ثقافة وادبزوايا

كومة من رماد .. نعيم نعمان


لم يتوقع, ولا حتى في أكثر حالات الخيال جنوحاً, أن موت إنسان لم يقابله لمرة في حياته, سيحوله إلى جسد بلا روح, إلى كومة من رماد, تتناثرها الريح بكل اتجاهات الواقع.
أعتقدَّ, وكان شديد الاعتقاد, لدرجة أدخلته في حالة إيمانية شاملة وكاملة, أن حبه لها جاء من خارج الزمان والمكان, هو فوق الواقع ولن يكون جزءا منه, حب نبع مباشرة من روح الطبيعة وملأ قلبيهما, وفرش نفسه وتمدد في كل خلية من جسديهما وكل لحظة إحساس يعيشانها.
استعدتها بعد أن فقدتها عقود طويلة من الزمن, كان يردد ويكمل القول, أنه قدر الطبيعة من أعادها إليه حبيبته بعد طول انتظار, لم يكن يريد الاعتراف بالواقع… تجاهل عن وعي ان لها حياتها الخاصة راكمها الزمن بعيدا عنه, وأن له هو حياته بكل مافيها من تفاصيل.
هي كل ما أريد, وما كنت أريد, ها أنا معها اليوم, نحن حبيبين لن تبعدهما الأقدار عن بعضهما مرة أخرى, هي لي, كانت لي منذ كانت في ريعان شبابها, وها هو القدر يعيدها لي حبيبة.
كان متأكدا حين يقول ويشعر ويفكر.. أنا لها ولم أكن إلا لها, كان مقتنعا بذلك, وقلبه وعقله يقولان له ذلك.
اعتاد أن يغمض عينيه لفترات طويلة كي يعطيها كل ما لديه من أحاسيس, لم يكن يرى سوى وجهها, يراها في خياله ناعمة كزهرة نرجس, أزهرت للتو, كان يراها كحزمة بهاء تمر بهدوء بكل مافيها من الألوان وضياء, وعندما يفتح عينيه لا يرى غيرها, هي هي بدمها ولحمها, تهمس في أذنه ويسمع ضحكاتها بكل أشكالها, هو يحب تلك التي لها رنين يطرب الأذن, والأخرى التي فيها شيء من الخنب, وهذه الأخيرة كانت تسري في جسده سريان الدم في لحظة نشوة غامرة.
مرات ومرات كانت تحاول تذكيره بأن لها حياة غير حبها له, حياة لها حقها ومتطلباتها, أما هو ما كان يريد أن يسمع أو يعرف.. هو حيّد كل شيء حوله, و بلغة أخرى غيّب كل ما كان حوله من أجل هذا الحب الذي
أمضى عمره في انتظار أن يكون.. أطلق لنفسه ومشاعره وإحساسه العنان, وعاش معها في كوكب غير الأرض وفي جنة ليست هي الموعودة لبني البشر.
في صباح ذلك اليوم وكما هي عادته, أرسل لها على “الواتس اب” صورا جميلة من الطبيعة, صورها لها بنفسه, كان يقول لها دائما أصور بعينيك الجميلتين, عيناك التي لا ترى إلا الأجمل في الطبيعة.
هي لم ترد! ثم أرسل لها صورا أخرى… حبيبتي أين أنت؟
وأرسل لها قصيدة محمود درويش التي تحبها كثيرا, ولم ترد عليه.. انتابه القلق, انتابه الخوف المتراكم لسنين طويلة من الفقدان.. حاول مرارا مهاتفتها ولم ترد.. زاد قلقه.. تضاعف خوفه.. ولم يعد متوازنا.. ويتساءل لماذا لا ترد ما الذي حصل؟
وفي المساء حاول, ربما للمرة العشرين الاتصال بها..وفجأة ردت عليه وصوتها لا يكاد يسمع وهي تبكي.. وقالت بصوت مخنوق حزين مليئ بالحسرة, ألم تسمع؟ ألم يقل لك أحد أن زوجي قد مات فجأة ظهر اليوم؟
صرخت.. ماذا تقولين؟
في تلك اللحظة شعرت أنني قد تحولت إلى كومة من رماد.
الحياة الجديدة

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى