الاخبارشؤون عربية ودولية

تنظيم «الدولة» في ليبيا: رحلة الصعود الحاد تنتهي بعشرات يهيمون في الصحاري والوديان


تبعثرت قوات تنظيم «الدولة» الإسلامية في أودية وصحاري ليبيا هائمة على وجهها، بعد ان أثقلت ظهرها ضربات قوات «البنيان المرصوص». وشكل انقطاع الاتصال مع مركز القيادة التي تجرعت كؤوس الهزيمة في الموصل ثالثة الأثافي في ظل تضارب الأنباء عن مصير زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي، وظهور اسم جلال الدين التونسي ليكون خليفة له في ليبيا حال تأكد مقتله.
الضربات القوية التي وجهتها قوات حكومة الوفاق الليبية ودحر التنظيم من آخر معاقله في سرت نقلتهم إلى وديان صحراوية وتلال تقع جنوب شرقي طرابلس. ويقول المتحدث الرسمي باسم قوات «البنيان المرصوص» محمد الغصري، أن «تنظيم الدولة في ليبيا، أصبح عبارة عن خلايا نائمة متفرقة اختلطت بالمدنيين بالشكل الذي لم يعد ممكنا تفريقها وفرزها عن المواطنين الليبيين العاديين، خاصة بعد إزالتهم للحى وتخليهم عن لبس القمصان الطويلة». وحسب العقيد المتقاعد والخبير الأمني سلامة شنيب، فإن المنطقة الصحراوية والواقعة جنوب سرت وصولاً إلى جنوب بني وليد، جنوب شرقي طرابلس، لا تزال ساحة مفتوحة لتنقلات مقاتلي التنظيم وسط تكهنات بأن أعدادهم تصل إلى 200 مقاتل.
وقال شنيب حول أماكن تواجد التنظيم حاليا إنه «لا يمكن رصد تواجد ثابت لهم، لكن سلسلة جبال جنوب وغرب بني وليد تكفل لهم تحركات دائمة وسط حماية طبيعية» ورجّح أن تكون وديان وسوف الجين والمركم وصيبا المهجورة مناطق تواجد رئيسية لهم.
وأكد مصدر عسكري مطلع تابع لعملية «البنيان المرصوص» أن فرص انتقال التنظيم للجنوب تبدو ضئيلة بسبب انتشار مقاتلي تنظيم القاعدة المناوئ في فكره واستراتيجياته لتنظيم «الدولة» في الجنوب، إضافة إلى ان اكتظاظ الجنوب بالمجموعات المسلحة لا يعطي فرصة لتنظيم الدولة أن يتواجد هناك.
ورجح المصدر أن تكون سلاسل الجبال الرابطة بين وليد وحتى جنوب طرابلس ملاذاً حقيقياً له، يمكنه من تنظيم صفوفه وشن عملياته في المستقبل في أكثر من بلدة ومدينة لها وزنها كالعاصمة.
وقال إسماعيل شكري، قائد المخابرات العسكرية في مصراتة، إن التهديد يتركز في المنطقة الواقعة إلى الجنوب من الشريط الساحلي بين مصراتة وطرابلس، وهي منطقة تلتف حول محيط مدينة بني وليد، وصولا إلى الصحراء الواقعة جنوبي سرت.
وأضاف أن مجموعة من المتشددين مؤلفة من بين 60 و80 مقاتلا تنشط حول قرزة، التي تبعد 170 كيلومترا غربي سرت، بينما توجد مجموعة أخرى قوامها نحو 100 متشدد حول حقلي زلة ومبروك النفطيين الواقعين على بعد 300 كيلومتر جنوب شرقي سرت، وهناك تقارير عن مجموعة ثالثة موجودة في العوينات قرب الحدود مع الجزائر.
ويعاني تنظيم «الدولة» في ليبيا من حالة ارتباك بين صفوفه بسبب تعدد قنوات الاتصال بين مركز التنظيم في العراق، والقيادات في ليبيا، ومعظمهم من التونسيين والمصريين، ويتركز وجودهم حاليا في بلدة صبراتة قرب حدود ليبيا مع تونس. وكانت الاتصالات في السابق تنحصر بين مكتب زعيم التنظيم في العراق والشام، أبو بكر البغدادي، وقائده في ليبيا، الملقب بـ»المدهوني» إلا أن إبعاد الأخير عن القيادة، وفتح قنوات مباشرة بين مكتب البغدادي، و7 من قيادات التنظيم على الأقل في ليبيا، أربك خطط التنظيم.
وكشفت تحقيقات تجريها المخابرات الليبية مع عناصر من تنظيم «الدولة» ممن جرى القبض عليهم خلال الأشهر الأخيرة، عن تراجع الاتصالات بين قيادات التنظيم في ليبيا ومكتب البغدادي، مما أدى إلى خلل في صفوفه في هذا البلد الذي يعاني من الفوضى منذ سقوط نظام معمر القذافي. ووفقا لما أدلى به عناصر من التنظيم من المحتجزين لدى السلطات الليبية، فإن مكتب البغدادي ارتكب خطأ كبيرا في ليبيا منذ تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، حين غير طريقة التواصل مع قادته. حيث كان مكتب البغدادي، وبواسطة رجل في العراق يدعى ياسين، يتواصل فقط مع «المدهوني» إلا أن فشل هذا الأخير في الاحتفاظ بمدينة سرت مركزا للتنظيم، جعل ياسين يتدخل بالتواصل مع عدة قيادات لإدارة الأمور في ليبيا من وراء الحدود.
وحسب سلامة شنيب هناك خلافات بين من يدعى أبو معاذ الفزاني، وهو تونسي يقود فصائل جنوب صبراتة و»أبو موسى العيطان» غير معروف الجنسية، ويقود فصائل أخرى، ولفت إلى أن هذه الفصائل ليس لها تواصل كبير مع قادة التنظيم في جنوب سرت، كما أكد تراجع الوجود الليبي ضمن هذه المجموعات بشكل كبير بعد انكسارها في سرت.
ويرجح شنيب أن قيام التنظيم بأعمال جديدة في ليبيا ممكن، لكن فرص حدوثها تبقى ضئيلة بسبب التضييق عليه وحصاره في القفار والصحراء، وأكد أن التقارير الاستخباراتية لدى سلطات البلاد تؤكد تنامي خطر تنظيم القاعدة في البلاد.
كل ذلك جعل التنظيم يعيش هذه الأيام وقتا حرجا، خاصة بعد الضربات الأخيرة التي تلقاها في العراق والهزائم المتتالية التي مني بها على مدار الأشهر الماضية، خسر خلالها أغلب قياداته في المعارك، ولم يبق سوى القليل منهم، أهمهم الصاعد بقوة في فرع التنظيم في ليبيا، جلال الدين التونسي الذي يعد من أهم الأسماء المؤهلة لخلافة البغدادي في ليبيا، حال ثبوت وفاة زعيم التنظيم.
وجلال الدين التونسي كما تشير كنيته تونسي، اسمه الحقيقي محمد بن سالم العيوني، من مواليد 1982 منطقة مساكن التابعة لمحافظة سوسة الساحلية، هاجر إلى فرنسا منذ تسعينات القرن الماضي، وتمكن من الحصول على الجنسية الفرنسية قبل عودته إلى تونس إثر أحداث الثورة.
وبعد الخسائر التي مني بها التنظيم في ليبيا بالتحديد في مدينة سرت معقله الرسمي على أيدي قوات البنيان المرصوص والضربات الجوية الأمريكية، قام البغدادي العام الماضي بتعيينه أميرا للتنظيم في ليبيا، لإيمانه بقدرته على كسب المعارك والمحافظة على تواجد التنظيم في ليبيا، بفضل مؤهلاته القتالية والقيادية، وكذلك العلاقات الجيدة التي تربطه مع بعض التنظيمات المتطرفة الأخرى في شمال افريقيا مثل جماعة تنظيم عقبة بن نافع التابعة لتنظيم القاعدة والتي نجح جلال الدين التونسي في إقناع بعضها بالانشقاق من المجموعة والالتحاق بتنظيم»الدولة».
ولأن منطقة شمال افريقيا تأتي على رأس المناطق التي يرغب تنظيم «الدولة» الإسلامية الإرهابي في التمدد والبقاء فيها، فإن انهياره الأخير في العراق قد يدفعه إلى محاولة الانتشار مجددا في دول افريقيا انطلاقا من ليبيا التي ما زالت تعيش فوضى أمنية، استغلتها التنظيمات المتطرفة للتنقل بسهولة بين مختلف الدول الافريقية المجاورة لليبيا بسبب غياب الضوابط الحدودية.
وتوفر ليبيا خاصة جنوبها المنفلت أمنيا ملاذا آمنا للمسلحين والإرهابيين للعمل بحرية وإعادة تنظيم الصفوف والتجنيد والتدريب، إضافة إلى التمويل عبر تهريب السلع، وذلك من أجل العودة في أقرب الأوقاِت لتغطية السقوط الأخير لتنظيم «الدولة» في العراق وسوريا.
القدس العربي

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى