الخميس, مايو 14, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياثقافة وادبالقصة القصيرة عربياً .. ما بين الغياب والتغييب والعودة والاستمرارية !

القصة القصيرة عربياً .. ما بين الغياب والتغييب والعودة والاستمرارية !

الايام – كتبت بديعة زيدان:هناك من يرى أن القصة القصيرة كفنّ سردي في الوطن العربي لم يغب، وربما غيّب، ولعوامل عدة، في حين يرى آخرون أن القصة القصيرة ليست فقط بدأت تطل برأسها على استحياء في العامين الأخيرين، بل باتت تحضر بكامل زهوها ورونقها عربياً، حتى انتظمت في العام الماضي جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية في الكويت، وفاز فيها القاص الفلسطيني مازن معروف عن مجموعته “نكات للمسلحين”، وهي الجائزة التي لربما يقول قائل إنها جاءت نتيجة انتعاش القصة القصيرة العربية، أو عودتها بعد غياب، مع تحفظ البعض على مصطلح “غياب”، أو إنها ساهمت بشكل أو بآخر في لفت الأنظار إلى هذه العودة في ظل اتجاه كبرى الجوائز الأدبية العربية نحو الرواية.. “أيام الثقافة” تطرح التساؤل حول القصة القصيرة العربية ما بين غياب وتغييب وعودة واستمرارية.
جائزة الملتقى
وحول جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية، أجاب الأديب طالب الرفاعي مؤسس ورئيس الجائزة: بعد أن أسست الملتقى الثقافي في نهاية العام 2011، ولأنني مغرم بفن القصة القصيرة، ولم أفارقه، قراءة وكتابة، منذ نشرت أول قصة قصيرة بتاريخ 17 كانون الثاني 1978، وبالنظر إلى تسيّد جنس الرواية، كتابةً ونشراً ونقداً وقراءة وترجمة، فلقد دار ببالي إطلاق جائزة عن طريق الملتقى تهتم بالقصة القصيرة العربية.
وبدراسة الجوانب المالية والإدارية للجائزة، ولكون الملتقى صالونا ثقافيا خاصا يُعقد في بيتي، اتضح عدم قدرتي على تأمين ما تحتاجه الجائزة من دعم مادي وترتيبات إدارية ولوجستية، خاصة إذا ما كان يُراد لها الاستمرار، لذا اتجهت إلى الجامعة الأميركية في الكويت، بحكم عملي في تدريس مادة الكتابة الإبداعية في الجامعة منذ العام 2013.. لاقت الفكرة ترحيباً ودعماً كريمين من قِبل الشيخة دانة ناصر صباح الأحمد الصباح، مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجامعة الأميركية، ووقّعت مذكرة تفاهم بين الملتقى الثقافي والجامعة. وكان ذلك بمثابة انطلاق الشرارة الأولى لميلاد جائزة الملتقى.
وأضاف: كونّا مجلس أمناء للجائزة من الكويت، ومجلسا استشاريا عربيا عالميا، ووضِعت اللائحة الداخلية التي تنظم عمل الجائزة بجميع شؤونها. وبالتحام المجلسين في حرم الجامعة الأميركية في الكويت، عُقد الاجتماع التأسيسي، والإعلان عن الجائزة وكان ذلك بتاريخ 15 كانون الأول 2015.
أعلن عن فتح باب الترشيح للدورة الأولى للفترة من 1 كانون الثاني وحتى 31 آذار 2016، وبمجرد إغلاق باب الترشيح أعلن عن عدد المترشحين للدورة الأولى (198) مجموعة قصصية.. وتأكيداً على مبدأ الشفافية أعلن عن أسماء رئيس وأعضاء لجنة التحكيم للدورة.
ومؤكد أنكم تعرفون المتبقي من إعلان القائمة الطويلة والقصيرة وتتويج الفائز للدورة الأولى القاص الفلسطيني مازن معروف بتاريخ 5 كانون الأول 2016، ما استقبل باهتمامٍ دالٍ كتّاب القائمة القصيرة ورئيس وأعضاء لجنة التحكيم في مكتبه ولمدة جاوزت الساعتين، للحديث حول فن القصة القصيرة العربية وعوالم وهموم الكاتب العربي.
وأضاف: الفائز الأول بالجائزة يحصل على عشرين ألف دولار أميركي بالإضافة إلى درع الجائزة وشهادة تقديرية، وتترجم مجموعته إلى اللغتين الإنكليزية والفرنسية، كما يحصل كتّاب القائمة القصيرة على مكافأة مالية قدرها خمسة آلاف دولار أميركي، إضافة إلى دروع الجائزة وشهادة تقديرية.
ويُقام احتفال سنوي للجائزة بين أرجاء الجامعة الأميركية في الكويت، مصحوباً بنشاط ثقافي يتضمن تقديم شهادات لكتّاب القائمة القصيرة، إلى جانب محاضرات تدور في فلك عالم القصة القصيرة.
وحول التفاعل مع الجائزة، قال الرفاعي: خيرُ منْ يترجم تفاعل الكتّاب والناشرين العرب، هو عدد المترشحين للدورة الأولى، الذي فاق توقعاتنا.
فلقد وصل إلى (198) مجموعة قصصية، وبما يعني ثقة غالية نالتها الجائزة في أول دورة لها، ويعني من جهة ثانية، تشوّق ولهفة الساحة الثقافية العربية لجائزة تخصّ القصة القصيرة.
ومؤكد أن الشفافية والنزاهة التي تعاملت بها الجائزة في الدورة الأولى كانت رصيداً إضافياً مشرقاً أكّد حضور الجائزة، ورسم طريقاً مشرقاً وصعباً أمامها، مشرقاً باعتراف واهتمام الساحة الثقافية العربية والعالمية فيها، وصعباً لناحية المحافظة على الجائزة وتطويرها وتقديم الجديد لها في كل دورة.
النهضة والجائزة
وشدد الرفاعي: لا أظن أن تأسيس نهضة حقيقية لفن القصة القصيرة العربي يمكن أن يرتبط بجائزة مهما علا شأنها.. مؤكد، سيكون لجائزة الملتقى دور فاعل في تحريك ماء بركة القصة القصيرة الهادئ.. قابلت أكثر من ناشر عربي، وأعرب لي عن سعادته بالجائزة، واستعداده لطباعة ونشر مجاميع قصصية بعد أن كان مُعرضاً عنها، لكن إعادة القصة القصيرة للواجهة بحاجة لجهود مكثفة وكبيرة تشمل: الكاتب والناشر والناقد والصحافة والإعلام للتأثير على جمهور التلقي.
وأضاف: نحن في جائزة الملتقى، وكدور ثقافي لدولة الكويت تجاه الإبداع العربي عامة وفن القصة القصيرة خاصة، نمد أيدينا لجميع من يود التعاون معنا، وسنكون سعداء بأي جهد أدبي مبدع يصب في خانة إعلاء شأن القصة القصيرة العربية.
ومع الدورات القادمة وتفاعل الجمهور معها سيمكننا الاحتكام إلى الحقيقة للوقوف على الدور الذي نتمنى أن تنهض به الجائزة.
ابنة الأزمنة جميعاً
بدوره شدد القاص العراقي لؤي حمزة عباس، أحد أبرز كتاب القصة على المستويين العراقي والعربي على أنه “ليس للقصة القصيرة زمن محدد لكي ينقضي، هي ابنة الأزمنة جميعاً بوصفها تطويراً وارتقاءً لما فُطر الإنسان عليه من رغبة في السرد والإخبار، كما تحافظ مع كل قصة جديدة على فرادتها النوعية في أداء وظيفتها الأساس في إضاءة هوامش التجربة الإنسانية والحديث عن الناس الذين لم تمنحهم الحياة الفرصة الكافية ليكونوا أبطالاً، إنها تتحدث عنهم في عزلاتهم الغامرة ومرورهم الصامت في دروب الحياة، بعد أن تضعهم تحت مجهر السرد وتنشئ مروياتها من خلال عوالمهم البعيدة غير المرئية غالباً لتمنحنا وعياً مضافاً بطبيعة تجاربهم، من هنا ينبع القول إن القصة القصيرة ابنة الأزمنة جميعاً”.
واستطرد: لكن يحدث أن تتهيأ في بعض الأحيان ولأسباب مختلفة شروط موضوعية تتحكم في حركة الأنواع الأدبية وطبيعة حضورها فتقدّم نوعاً وتؤخر آخر لكن هذه الحركة لا تمس جوهر الكتابة الإبداعية، إذ يظل الجوهر خارج هيمنة الشروط الموضوعية وأهدافها، الجوهر القصصي لا يحتكم إلا للفن في أشد مظاهره صمتاً وتأملاً.
وحول دور الجوائز الخاصة بالرواية العربية في التأثير سلبياً على انتعاش “القصة القصيرة”، أجاب: ترك الاهتمام المبالغ فيه بالرواية ظلاً سلبياً على مجمل الكتابة الإبداعية العربية وربما كانت القصة القصيرة أول هذه الأنواع وأشدها تأثراً بالحضور الروائي العاصف.
وقال بخصوص جائزة الملتقى، التي كان عضو لجنة تحكيم فيها: للجوائز دورها المؤثر بلا شك بحكم ما تمثّله من دعم للإبداع والمبدعين وتنويه بما يستجد في حقول الكتابة الإبداعية ومتغيراتها، ولجائزة الملتقى فضل العمل على إعادة التوازن في مشهد السرد العربي الراهن بعد أن مُنحت الرواية من الدعم والاحتفاء ما جعلها في صدارة المشهد السردي، إن عدد المجموعات القصصية المشاركة في الدورة الأولى من الجائزة وقد بلغت مائة وتسعاً وثمانين مجموعة يشير لجدية تعامل كتاب القصة القصيرة العربية مع فكرة الجائزة، ورغبتهم في أن يكون لحقل كتابتهم جائزة تزداد أهميتها ويتأكد دورها مع كل دورة، وهو ما يجب معه ذكر الجهود الخلاقة للأديب الكويتي طالب الرفاعي مؤازراً بالجامعة الأميركية وبمباركة الكثير من كتاب القصة القصيرة العرب ونقادها على جعل إطلاق الجائزة مناسبة للاحتفاء بالمتغير النوعي في الكتابة القصصية، وبانتظار أن تخطط الجائزة في دورتها الثانية لمؤتمر حول القصة القصيرة ومستجداتها الكتابية، ولا يُكتفى بشهادات المبدعين العرب حول تجاربهم الكتابية على الرغم من أهميتها.

حيوية التأليف القصصي
وشدد عباس: من يتابع حركة النشر الأدبي في العالم العربي ومعارض الكتاب العربية يستطيع تأكيد حيوية التأليف القصصي، ويمكنه الحديث، فضلا عن ذلك، عن المتغير الجمالي في الكتابة القصصية، فلم يكتف كثير من كتاب القصة القصيرة في العديد من البلدان العربية بالاستمرار على طريق القصة فحسب بل شغل اهتمامهم المسار النوعي للكتابة القصصية فشهدت لغة القصة وتقنيات إنتاجها تحولات لا تخفى على المتابع المعني، وهو ما يتطلب جهداً نقدياً قادراً على مواكبة المتغير الكتابي وإدراك طبيعته.
وأكد: تسعى القصة القصيرة لتقديم التقاطتها لوجود عابر محاولة تدوين هذا الوجود، تلخيصه على نحو ما والاكتفاء منه بشظية مؤثرة حيث تتصدى الحواس لمهمة إدراك العالم.. تقترح هذه البداهة الصعبة في كلِّ مرّة طريقاً مختلفاً للوصول إلى لحظة الإنجاز القصصي، حيث تكون كلُّ قصة خلاصة نظر وقول، وهي خلاصة شعورية بمعنى ما لما حدث وما لم يحدث، في وقت نواصل الحديث فيه عن شواغلنا، شظايا حياتنا، أحلامنا، ما رأينا وما لم نر، بما يوفر مادة عصية وطيعة لإنتاج القصص، فنحن عندما نكتب لا نكتب من أجل هذه المشاهد الصغيرة العابرة ولكننا نكتب من أجل المشاغل التي تصعب كتابتها، محاولين التقاطها والتعبير عنها مع كلِّ كتابة على نحو جديد، وعلى الرغم من غيابها الظاهر عن نسيج الكتابة فهي الطاقة التي تملأ فضاء المشاهد الصغيرة، وهي المياه التي تسقي عشب الكلمات، إنها حاضرة، أبداً، في المساحة الغائرة بين الكلمة والحياة.
وختم: إن ما عوّلت عليه قصتنا العربية سنة بعد أخرى وعقداً بعد عقد يتعدى المسافة الكتابية الفاصلة بينها وبين الرواية، لرؤية ما لا يُرى في مشهد القهر الذي قدّم ثيمة تتواصل محاولاتنا في فهمها وإعادة تشكيلها، مثلما كان على القصة أن تقول كلمتها بمواجهة حياة أقرب إلى الجنون بتحولاتها الغريبة ونهاياتها المأساوية.
دائماً ثمة إنسان صامت مغيّب، إنسان مقصي لم يُمنح حق اختيار موته والطريقة التي بها يموت.
كان كاتب القصة يعيش على تخوم اللحظة كأنها لحظة موته الشخصي، محاولاً استنطاق إنسانها كما لو كان يراه في حقيقة أو حلم، ففي الحلم يموت الناس أيضاً، لم يقترب كتّاب قصتنا من الموت إلى هذه الدرجة إلا دفاعاً عن الحياة وانتماءً لها، حيث تكون القصة نفسها تعبيراً عن الحياة وإعلاءً لكل ما هو جميل فيها.
ليست تذكرة فناء
د. أماني فؤاد، أستاذة النقد الأدبي في أكاديمية الفنون بجمهورية مصر العربية، قالت لـ”أيام الثقافة”: أتعجب ممن يطلقون تلك الأحكام القطعية في الفن والأنواع الأدبية ويرتاحون إليها، فهناك من من يقول إن زمن القصة القصيرة ذهب بلا رجعة، ذلك لأنهم في الواقع يتسرعون فيلامسون مجرد سطوح الأشياء والظواهر، لا يتعمقون بالنظر إليها، ولا الوعي بطبيعة سياق اللحظة الزمنية التي نعيش في أدراج يومياتها، فالقصة القصيرة لا يمكن أن تستطيب تذكرة سفر إلى الفناء بلا عودة.
وقالت: لكل نوع أدبي سماته الخاصة وتقنياته المميزة، والأكثر أهمية أنّ لكل نوع احتياجا وطبيعة إبداعية تغطي نزوعا في الإبداع وفي ذائقة التلقي معا، فكل من الأنواع الأدبية لا يشبه الآخر، وكل نوع يضيء منطقة من الإنسان: المنتج للفن، والمتلقي له، ولذا لا مجال للمنافسة أو لموت أحد الأنواع وانتهائه.
وأضافت فؤاد: تتميز القصة القصيرة في التكثيف، والتقاط المشاهد من سردية الكون، ولها طبيعة الومضة الخاطفة التي تلتقط توتر ما في الحدث أو الإنسان، حيث الذبذبة العالية أو المغايرة للمتوالي والمعهود، وهي تلعب على الزمن اللحظي لا الممتد، وحياتنا كما تسير في خط تتوالى فيه الساعات والأيام، تظل بها هذه اللحظات الومضية الكاشفة، تلك التي تشبه البرق في الاختلاف وسرعة الوجود حتى وان اتسمت بالهدوء، ولتلك اللحظات أكثر من غيرها خاصية البقاء في الذاكرة والوجدان الإنساني أكثر من الحكايات التي تحدث دوما وتمتد وتتكرر.. تتعامل القصة القصيرة رأسيا مع تقنية الزمن، حيث اقتناص اللحظة المنفلتة، ودلالة الحدث الواحد الفارق، ما يكتنز التفرد، ولذا سيظل الاحتياج لتلك اللحظة المشحونة بدلالاتها ومغايرتها يضمن استمرار القصة القصيرة كتابة وتلقيا، وبالطبع يضاف لتلك الميزة شغف الإنسان الرئيس بالسرد منذ خليقته.
تسيّد الرواية
وقالت فؤاد: يمكننا أن نقول إن اللحظة التي نعيشها تسيدت فيها الرواية لأسباب متعددة، وخفت ظهور المجموعات القصصية نسبيا، وذلك للعديد من الأسباب، منها: تعدد الجوائز التي رصدتها المؤسسات لكتابة الرواية، وهو ما أغرى الروائيين للاستزادة من الرواية على حساب القصة، بل ودفع كتاب القصة نسبيا للتحول عنها، فالجميع سار وراء هذا الكائن المادي الذي يريد أن يلبي طلبات عصر الاستهلاك وطغيان التسلع.. هذا عدا أن الروايات التي تفوز بالجوائز تتم ترجمتها، وهنا تستحوذ على الكتاب رغبات مشروعة في الانتشار والعالمية كما يتصورون، كما أن القصة القصيرة المميزة فنيا تحتاج قاصا مبدعا فائق المستوى ليلتقط هذه الروح الشعرية في القص، ويمتلك قدرة المغايرة والتجريب والتفرد، حيث تفسير ما لا يلتقطه الكثيرون الذين بإمكانهم من خلال سردية واسعة أن يعوضوا تلك الميزة والقدرة والفرادة بأنواع وتقنيات متعددة تشملها الرواية، فتجعل لنصوصهم مستويات أخرى يمكنها أن تغطي افتقاد تلك المنطقة المتوهجة والمكثفة من الإبداع التي تحتاجها القصة.
وتابعت: كما أن دور النشر تقبل على الرواية وتدفع لمبدعيها، في حين تأخذ مصاريف الإصدار من كاتب الديوان والمجموعة القصصية لنشر نصوصهم، ويدعونا ذلك لمعرفة أنها تجد قبولاً من القراء لهذا النوع الأدبي أكثر من إقبالهم على الشعر والقصة القصيرة، رغم مفارقة مقولات أننا بعصر السرعة و”التيك أواي”، وقد أرجعت هذه الظاهرة فيما رأيت إلى أن الرواية تغطي لدى القراء وخاصة فئة طلبة الجامعة قراءة تتضمن ذواتهم ويومياتهم العادية، ويرون فيها أحلامهم وإخفاقاتهم ونوازعهم، أي أنها تمنحهم صورا من حياتهم، أو ما يطمحون إليه من احتياجات بسيطة، وخاصة الروايات الأكثر مبيعا، بصرف النظر عن المستوى الفني والفكري، كما أنها في بعض الأحيان تغطي جانب التشويق، حيث التوق إلى المغامرة ولذة الكشف بعد الغموض.
القصة القصيرة والنشر
وحول العلاقة بين الناشرين وكتاب القصة القصيرة، قالت فاطمة البودي مؤسسة ومديرة دار العين للنشر: فن القصة القصيرة من اصعب الفنون، وهذا علينا أن ندركه جيداً، وهو فن سردي عانى من تعنت الناشرين وتجاهلهم لنشره.
وأضافت لـ”أيام الثقافة”: دار العين للنشر كانت تعي أهمية هذا الفن، لذلك نشرنا العديد من المجموعات القصصية المهمة، ونلنا جائزة ساويرس بمجموعة “البيت الجديد” لأمل رضوان العام الماضي فيما رشحت مجموعة “متحف العاهات” للقاص المغربي أنيس الرافعي للقائمة القصيرة لجائزة الملتقى بالكويت .. لاشك أن الجوائز محفز رائع لنشر القصة ولكتابة القصة، ولكن أخشى ما أخشاه أن يقع الكتاب في فخ غزارة الإنتاج ورداءته في ذات الوقت، كما حدث مع الرواية، وانفجار كتابتها بعد الجوائز العديدة للرواية.
أما رشا الأمير، مؤسسة دار الجديد للنشر في بيروت، فقالت لـ”أيام الثقافة”: المهاميز والجوائز وما تلوّح به من ذهب ومجد وانتشار داعم أساس للرياضة والسياسة والفن ساهم في إقصاء مجموعات قصصية مميزة .. نعم، التلويح بجائزة للقصة القصيرة مغر، لكنّ النوع بحدّ ذاته لا معنى له من خارج التميّز والجودة، مهما كانت الجائزة.
وأضافت: قبل كلّ ما يحدث اليوم من إغراءات، طرق بابي كناشرة (دار الجديد) فؤاد كنعان، وجورج شامي، وعبد الله التعزي، وغيرهم .. نشرت لهم بفخر وسرور قصصًا قصيرة من المستحبّ إعادة اكتشافها.
صاحب “نكات للمسلحين”
وبدأ القاص الفلسطيني مازن معروف، الفائز بجائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية، حديثه لـ”أيام الثقافة”، بقلب التساؤل بخصوص ما يمكن تسميته بـ”زمن القصة القصيرة”، وإذا ما كان “ذهب إلى غير رجعة أم أنه يعود من جديد”؟، بقوله: علينا، للإجابة عن هذا السؤال، أن نحدد أولاً الأسباب التي تقوم عليها اعتبارات كهذه. بل ونستطيع بدلاً منه أن نسأل أنفسنا، هل كانت القصة القصيرة مغيبة بالكامل عن المشهد الأدبي، كما يشاع؟ .. ألن نجد بالعودة عشر سنوات إلى الوراء أو حتى عشرين سنة، مجموعات قصصية كانت قد طبعت ونشرت بل وحظي بعضها بمراجعات نقدية؟.
وأكد: العمل على القصة القصيرة لطالما كان قائماً، إلا أن كتاب القصة أشبه بفنّاني الـ”أندرغراوند” .. إنها الفن الذي يمارسه الجميع، والشكل التعبيري الأول للإنسان، فاتصال البشر ببعضهم قائم على حكايات وأحداث يومية وغيرها من أخبار، وهي بالتالي بطانة هذا التواصل، وهي لم تكن خارج تكويننا النفسي في أي يوم.
وما يكتبه الأدباء عادة من قصة قصيرة ليس إلا تدويراً محترِفاً لقصص أو شظايا قصص تولد فجة، ويسردها أناس ثم يبتعدون عنها ليصبحوا، في إحدى مفارقات الأدب، من بين قرائها بعد نشرها.
وشدد معروف: الأدباء أحرار. بإمكانهم، ومن حقهم الكامل، أن يتحولوا من شكل سردي إلى آخر، ومن جنس كتابي إلى آخر.
البعض يأتي من الشعر والبعض يأتي من القصة إلى الرواية وبالعكس، وهذا مفيد للأدب عموماً، بحيث تزداد ديناميكية اللغة، لغتنا الكبرى والمعطلة قياساً بنشاط لغات كبرى أخرى في العالم.
وأضاف: فليحاول كل فرد نقل تجربته وإيجاد صوته الخاص في المشهد العام. أحياناً قد تلفت انتباهي جملة تبعث على الدهشة، خطّها مجهول على حائط، بهدف تعبيري.
حتى الناس العاديون، يمكن أن تكون لهم تجارب أدبية وهناك بشر اقتصر نتاجهم الأدبي على جملة واحدة فقط.
وتابع: لا أظن أن بإمكان كاتب أن يهجر جنساً أدبياً عمل فيه لفترة.. ما نكتبه هو جزء من كينونتنا، حتى وإن أبدينا صعوبة في تظهيره سلوكياً.
أرى الأمور أبسط بكثير مما يشاع، ولا أظن أنه كان لجوائز الرواية هدف “خبيث” كما يشاع وهو القضاء على القصة القصيرة.
ورأى: كل ما في الأمر، أن القصة القصيرة تأخرت أعواماً قليلة، قبل أن يصير لها جائزة مرموقة.
عندما سيأتي باحث بعد مائة عام أو مائتين، ليكتب دراسة عن هذه المرحلة، سيبدو الفارق الزمني بين إطلاق جائزة أدبية كبيرة للرواية وإطلاق جائزة أدبية كبيرة للقصة القصيرة، ضئيلاً وقد يكتب “وفي الفترة نفسها تقريباً”.
وبخصوص دور جائزة الملتقى في لفت النظر لهذا النوع من الفنون، أجاب: أظن ذلك. يكفي ما لاقته من اهتمام إعلامي وثقافي على المستويين العربي والعالمي.
وتوقع معروف عودة قوية للفن القصصي، وأجاب في رد على سؤال لـ”أيام الثقافة” بهذا الخصوص: طبعاً.. مجموعات قصصية كثيرة صدرت مؤخراً منذ إعلان جائزة الملتقى.. عودة كتاب القصة إلى المشهد الأدبي، وانضمام تجارب جديدة، أمر بالغ الأهمية. فتقارب هذه الأصوات سيؤدي بشكل ما إلى مواجهة بين أساليب مختلفة، يبقى منها أولئك الأكثر تمايزاً.. المشهد الأدبي يجب أن يكون فلتر نفسه .. الفن القصي ككل فن، يحتاج للتجديد، ولأشخاص يحملون رؤى غير مألوفة على مستوى السرد وبناء القصة ونوع المخيلة.. القصة القصيرة فن شديد الخصوصية.. أتحدث انطلاقاً من تجربتي المحدودة في هذا المجال.
الفائز بجائزة “ساويرس”
أحمد مجدي همام، القاص المصري الفائز بجائزة “ساويرس” الأدبية عن فئة القصة القصيرة، نفى ما يمكن وصفه بـ”ذهاب زمن القصة القصيرة إلى غير رجعة” .. وقال لـ”الأيام الالكترونية”: القصة القصيرة تنهج إيقاعاً تصاعدياً منذ فترة، ربما لأنها فن عريق في الأساس وجذوره ممتدة في التاريخ، ربما لأن العصر الحالي يحتاج نصوصاً قصيرة وسريعة تشبهه، ربما بسبب فوضى نشر الروايات حولنا حتى وصل الأمر للإسهال. لكن في المجمل القصة القصيرة تمر بأحد أزهى فتراتها.
وحول دور جوائز الرواية في التأثير السلبي على الفن القصصي، أجاب همّام: الإصابة لم تكن في مقتل، ونعم كان للجوائز هذا الدور، وهذا ليس عيباً في الجوائز نفسها بقدر ما كونه عيباً في تلقي فكرة الجائزة.
وحول “الملتقى” كجائزة، أجاب: سيكون لها هذا الدور، فدورة واحدة ليست كفيلة بالحكم، وانتعاش القصة بدأ منذ فترة وقبل ظهور جائزة الملتقى.
الثورات العربية
ولهمّام صاحب مجموعة “الجنتلمان يفضل القضايا الخاسرة” الفائز عنها بجائزة “ساويرس” الأدبية فلسفة أخرى تتعلق بانتعاش الفن القصصي، حيث قال لـ”أيام الثقافة”: أتصور أن الثورات العربية كان لها إسهام أكبر في انتعاش الكتابات القصيرة، نظراً لسيولة الأحداث وسرعتها واتساعها وصعوبة الإحاطة بها، وصعوبة سبرها روائياً، إذ لا تزال بعض تلك الثورات سارية حتى اللحظة، لذا فمن الأجدى تناولها بشكل وامض وخاطف واقتناص مشاهد منها، بدلاً من محاولة نسج نص طويل يحيط بحدث لم يكتمل.
وأضاف: ربما هجر البعض القصة القصيرة لأسباب مادية وهم معذورون في ذلك، لكنهم سيظلون قاصين، وأتصوّر أن أجيالا صاعدة ستلمع في ميدان الكتابة القصصية.
وللإجابة عما إذا كان يخشى أن يتحول ملعب القصة القصيرة كما هو ملعب الرواية للمحترفين والهواة وحتى من لا يجيدون ركل الكرة أساساً، استعان همّام بمقولة للإسباني خافيير مارياس: “إن الجميع يكتب روايات: الطهاة والرؤساء ولاعبي الكرة والمطربين ورجال الدين والقرّاء والضبّاط والأطباء والمهندسين.. إلخ” .. وأضاف عليها: أنا أعتقد أن القصة القصيرة أصعب من الرواية، كتابة الرواية قرار، يستطيع الكاتب أن يقول: “سأعود اليوم إلى البيت وأشرع في كتابة رواية”، لكنه لا يستطيع أن يفعل ذلك مع القصة، فالقصة هي التي تختار توقيتها، وتفرض نفسها، هي تشبه الشعر في ذلك.. في ظني القصة القصيرة حالة وسط بين الرواية والشعر، تشبه الرواية من حيث كونها سرداً، وتشبه الشعر من حيث التكثيف وضرورة أن تمس القارئ كما لو كانت عياراً نارياً.
وختم همّام: الفكرة في القصة القصيرة من وجهة نظري هي محاولة تقديم متعة للقارئ في مساحة صغيرة ومحدودة، والاحتمالات هنا إما أبيض أو أسود، إما أن تنجح أو تفشل، أما الرواية، ذلك النفس السردي الطويل، فيحتمل أن يفقد إيقاعه في جزء منه، ثم يتعالى الإيقاع في جزء آخر، وهذا يسعف ذلك.. لذا أومن أن القصة فن أصعب من الرواية ويحتاج دربة ودراية ويحتاج لكاتب يتحكّم جيّداً في أدواته.
لم تذهب كي تعود
أما الكاتب التونسي عيسى جابلي فقال: أعتقد أن القصّة لم تذهب يوماً كي تعود من جديد.
منذ نشأتها ظلت محافظة على ذاتها إنتاجاً متجدّدا متنوّعاً توّاقة إلى الغد، ناظرة إلى المستقبل بعينين حالمتين.
كلّ ما في الأمر أنّ “الأضواء”، إذا استعرنا قاموس النّجوميّة الراهن،عادة ما تهملها أو تضعها خلف أنواع أدبية أخرى لأسباب يطول شرحها، وسأكتفي بالعامل السياسي.. لاحظي الأموال المرصودة للجوائز الأدبية الخليجية تدركي مباشرة أن الغاية الأعمق أبعد من النهوض بالأدب العربي وبالرواية العربية وغيره من الشعارات الرنانة المدوّخة، وهي غايات وإن كانت حقيقية مقصودة، فإن الأهم منها هو الغاية السياسية، وتلميع صورة البلد وغض النظر عن القمع والاستبداد.. إلخ.
أما عن جوائز الرواية وتأثيرها في الاهتمام بالقصة، فأرى، والحديث لجابلي أن ظاهرة التحول من كتابة القصة إلى كتابة الرواية أقدم بكثير من ظهور الجوائز نفسها، وهو انتقال تمليه اعتبارات كثيرة: منها أن الذهنية العربية تراتبية ميالة منذ القدم إلى تصنيف الأشياء حسب “طبقات”، وهي اليوم تصنف الطبقة الأولى الشعر تارة والرواية طوراً، وأما الاعتبار الثاني فيتعلق بتطور مهارة القصّ عند الكاتب، وإذا كانت القصة القصيرة مساحة “تمرين” ضيقة ليختبر فيها مهاراته ويطوّرها، فإنها في الوقت نفسه تعدّه للتحكم في مشروع سردي أكبر هو الرواية.
وسيعترض البعض قائلا إن من الكتاب من كتب الرواية مباشرة، ولست ممن يصدقون هذا مطلقا لأنني أومن بأن القصّ/الحكي مهارة نامية تتطور تدريجياً إلى أن تصبح قصة أو حكاية، وهي مرحلة يمكن أن تكون شفوية أو مكتوبة على مسودات مهملة، وتنضج عندما تتسع أكثر لتصبح رواية متعددة المستويات، لهذا أومن بأن الروائي يمر بالضرورة بتجربة القصة قبل أن يكتب الرواية.
أما الاعتبار الثالث “في نظري فهو طبيعة الفكرة التي يعالجها الكاتب، وهي سيدة الموقف إذ تملي عليه أن تنكتب في قصة قصيرة، حتى إذا ما فاضت عنها صارت رواية، وكم من رواية قرأناها فوجدناها قصة طويلة ممططة على ثلاثمائة صفحة.
ويواصل الحديث: بالنسبة إلى جائزة الملتقى، أرى أنها كانت خبرا سارا بالنسبة إلي لأنها استطاعت منذ تجربتها الأولى أن تلفت الأنظار إلى النص القصصي العربي الذي يكتب وسيكتب، وبأنه جدير بالمتابعة، وأنتظر أن تتدعم أكثر سواء من حيث علاقتها بالإعلام أو من حيث المسائل التنظيمية فيها أو قيمتها المادية كي تكون أكثر إشعاعاً، وأتوقع أن تنجح في أداء مهمتها على أكمل وجه لأن الذي كان السبب الرئيس في انبعاثها هو قاص من طراز عالٍ ويقدر القصة تقديراً كبيراً، وتأسيسه لهذا المشروع هو خير دليل على صدق نوايا الجائزة.
لكلّ نوع أدبي تقنياته الصعبة. يصدق الأمر على القصة كما على الرواية.
ويختم لـ”الأيام الالكترونية”: تقتضي القصة التكثيف والعمق والترميز.. إلخ. وتقتضي الرواية تعدد المستويات السردية وتعدد مستويات اللغة والشخصيات والأمكنة والأزمنة… إلخ ولكن لا سهولة في واحدة منهما مطلقا.. كل ما في الأمر أن الرواية بحكم طولها تمنحنا فرصة للمناورة أكثر من القصة. القصة طلقة رصاص واحدة إما أن تصيب الهدف أو أن يموت حاملها، أما الرواية فرشّاش به أكثر من رصاصة إذا لم يقتل ببناء الشخصيات وعلاقاتها فسيقتل باللغة أو بالقضية التي يعالجها أو بطريقة تناولها… إلخ.. ربما هذا ما يجعل البعض يفكر بأن الرواية “أسهل” وهو اعتبار يوقع في مأزق.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب