
قدَّم المفكر المغربي “أحمد عصيد” مرافعته لفهم أسباب تخلف الأمة العربية، وتقدُّمِ غيرها من الشعوب.. فخلُصَ إلى أن أوروبا بدأت رحلة التطور حين تخلصت من سلطة الكنيسة، ومن سطوة الكهنوت، وشرعت بافتتاح الجامعات العلمية، التي بدأت تعلّم خارج إطار المؤسسة الكنسية، أي أنها نقلت العلم والمعرفة من الكنيسة إلى الجامعة، وأطلقت للعقل العنان.. على عكس ما حصل مع العرب، الذين لم يشهدوا هذا النوع من التطور.
ففي بلادنا، وبعد عصر الإبداع والعقل والتسامح والتعددية، ضعفت الدولة العباسية، وظهرت دولة المرابطين في المغرب والأندلس، ودولة السلاجقة في الشرق، فدخلت المنطقة عصرا جديدا تقوده العقلية المتزمتة، والعصبيات الدينية والمذهبية المتطرفة التي انقلبت على المشهد الثقافي والديني الذي دام في القرنين السابقين، لتختفي بالتدريج إيجابيات ومنجزات الفترة السابقة.
ومع ترافق غزوات الفرنجة والمغول، وضعف الدولة المركزية، وظهور الدويلات (المتناحرة)، واستشراء الفساد، والصراع على السلطة.. بدأ الارتكاس الحضاري.. فانتهى عصر العلوم الطبيعية، وبدأ عصر العلوم الشرعية، وأخذ دور الفقهاء يتعاظم، ودور العلماء يخبو ويتلاشى.. بعض الباحثين حمّلوا أبو حامد الغزالي مسؤولية هذا التحول، والبعض حمّله للوزير السلجوقي إسحاق الطوسي “نظام الـمُلك”، وآخرون نسبوه لابن تيمية وابن الجوزية.. وفي حقيقة الأمر، لا يتحمل شخص بعينه مسؤولية هذا الانحدار، فهي عملية مستمرة، لم تحدث فجأة، بل أخذت وقتاً كافياً، ومن نافل القول أنها ما زالت فاعلة.
في مستهل القرن العشرين ظهر مجددون وإصلاحيون كبار، وبدا قرناً واعداً، بأفكار “عبده” و”الأفغاني” و”الكواكبي”.. بيد أن مشروعهم النهضوي مُني بانتكاسة أُخرى على يد الإخوان، فانتهى القرن بتنظيم القاعدة والطالبان ومحاكم التفتيش الصومالية.
أفكار “قاسم أمين”، التنويرية في بدايات القرن العشرين، أصبحت هرطقة في نهاياته، وما كان يقوله “علي عبد الرازق” في العشرينات عن أصول الحكم، أصبح جريمة في الثمانينات، وأفكار “هدى شعراوي” التحررية في الثلاثينات صارت فسقا ومجونا في السبعينات، وما كتبه “سيد قطب” في الأربعينات عن الفن والجمال، أصبح كفراً في الستينات، بقلم “قطب” نفسه!!
لماذا، وكيف حصل هذا التراجع المحزن؟
في البداية تحالف الإخوان مع الوهابية، وبالمال السعودي والنشاط الإخواني امتد تأثير هذا التحالف في البلاد الإسلامية أولا، ثم انتقل إلى أوروبا وبقية العالم.. طبعا لم يكن الأمر مجرد نشاط دعوي لجماعات أيديولوجية ذات هدف سياسي؛ فقد ترافق ذلك مع متغيرات وأحداث كبيرة ساهمت بطريقة غير مباشرة في خدمة الإسلام السياسي.. فمثلا أدى قيام إسرائيل ونشوء الأنظمة الاستبدادية العربية (وبين الحدثين علاقة عضوية) إلى تكون واقع اجتماعي سياسي اقتصادي بالغ السوء، من أهم مظاهره تكريس التحالف الأوليغارشي، وفساد النخب الحاكمة والمسيطرة، واتساع الهوة بين الطبقات، وتكون الشرائح الاجتماعية المهمشة التي تكدست على أطراف المدن وفي العشوائيات، فضلا عن الهزائم العسكرية على يد إسرائيل وأميركا، وحالات القمع والإذلال على يد الحكومات.. كانت نتيجة ذلك كله بطالة وفقر وإحباط وانغلاق أبواب الأمل لدى الشباب..
وبالعودة للتحالف الإخواني الوهابي لفهم العلاقة بينه وبين تلك المتغيرات، سنجد أن الإخوان جاؤوا بشعار “الإسلام هو الحل”، الشعار الذي تلقفه الشباب المسلم المحبط، واعتبروه مفتاح الولوج إلى المستقبل، وبوابة الفرج، من كل تلك المصائب.
ولتعزيز قوة هذا الشعار، بدأ الخطاب الإخواني يروج لفكرة “عداء الغرب الكافر للإسلام”، وأن “الإسلام في خطر”، وأن “الحضارة الغربية هي المسؤولة عن كل مآسي المسلمين، وبالتالي هي العدو الأول”.
ثم بدأ الخطاب الإخواني يقدم إجابات غيبية مبهمة وغامضة لمواجهة أسئلة العصر ومشكلاته وأزماته، وبدلا من وضع التصورات العلمية لفهمها، والحلول المبنية على أساس التطلع لمستقبل، كانت الإجابة تتمثل بضرورة العودة للماضي، هذا لأنه عجز عن الولوج للمستقبل، أو حتى مسايرة الحاضر بروحه ومفاهيمه وقوانينه، فكان الحل الأسهل هو الاختباء في الماضي، الذي هو في الذهنية الإسلامية ماض جميل ومزدهر، كله عز وانتصارات وعلماء ومفكرون.. وهذه الصورة المثالية للتاريخ جعلتهم يحلمون بالعودة للوراء..
وهكذا، بدأ العقل العربي مقتنعا بأن هناك مؤامرة على الإسلام، فأصبح كل همه إنقاذ الإسلام وحمايته.. وأصبح مقتنعا أن الغرب هم العدو، عدو لأنه كافر، (وليس إسرائيل والسياسات الأميركية).. وبات مرتاحا لفكرة “السلف الصالح”، فغرق في أمجاد الماضي، حتى انسلخ عن حاضره البائس.. وطالما أن الإسلام هو الحل، فما علينا إلا أن نمكّن الإسلاميين للوصول للحكم (بالانتخابات أو بالتفجيرات)، وحينها ستقوم دولة الخلافة بحل كل مشكلاتنا دفعة واحدة.. وإن تعذر ذلك فعلى الأقل تطبيق الشريعة (سواء من قبل الحكومات العربية، أو في المناطق التي تسيطر عليها الجماعات الجهادية).. وهكذا صار مطلوبا من الناس أن تنسى مشاكلها الاقتصادية والسياسية، أو يتناسوها، ويناموا مطمئنين بانتظار الحلول الشاملة مع تطبيق الشريعة.
وبما أنه لا توجد دولة خلافة، أصبحت المعركة ضد كل من لا يريد الخلافة.. وبما أن تطبيق الشريعة غير متحقق بالشكل الذي يرضيهم، أصبح كل علماني أو غير متدين هو العائق أمام الحل، وبالتالي هو العدو الذي يتوجب محاربته أولا.. وقد يكون هؤلاء أغلبية في المجتمع (أي الناس التي لا ترى أن الأولوية هي تطبيق الشريعة)، فأصبح المجتمع هو العدو، ثم أصبحت المرأة أخطر عدو، لأنها متبرجة وفتنة وحليفة للشيطان، ومع الكبت الجنسي والاجتماعي، أصبح لباس المرأة أكبر وأهم قضية يتوجب حلها..
ماذا كانت نتيجة هذا الانحدار؟ في المجتمعات العربية استحكمت القوى التقليدية المحافظة، وعرقلت كل مشاريع التحديث، في أوروبا امتنع أبناء الجاليات المسلمة عن الاندماج، لقناعتهم أنهم أفضل من الأوروبيين لسبب واحد فقط لأنهم مسلمون.
وهكذا، أجهض الفكر الأصولي مشروع الإصلاح التنويري لصالح الهدف السياسي، واستطاع نشر المفاهيم الوهابية المتشددة والمتخلفة، داخل السعودية بكرباج هيئة الأمر بالمعروف، وخارجها بفيلق من المنتفعين، أو المغرر بهم.
عن صحيفة الايام




