الرئيسيةزواياأقلام واراءعن الفارق بين دولتين وعصرين ..بقلم :حسين حجازي

عن الفارق بين دولتين وعصرين ..بقلم :حسين حجازي


احتفل النظام العراقي بتحرير مدينة الموصل أخيراً، بعد احتفال النظام السوري قبل عام تقريباً بتحرير حلب واستعادتها. ان التاريخ والأحداث تعلمنا بأن بغداد ودمشق عاصمتي الامبراطورية العربية الإسلامية في العصور الذهبية لفجر الحضارة العربية الإسلامية، انما هما اللتان ظلتا بمثابة الحصن الحصين ولكن الأخير لضمان استمرار وبقاء الدولة العراقية والسورية معاً، رغم الحروب الأهلية التي تجري في كلا البلدين وكادت تحطم هاتين الدولتين تماماً. كما علينا ان نستنتج الآن ان جهود الرئيس اللبناني الياس سركيس في ذروة الحرب الأهلية اللبنانية للحفاظ على الملامح والهياكل المتبقية لبقاء وحضور الدولة اللبنانية وعدم انهيارها، انما كان بفضل مواصلة الصمود في آخر رموز وهياكل هذه الدولة وشرعيتها، ممثلا بقصر «بعبدا» في بيروت حتى وان اضطر مراراً للتعرض شخصياً للقصف في مكتبه في القصر والنزول الى الملجأ مع حاشيته وحراسه.
واذ تميز تاريخ الثورات الحديثة في العصور المتمدنة منذ الثورة الفرنسية حتى الآن بكونها ثورات او انتفاضات مدينية، فان سلب حلب والموصل السورية والعراقية مثلا تهديدا حقيقيا في لحظة من اللحظات الحاسمة لمصير بقاء الدولتين ووجودهما، حتى ليبدو واضحا ان التغلب على هذا التهديد ما كان ليتم لولا دخول عمل دولاني عسكري اكبر الى جانب النظامين العراقي والسوري، تمثل في سورية بالتحالف الروسي الايراني وحزب الله اللبناني، وفي العراق بما سمي التحالف الدولي الذي يضم اميركا وبريطانيا وفرنسا الى جانب الميليشيات المحلية. وهو ما يعكس الابعاد الخطيرة على سلامة ومصير الاستقرار العالمي ازاء خطر انهيار او سقوط هاتين الدولتين.
حتى وان بدا هذا الاستنتاج مفارقا لحقيقة ان فتح باطن هاتين الدولتين على الحرب الأهلية الداخلية، إنما كان بالأساس واحدة من أسوأ واقذر الألاعيب والمغامرات الأممية التي نتجت عن هذه التدخلات الإقليمية والدولية الخارجية لقتل هاتين الدولتين معا، حين أدركت هذه الأطراف التي انخرطت قبل سنوات في هذه المؤامرة الأممية، ان النار التي أشعلتها بدأت تمتد لتحرق أصابعها.
ولكن الجزء الشرقي من حلب بالامس والجزء الغربي من مدينة الموصل اليوم، يا لهذا التضاد الجغرافي ما كان لهما ان يستحقا هذا الدمار الهائل الذي يشبه العقاب الالهي.
اما بغداد ودمشق فقد احتفظا بكونهما العاصمتين التي تحملان من اسمهما ومنزلتهما هذه العصمة او المنعة، كما شرف النصر والاحتفال والفخر بهذا النصر على المدينة الثانية الموازية ولكن المنافسة، انتصار الدولة مدينة النظام على مدينة الهراطقة والتطرف، تفوق وانتصار وغلبة اولوية استقرار النظام على الفوضى.
وهنا المرة تلو الأُخرى لا ينفك التاريخ عن إصدار احكامه القاطعة، فمن بغداد على ضفتي دجلة والفرات، ودمشق على سفح جبل قاسيون ونهر بردى، حكم الخلفاء الأباطرة المسلمون زمن الأمويين والعباسيين العالم، وكان الأولون بنائين اقتفوا في البناء اينما وصلوا الطراز المعماري الأكثر فخامة وضخامة الذي يليق بعظمة الامبراطورية الوحيدة الواسعة ومترامية الأطراف، التي تمثل الوريث الحقيقي لروما. اما العباسيون فقد كانوا هم الوارثين الحقيقيين لإرث الامبراطورية اليونانية، الذين حافظوا على صيانة هذا الارث الفكري والعلمي والفلسفي، الذي سوف تقوم عليه فيما بعد نهضة اوروبا الحديثة من قرونها الوسطى، وتشكيل فيما سمى بعد بالعقل الحديث والخروج من العصور المظلمة الى عصر الأنوار.
وهنا تهب امبراطوريتا الشرق والغرب للدفاع وإنقاذ هاتين العاصمتين الغابرتين في التاريخ، لمواجهة اجتياح وتمدد سلفية جديدة مقاتلة من خارج السياق التاريخي لمدنية ونظام عالمي وزمان وواقع لم يعد هو نفسه، يحاكي او يمثل جدلية العلاقة القديمة قبل ألف واربعمائة سنة، بين أبو بكر القريشي الأول وابو بكر القريشي البغدادي الثاني، بين راديكالية الإسلام الأولى التي هدفت الى إعادة إصلاح العالم وتنويره بل وصياغة وبناء عالم جديد، وبين راديكالية تحاول الخروج والانفصال عن هذا النظام، في محاكاة تجافي هذا الواقع.
ولقد يتم الآن هزيمة ما يسمى بالثورة السورية على نظام الحكم في سورية او الدولة السورية، كما تم هزيمة ما يسمى بالدولة الإسلامية وخليفتها ابو بكر البغدادي في الموصل التي بدت وكأنها عاصمة دولة هذه الخلافة، التي اعلن ابو بكر البغدادي من مسجدها الشهير بيان خلافته قبل ثلاث سنين. وهنا وهناك كان المصير واضحاً بأن هذه الثورة التي دعمها الغرب المغامر والعابث في سورية فاشلة، لأن الانفجار السوري كاد ينسف النظام العالمي ووحدة هذا النظام، رغم وحدته وتوافقه القائم على صراع الاضداد.
والمصير نفسه كان متوقعاً ان تلاقيه المحاولة العابثة لتحدي هذا النظام العالمي مجتمعاً في العراق، من الموصل التي هي صلة الوصل الجغرافي وعقدة هذا الوصل بين أطرافه.
والذي حدث ان الرسول محمد الذي أعطى الإشارات الاولى عن استراتيجيته المقبلة حول الفتوحات الإسلامية للعالم الخارجي في معركة تبوك، وقام بهذه العملية خلفاؤه اللاحقون فيما بعد خصوصاً ابو بكر وعمر وعثمان، فان الهدف لم يقتصر على إخراج القبائل العربية من عزلتها وجاهليتها وإدخالها الى فضاء العالم ونظامه السياسي. ولكن الدعوة الإسلامية في صدارتها الاولى اذ واجهت في الواقع نظاماً عالمياً مفككاً ومهترئاً ومتحللاً، فإنها كانت تحمل او تنطوي في دافعها التاريخي على امتلاك الرسالة او الإشعاع الأيديولوجي لإعادة صياغة هذا العالم الجديد، على قاعدة مثلها وأفكارها وقيمها الأكثر تنويراً. ليصبح النظام العالمي قائماً حول قوتها باعتبارهما أي دمشق وبغداد مركزَين لسيادة العالم والقرار الدولي لعدة قرون. وكانتا كما قرطبة وغرناطة في الاندلس بمثابة الحاضنة او البوتقة التاريخية للثقافة والعلوم والموسيقى، التي برز في ظلها سلسلة من العلماء المبدعين والموهوبين في شتى أنواع هذه العلوم، لتغدو مع هذه النهضة اللغة العربية كما الانجليزية اليوم هي لغة المعرفة والثقافة في ذلك الوقت.
وان هذه هي لحظة للتأمل وأعمال المقارنة الاستراتيجية في إدارة الصراعات الدولية، ولعل هذه المقارنة تتمثل اليوم بأن الرسول محمد وخلفاءه واجهوا في الواقع عالماً غربة عنه زمن الامبراطوريات الثلاث الكبرى، التي واصلت بالتناوب والتنافس والحروب بينها لتسيده، وهذه القوى الثلاث هي اليونان وروما وفارس، انما كانت جميعها تمر في طور الانحلال.
ولم يكن بمقدور أي واحدة منها الوقوف أمام الصعود وتمدد الدولة الإسلامية الفتية والجديدة. التي وصلت جيوشها التي لم تكن تقهر في ذلك الوقت، الى المدى الأكبر مما وصلت اليه جيوش روما او الإسكندر المقدوني. والى الحد الذي كان بمقدور الخليفة عمر بن الخطاب بثيابه الرثة تعبيراً عن تواضع هذا الفاتح العظيم للقدس، أن يدهش قساوسة المسيحيين كما يدهشنا اليوم تواضع قادة العالم الأقوياء في الغرب، مقارنة بهذه الفخامة المبالغ في مظاهرها من لدن زعماء ما يسمى بالعالم الثالث، أي عالمنا التابع في الجنوب.
وقد لا يكون اقل من ذلك مدعاة للتأمل والمقارنة في الدراسات الاستراتيجية، في حروب الرسول محمد، الذي ادار وقاد سلسلة متواصلة من الحروب التي أبانت عن عبقرية تكتيكية فريدة، كانت السمة الرئيسية في خوضها «عدو واحد في وقت واحد» وليس كل العالم دفعة واحدة عدوا مجتمعا في نفس الوقت، حتى استطاع بالأخير هزيمة وترويض مجموع القبائل العربية وإدماجها في النظام الإسلامي الجديد.
بل ان هذه العبقرية لتمتد الى حقيقة ان الفتوحات العربية الإسلامية وليس سيطرة اليونان والرومان لمدة من الزمن تتجاوز الألف عام، هي من أعادت صياغة هوية الشرق عموما، واكتساب قبائلها ثقافتها وخصوصيتها العروبية الإسلامية القائمة الى الآن. وللقصة بقيتها ربما في وقتٍ آخر.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب