
خاص دنيا الوطن- محمود الفطافطة- جاء في المادة (21) من القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لعام 2005، والمقر من المجلس التشريعي أن ” النظام الاقتصادي في دولة فلسطين يقوم على أساس مبادئ الاقتصاد الحر…”.
من هنا، ينطلق هذا التقرير ليجيب على جملة من الأسئلة، أهمها: هل مبادئ نظام الاقتصاد الحر هي المطبقة فعلاً في الأراضي الفلسطينية؟ وهل هذا المنهج هو الأنسب في ظل الظروف الذاتية والموضوعية القائمة؟
وإذا كان الوضع الاقتصادي والسياسي في فلسطين لا يستجيب لشروط ومتطلبات اقتصاد السوق الحر، فلماذا إذن يتم تبني السلطة الفلسطينية في القانون الأساسي لمنهج ومبادئ الاقتصاد الحر؟ وهل حقق هذا النظام تنمية وطنية عريضة أم على العكس من ذلك زاد في إثراء وقوة أصحاب رأس المال السياسي والاقتصادي؟ وما هي الرؤية التطبيقية البديلة، التي يجب تبنيها لاقتصاد الدولة الفلسطينية المنشودة؟
تناقض المطلب والمطلوب!
يقول د. نصر عبد الكريم، ود. ماجد صبيح في دراسة لهما نُشرت في العام 2011 “أن المشرع الفلسطيني في الدستور المؤقت فشل في الربط ما بين مبادئ الاقتصاد الحر، والذي تخلت عنه بلدان المنشأ (الأصل) وبين مبادئ العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، والانصاف والضمان الاجتماعي، كما أنه فشل أيضاً في الربط ما بين مبدأ حرية السوق ومبدأ التوازن الاجتماعي، والتي تنطوي تحت منهج اقتصاد السوق الاجتماعي، المنهج الأكثر قرباً من واقع وظروف الاقتصاد الفلسطيني القائم”.
ويضيفا “إن اتخاذ السلطة الفلسطينية لمنهج اقتصاد السوق الحر رغم أن الوضع الاقتصادي والسياسي الفلسطيني لا يستجيب لشروط ومتطلبات هذا النوع من الاقتصاد مرده إلى عاملين هما: التساوق أو التماهي مع منهج وسياسات الليبرالية الجديدة بقيادة أميركا، راعية عملية السلام في المنطقة”، وأدواتها، البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، أما الاحتمال الآخر فهو الهروب من مسؤوليات وأعباء الخدمات والتأمينات الاجتماعية واستحقاقات العدالة الاجتماعية والمساواة التي نصت عليها بصراحة، وبصورةٍ أقوى وثيقة الاستقلال الصادرة عن المجلس الوطني الفلسطيني في 15 تشرين الثاني 1988 في الجزائر.
وفي السياق ذاته، يذكر خبير التنمية د. محمد غضية أنه إذا لم تترافق فلسفة السوق الحرة مع سياسات دولانية تتعلق بتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية البشرية المستدامة وإعادة توزيع الدخل الوطني بشكل عادل ولصالح الفئات المسحوقة والمهمشة فإنها فلسفة تخدم النخبة ورأس المال الاقتصادي والسياسي ولا تخدم الناس، مؤكداً أنه لا يمكن القول بوجود نموذج يربط السياسات الاقتصادية بالاجتماعية في الحالة الفلسطينية.
غياب التقييم والحماية
يرى المتخصص بقضايا الشؤون المالية والاقتصادية محمد خضر قرش، أن فشل مبدأ الاقتصاد الاشتراكي دفع السلطة الفلسطينية لاتخاذ اقتصاد السوق الحر وتضمينه في الدستور المؤقت، منوهاً إلى أنه لم يكن أمام الحكومات الفلسطينية المتعاقبة هوامش واسعة لبناء اقتصاد قوي سواء من حيث الموارد المالية المحدودة جداً أو الموارد الطبيعية كالنفظ والمعادن، وذلك للسيطرة المباشرة والكاملة عليها من قبل إسرائيل. هذه الحالة (وفق قرش) أصبح ينطبق عليها المثل العربي القائل “مقسوم لا تأكل وصحيح لا تقسم وكل حتى تشبع!”.
ويرى قرش أن اتباع نظام اقتصاد السوق الاجتماعي القائم على الملكية الخاصة، والمبادرة الفردية، والحرية الاقتصادية والمنافسة، والتنمية الاجتماعية والرفاه الاجتماعي، والعدالة في توزيع الدخل والثروة بين مختلف طبقات المجتمع هو الذي يجب أن يسود في الواقع الفلسطيني بعيداً عن مبدأ الحرية الاقتصادية الليبرالية المتوحشة.
يؤكد المتخصص في الصحافة الاقتصادية أمجد التميمي، أن اعتماد مبدأ السوق الحر وتطبيقه وإسقاطه كاملاً على الاقتصاد الفلسطيني “المكبل”، إنما يمثل ضرباً من مجافاة الحقيقة وابتعاداً عن الواقع وعن الظروف الموضوعية التي يمر بها المجتمع الفلسطيني واقتصاده الذي ما زال يرزح تحت نير الاحتلال.
ويشير إلى أنه ما دام هناك احتلال، فمن الواجب على السلطة أن تراعي خصوصية السوق الفلسطينية الذي هو اقتصاد صغير نسبيا ما يجعل من السهل على قلة اقصادية ورأسمالية السيطرة والاستحواذ عليه وترك الغالبية من أبناء الشعب رهينة بأيدي هذه القلة.
ويطالب التميمي بضرورة إيجاد شبكة ضمان اجتماعية لحماية الفقراء والمهمشين من غول الرأسماليين واحتكاراتهم واستحواذهم على الموارد والمنافع.
من جانبه، يؤكد الباحث في القضايا الاجتماعية والاقتصادية جبريل محمد على ضرورة العمل على بلورة نموذج تنموي وطني فلسطيني قادر على مجابهة تحديات السياسة الإسرائيلية، القائمة على تأبيد تبعية الأراضي الفلسطينية للاقتصاد الإسرائيلي، مترافقاً مع سياسة نيوليبرالية تقودها الحكومات الفلسطينية تحت تلبية شروط البنك الدولي، راعي تحرير الأسواق، وإطلاق العنان لاقتصاديات السوق، دون النظر إلى أن البلاد نفسها غير حرة، وغير قادرة على التحكم في مواردها ومنافذها.
ويطالب محمد بضرورة التوجه نحو “مواردنا الوطنية لإنتاج ما يمكننا إنتاجه، معوضين عن بعض ما نستورده”، موضحاً أن الأولوية تتطلب بناء قطاع عام منتج برأسمال وطني، مستند إلى ثقافة صمود لا ثقافة استهلاك، وتحقيق ذلك (وفق محمد) يستدعي فتح حوار شعبي حول توجهات الاقتصاد الوطني، والسعي بكل السبل لإلغاء اتفاق باريس الاقتصادي، تحت شعار “التجارة الحرة تتطلب بلداً حراً”، وبناء آلية محاسبة شفافة لمؤسسات القطاع العام الإنتاجية، فضلاً عن بناء شبكة أمان اجتماعي قوية تحمي الفقراء والمهمشين.
ماذا يقول رجال الأعمال؟
بخصوص رؤية رجال الأعمال والمستثمرين الفلسطينيين إزاء موضوع التقرير قمنا باستطلاع رأي اثنين منهم، يقول محمد المسروجي هناك حقيقة هامة لا يمكن تجاوزها وهي أنه لا قرار اقتصادياً مستقلاً دون قرار سياسي مستقل، وأنه إذا أخذنا هذه القاعدة وأسقطناها على الحالة الفلسطينية نجد أنه من الصعب جداً القول بأن لدينا اقتصاد حر أو اقتصاد سوق بمعنى الكلمة.
ويشدد المسروجي على ضرورة الاهتمام بتنمية الاقتصاد الوطني وتشجيع البيئة الاستثمارية وسن القوانين والتشريعات التي تخفف من حدة ووطأة الاقتصاد الإسرائيلي على اقتصادنا، مختتماً بالقول:
“أرى بأن اقتصاد السوق هو الاقتصاد المستقبلي لفلسطين، ولا يوجد أي خيار آخر، خاصة في زمن العولمة والتجارة الحرة”.
من جانبه، يؤكد رجل الأعمال محمد نافذ الحرباوي أن نظام اقتصاد السوق قد فُرض قسراً على الجانب الفلسطيني انطلاقاً من قيود واشتراطات التسوية السياسية، مبيناً أن الإعلان عن طبيعة ونوع هذا السوق وتضمينه في الدستور المؤقت يجب أن يكون متأخراً، وذلك بعد القيام بعملية التحصين لهذا الاقتصاد من حيث المواصفات والمقاييس وتعزيز التنمية الوطنية الشاملة والحقيقية.
ويرى الحرباوي أنه في ظل هذا الواقع الصعب يجب بناء خطة تنموية وطنية شاملة على مدى خمس أو عشر سنوات، تنفذ مرحلياً، وبشراكة بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب تحسين البيئة الاستثمارية ودعم المستثمر الوطني وتشجيع واستقطاب المستثمر الخارجي، وغيرها من الأجراءات المساهمة في رفع الإنتاجية التي ـ للأسف الشديدـ لا تتجاوز الـ 15%.
ماذا يقول المواطن؟
يقول المواطن محمد بني عودة: “إن اقتصاد السوق الحر لم يحقق تنمية أو حتى نمواً في بنية القطاعات الاقتصادية، موضحاً “أن غاية أي نظام اقتصادي في العالم هو زيادة كفاءة وفعالية استخدام الموارد المتاحة بشكلٍ عادل لضمان حياة كريمة للناس، وهذا لم يتحقق فلسطينياً حيث أن الغني ازداد غنى والفقير ازداد فقراً”.
أما غزالة عرار فتقول: “إن اقتصاد السوق الحر يمثل أداة هيمنة في يد الأقوياء وهذا ما نراه في أن خمس سكان العالم أغنياء والأربعة أخماس الأخرى في خدمتهم، موضحة أن المستثمر الفلسطيني عمل بهذا الاقتصاد دون الالتفات إلى المسؤولية الاجتماعية.
بدوره، يقول جمعه الرفاعي: إن المشكلة لا تكمن في نوع أو طبيعة النظام الاقتصادي السائد فحسب بل في الاشخاص القائمين على إداراته وتوجيهه، منوهاً إلى أن مبادئ الشفافية والنزاهة والعدالة والتوازن في الفرص والتوزيع تمثل أدوات رئيسة في إشاعة المنفعة العامة وتحجيم أولئك الذين يرون في سواهم مجرد أدوات يجب استنزافها وسلب مواردها.
المزيد على دنيا الوطن .. http://www.alwatanvoice.com/arabic/news/2017/01/04/1005881.html#ixzz4UmdHN9In
Follow us: @alwatanvoice on Twitter | alwatanvoice on Facebook



