهو ما من شأنه أن يلحق أشد الأذى بالعلاقات بين أكبر دولتين اقتصاداً على مستوى العالم. وعلى نحو مماثل، وعلى الرغم من ميل بعض أعضاء فريق ترامب إلى تأييد روسيا، تفتقر العلاقات الأميركية الروسية أيضاً إلى الثقة الاستراتيجية، نظراً لتدخل روسيا العسكري في سورية، وغزوها لشرق أوكرانيا، وتدخلها المزعوم في الانتخابات الأميركية.
من الواضح أن العام المقبل يمثل أهمية خاصة لأوروبا. ولا بد أن تظل العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة قوية، وممتدة الجذور في الاحترام المتبادل للديمقراطية، والحرية، وحقوق الإنسان. وبعد عام مضطرب هائج، وفي ظل القليل من الأخبار الإيجابية في السياسة الدولية، يتشكل 2017 ليتخذ هيئة عام من التحديات والشكوك. ولكن المجهول الأكبر على الإطلاق هو ما إذا كان زمننا هذا مجرد نهاية العام آخر ببساطة، أو نهاية حقبة جيوسياسية كاملة.

خافيير سولانا.

*كان الممثل السامي للاتحاد الأوروبي للسياسة الخارجية والأمن، والأمين العام لمنظمة حلف شمال الأطلسي، وزير خارجية أسبانيا. وهو حاليا رئيس مركز “إيساد” للاقتصاد العالمي والجغرافيا السياسية؛ وزميل متميز في معهد بروكينغز؛ وعضو في مجلس الأجندة العالمية للمنتدى الاقتصادي العالمي حول أوروبا.
*خاص بـ”الغد”، بالتعاون مع “بروجيكت سنديكيت”.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب