الاخبارشؤون عربية ودولية

هزة في العلاقات التركية الألمانية مع تقارب أردوغان وبوتين تنذر بزلزال مع «الناتو»


إسطنبول ـ «القدس العربي»: لم يكن من المقنع للكثير من المراقبين أن يكون اعتقال مواطناً ألمانياً في تركيا سبباً كافياً لإثارة غضب برلين ودفعها للتلويح بسلسلة عقوبات سياسية وعسكرية ضد تركيا بدأتها بوقف صادرات الأسلحة والتعاون في مجال الأنظمة الدفاعية وذلك بعيداً عن التدرج المعتاد في اتخاذ الخطوات التي تهدف إلى الضغط فقط.
المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل وعلى الرغم من مرور العلاقات التركية الألمانية بالكثير من التحديات الأصعب خلال العامين الأخيرين ظلت تتمتع بالهدوء ودائماً ما كانت تبادر بالتهدئة والتأكيد على أن الحوار هو السبيل الوحيد لحل المشاكل بين البلدين ورفضت مراراً لجوء بلادها أو الدول الأوروبية الأخرى إلى التهديد أو فرض عقوبات على تركيا، خوفاً من ابتعادها أكثر عن الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي الناتو.
ولكن تزامن التحول الكبير في السياسة الألمانية تجاه تركيا مع إعلان موسكو وأنقرة التوصل لاتفاق نهائي حول تزويد تركيا بنظام الدفاع الصاروخي إس 400، دفع الكثيرين للربط بين الأمرين واعتبار ذلك بداية خلافات أكبر بكثير بين تركيا والدول الأوروبية و»الناتو» بشكل عام التي ترفض الخطوة التركية وتعاونها المتزايد مع روسيا بشكل مطلق.
وبالأسباب المعلنة، بررت ألمانيا سياستها الجديدة اتجاه تركيا باعتقال السلطات 10 أعضاء بمنظمة حقوقية دولية بينهم مواطن ألماني في إسطنبول اتهمتهم أنقرة بـ«تقديم الدعم لمنظمات إرهابية»، وهو ما اعتبرته برلين تجاوزاً للخطوط الحمراء وانتهاكاً للحقوق والحريات، في المقابل رفضت أنقرة إطلاق سراحهم أو «التدخل في عمل القضاء»، متهمة ألمانيا بإيواء آلاف المناصرين لتنظيمي العمال الكردستاني «وغولن الإرهابي».
والأحد، حذر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ألمانيا من «التدخل في شؤون» بلاده، مؤكداً أنه «لا يحق لأحد التدخل في شؤون تركيا».
وبعد أن لوح وزير الخارجية الألماني بحزمة عقوبات غير مسبوقة ضد تركيا تطال مجالات السياحة والتصدير والاستثمارات بالإضافة إلى ملف انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، قررت الحكومة الألمانية وقف تسليم أسلحة كانت مقررة إلى تركيا وتجميد مشاريع دفاعية مشتركة.
هذا التصعيد، جاء بعد أيام قليلة فقط من تأكيد وزير الدفاع التركي فكري إيشيك، أن التوقيع على شراء منظومة الدفاع الجوية الروسية «إس 400» بات مسألة وقت لا أكثر، موضحاً أن تركيا وروسيا اتفقتا على كافة التفاصيل التقنية المتعلقة بالصفقة، وأنهيتا كافة الإجراءات القانونية المتعلقة فيها، وتابع: «وصلنا إلى المراحل الأخيرة من المباحثات وأنهينا كافة الإجراءات، والتوقيع على الصفقة بات مسألة وقت لا أكثر».
كما أكد سيرغي جامازوف المدير التنفيذي لشركة الصناعات الدفاعية الروسية «روستيك» إنه تم الاتفاق على جميع البنود الفنية في اتفاقية شراء تركيا منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس-400» وبقيت فقط المسائل الإدارية والتمويل.
وهذه المنظومة المتطورة قادرة على اعتراض جميع أنواع الأسلحة الجوية الحديثة، بما في ذلك الطائرات الحربية من الجيل الخامس، فضلا عن الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز على مسافة أقصاها 250 ميلا تقريبا، وتعتبر المنافس الأول لمنظومة «الباتريوت» التابعة لحلف شمال الأطلسي «الناتو» التي فشلت تركيا في الحصول عليها على الرغم من أنها تمتلك ثاني أكبر جيش في الحلف واتهمته بالمماطلة وعدم الالتفات إلى احتياجات تركيا الدفاعية رغم ما يحيط بها من تهديدات واسعة.
وبغض النظر عن محاولة الناتو التقليل من أهمية الخطوة التركية في التصريحات الإعلامية، لكن هذه الصفقة تثير مخاوف كبيرة لدى الحلف بقيادة الولايات المتحدة لا سيما الجدل القديم حول عدم إمكانية ربط المنظومة الروسية التي سوف تشتريها تركيا مع نظام الباتريوت التابع للحلف، وقال وزير الدفاع التركي: «لا يمكن دمج منظومة إس 400 مع أنظمة الناتو، ونحن في الأساس لم نقدم طلبا للناتو بهذا الخصوص».
رئيس هيئة الأركان الأمريكية جوزيف دانفورد، عبر عن قلقه من شراء تركيا منظومة «إس 400» الصاروخية للدفاع الجوي من روسيا، وقال الجنرال الأمريكي على هامش مشاركته بمؤمن للأمن الدولي، السبت: «في حال شراء تركيا لتلك المنظومة فإنه يثير قلقنا، ولكنهم لم يشتروها بعد»، على الرغم من محاولة وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيش التقليل من أهمية الخطوة التركية واعتبارها «قراراً سيادياً لتركيا».
وتقول تركيا إنها تعمل خلال السنوات الأخيرة على تقليل اعتمادها على الخارج بشكل كبير من خلال مشاريع ضخمة لتغطية احتياجاتها العسكرية والدفاعية وأن الجيش التركي بات بالفعل يعتمد بدرجة كبيرة على الصناعات الوطنية، ورداً على القرار الألماني الأخير قال مستشار الصناعات الدفاعية التركي إسماعيل ديمير إن ذلك سيدفع بلاده إلى العمل بشكل أسرع وأوسع لبناء أنظمة دفاعية وطنية.
وفي خطوة عملية بهذا الاتجاه، وقعت شركات محلية تركية أول مذكرة تفاهم مع شركات فرنسية وإيطالية، في إطار مشروع تطوير تركيا لنظام دفاع جوي وصاروخي وطني»، واعتبر وزير الدفاع التركي الذي حضر مراسم التوقيع أن «نظام إس 400 من روسيا يهدف لسد الاحتياجات العاجلة لتركيا، في حين أن المشروع مع الشركات الفرنسية والإيطالية يهدف لتطوير نظام دفاع جوي وصاروخي وطني خاص بتركيا، قادر على حمايتها في مواجهة كافة أنواع التهديدات».
وعن تعارض التعاون العسكري التركي الروسي مع عضوية أنقرة بالناتو، يقول السفير التركي في موسكو حسين ديريأوز: «تركيا عضو في مجلس أوروبا وفي حلف شمال الأطلسي (الناتو) أيضا، لكن عضوية تركيا في التحالفات المختلفة لا تحول دون تبني أنقرة سياسة متعددة الاتجاهات»، مضيفاً: «هذا لا يتعارض مع علاقات تركيا الوثيقة ومصالحها في المناطق الأخرى».
وفي ظل تصاعد الأزمة مع ألمانيا والناتو بشكل عام، تبرز أزمة جديدة بين أنقرة وواشنطن على خلفية اتهام البنتاغون الجهات الرسمية التركية بتسريب نشرته وكالة الأنباء الرسمية «الأناضول» ويتضمن كشف مواقع سرية لعشرة قواعد أمريكية في سوريا، وهو ما نفته الحكومة التركية وقالت إن الوكالة نشرت المعلومات دون الرجوع لها وحصلت عليها من مراسليها على الأرض. في حادثة يتوقع أن تزيد التوتر بين أنقرة وواشنطن على خلفية دعم الأخيرة لوحدات حماية الشعب الكردية في سوريا والتي تعتبرها تركيا «منظمة إرهابية».
في سياق متصل، يتوقع أن تتصاعد الخلافات التركية الأوروبية في الاجتماع المتوقع انعقاده بعد يومين في العاصمة البلجيكية بروكسل بين ممثلين عن تركيا والاتحاد الأوروبي الذي يرفض رفع تأشيرة الدخول عن المواطنين الأتراك بموجب اتفاقية إعادة اللاجئين التي تهدد تركيا بوقف العمل فيها.

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى