
الاتصال والإعلام محركان أساسيان من محركات العمليات الاجتماعية الضرورية لإشباع الحاجات الأساسية عند الإنسان، ومع تطور وتعقيد هذه الحاجات توسعت مجالات هذين المفهومين وتشعبت، ما أوجد تباينات في فهمهما بحسب السياقات التي تستخدم فيهما. وقد حظي المفهومان في العقود الماضية بقسط كبير من الدراسات والبحوث التي اعتمدت على نظريات في ميادين عديدة كالتربية والاجتماع والاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا وغيرها. وكان أثر التطور التكنولوجي بشقيه البرامج والعتاد جليا على مدى فاعلية الاتصال والإعلام وآثارهما على الفرد بصفته الشخصية وعلى الأفراد في المجتمع الواحد، لتمتد وتشمل العلاقات بين الأمم والشعوب، حيث ساهمت في رسم ملامح تقدمها ورقيها في شتى مجالات الحياة.
يشكل التعليم وتطويره اليوم القضية الأكبر التي تشغل بال الجميع نظراً للدور الذي يلعبه في الارتقاء بالمجتمعات ورقيها وتقدمها وازدهارها. ولعل الجهود التي يتم بذلها من أجل تطوير التعليم تبقي العين مفتوحةً على كل من قنوات الاتصال ووسائط الإعلام لما لهما من أثر إيجابي في أي عملية للتطوير إن تم استغلالهما بصورة مثلى، وأثر سلبي في عرقلة أي جهود يتم بذلها لذلك إن تم تجاهلُهما في عملية التطوير. فكما هو الحال في إسهام قنوات الاتصال في تطوير نظريات التعلم واستراتيجياته ومناهجه التي من شأنها تعزيز اكتساب المتعلم للمهارات والمعارف والكفايات المطلوبة من أجل تحقيق أهداف التعليم، فإن إسهام وسائط الإعلام في التأثير على شخصية المتعلم وميوله واتجاهاته وطرائق تفكيره لا يمكن إغفال دورها في التعليم. وفي المقابل، فإن توظيف قنوات الاتصال التي أصبح انتشارها واسعا بصورة غير مدروسة ومنظمة يفقدها فاعليتها في تعزيز وتحسين العملية التعليمية، وتصبح عبئا على المؤسسة التعليمية وممارساتها التعليمية. والحال نفسه بالنسبة لوسائط الإعلام، فعدم تدخل المؤسسة التعليمية في تربية النشء على كيفية التعامل مع وسائط الإعلام المتنوعة وسهلة الوصول بالنسبة لهذا النشء، فستكون آثارها مدمرة ولن تقوى المؤسسات التعليمية على التصدي لتلك الآثار.
نحن اليوم بحاجة ماسة للعمل على تعزيز دور مؤسساتنا التعليمية من خلال إعادة النظر في ما تقدمه لمتعلميها في مختلف مراحلهم الدراسية وطرائق تقديمها بما ينسجم مع التطور التكنولوجي في مجالي الاتصال والإعلام. فالممارسات التعليمية التي تعتمد أساساً على الاتصال بين أطراف العملية التعليمية، يجب ألا تستثني قنوات التواصل الاجتماعي الحديثة في تلك الممارسات. فقد أصبحت هذه القنوات جزءاً أصيلاً في حياة الطلبة اليومية، يتم استخدامها بطرائق تنعكس سلباً في أغلب الأحيان على مستخدميها، فتوظيفها في الممارسات التعليمية بصورة مدروسة وعلمية ومنظمة يحد من الاستخدام غير الهادف لها من قبل الطلبة ويفتح الباب نحو تعزيز الاتصال التعليمي بقنوات جديدة، ما ينعكس إيجاباً على تحصيلهم الدراسي. وهذا يتطلب من الجميع دعم توجه دمج هذه القنوات في التعليم بخطط شاملة منسجمة مع ما يتوفر بين أيدي الطلبة من قنوات اتصال ووسائط إعلامية والاحتياجات الحقيقية لعملية الدمج، والابتعاد عن الاجتهادات الشخصية في وضع خطط مبعثرة غير واضحة المعالم والأهداف. فعند تدريب المعلمين على دمج قنوات الاتصال ووسائط الإعلام في ممارساتهم التعليمية لا بد من معرفة احتياجاتهم الحقيقية لعملية الدمج ومدى توافق المواد التعليمية وأنشطتها مع عملية الدمج هذه، وكذلك مدى توفر التسهيلات المادية في المؤسسة التعليمية أو لدى الطلبة، وأخيرا مدى توافق السياسات والأنظمة التعليمية مع هذا الدمج. بعد ذلك يتم وضع الخطط والإجراءات التنفيذية التي تصبح الموجه الرئيسي لتصميم المناهج الدراسية التي بدورها تحدد الممارسات والأنشطة التعليمية التي تعمل على تحقيق غايات وأهداف التعليم.
* جامعة النجاح الوطنية




