
منذ أصدر الكنيست الإسرائيلي قانون خصم قيمة المبالغ التي تدفعها السلطة لذوي الشهداء والأسرى من الضرائب المحوّلة للسلطة، مرّ هذا القرار الاستفزازي دون فتح معركة سياسية وقانونية وإعلامية فلسطينية بمستوى هذا القرار وأهدافه شديدة الخطورة، وحساسيته من زاوية تخصيص الأموال المقتطعة لدعم عوائل ضحايا الهجمات الفلسطينية من الإسرائيليين.
الكاتب الصديق فيصل حوراني لفت الأنظار إلى “اقتصار الموقف الفلسطيني الرسمي وغير الرسمي حتى الآن، على رفض القرار وتأكيد الالتزام الوطني والإنساني بقضايا الشهداء والأسرى، مؤكداً أن “هذا الموقف المهم لا يكفي، بل ثمة حاجة لإعادة طرح الموضوع بطريقة أخرى غير دفاعية، ونحن نملك عناصر قوة لا بد من استخدامها”. كان تقييم الصديق حوراني في محله، وأفصح عن موقف فيه الكثير من الوجاهة وجدير بالنقاش، وهو موضوع هذا المقال.
القرار الإسرائيلي بالاقتطاع جاء امتداداً لقرار الكونغرس الأميركي القاضي بوقف المساعدات للسلطة الفلسطينية ما لم تتوقف عن دفع الأموال لأسر الشهداء والأسرى في السجون الإسرائيلية. والقراران يأتيان في سياق مشروع صفقة القرن لتصفية القضية الفلسطينية، الذي يجسد الرؤية العدمية الإسرائيلية للحقوق الوطنية والمدنية الفلسطينية، والتي جرى التمهيد له حسب حوراني، بحصار قطاع غزة وتقويض بنيته التحتية، وتجويع المواطنين فيه بمستوى غير محتمل. والآن يدخل المشروع في حلقة أخطر، عنوانها معاقبة وتجويع عشرات الآلاف من الأسر الفلسطينية، والمسّ بالقيمة المركزية العليا للشهداء والأسرى في ثقافة الشعب الفلسطيني. وكل ذلك من أجل تقرير مصير الشعب بمفهوم تجاري يعتمد الضغط على الحاجات الأساسية للبشر، وعلى المسّ بالجانب المعنوي والرمزي شبه المقدس للشهداء والأسرى. صحيح أن السلطة اعتبرت القرار بمثابة “إعلان حرب” و”قرصنة إسرائيلية” وسرقة للأموال الفلسطينية التي تجبى من الشعب الفلسطيني”، ووعدت بالردّ عبر «محكمة الجنايات الدولية ومجلس الأمن”. إلا أن هذه المواقف والإجراءات، على أهميتها، ليست بمستوى خطورة الحدث وحساسيته، ولأنها كذلك فلم تتمكن من تجنيد وحشد مواقف ضاغطة على الحكومة الإسرائيلية وإدارة ترامب.
الإنكار الإسرائيلي لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره بنفسه، وفي تحرره من الاحتلال، وإقامة دولته المستقلة، هو جذر المشكلة. هذا الإنكار الذي تأسس على إنكار الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية، واعتبارها أرض الآباء والأجداد التي هبطت عليهم كهدية مقدسة من السماء بحسب الميثات الإسرائيلية، وتأسس على إنكار وجود شعب أصلاني جملة وتفصيلاً. ثم قادت الإنكارات السابقة إلى ادعاء غرائبي إسرائيلي يزعم أن الاتفاقات والمعاهدات والقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة لا تنطبق جميعاً على الشعب الفلسطيني وعلى الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وبناء على منظومة الإنكارات، يصبح النضال التحرري والمقاومة إرهاباً، والمناضلون من أجل الحرية معتقلين جنائيين، والأرض والموارد الفلسطينية مستباحة، ومنظومة القوانين التي يسري مفعولها على الشعب الفلسطيني هي خليط من أوامر عسكرية ومخلفات قوانين العهد العثماني وقوانين الطوارئ في عهد الاستعمار البريطاني.
الإنكارات الإسرائيلية والممارسات المدعمة بمنظومة قوانين بائدة، هي على النقيض من ميثاق الأمم المتحدة ومنظومة القوانين والمعاهدات والاتفاقات والبروتوكولات الداعمة لها، وجلها تتفق مع حق تقرير المصير والتحرر الفلسطيني. ما يهم هنا هو المرجعية التي ننطلق منها في التعامل مع الأسرى والشهداء. وإذا كانت دولة الاحتلال الإسرائيلي ومعها إدارة ترامب تنطلقان من الإنكارات ونفايات القوانين في التعامل مع الأسرى والشهداء الفلسطينيين، فهذه المرجعية لا تصلح للاستخدام الآدمي الآن وفي كل الأوقات السابقة واللاحقة. إن اتفاقيات جنيف، والأحكام المتعلقة بأسرى الحرب، والبروتوكولين الإضافيين لاتفاقيات جنيف، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والقرارات الصادرة عن الجمعية العامة المستندة لكل ذلك، هي المرجعية الدولية المعتمدة. ولا يجوز بأي حال من الأحوال معاقبة فلسطين الملتزمة بالمرجعية القانونية الدولية ومكافأة المنتهكين لها، أو الصمت على مواقفهم المتنافرة مع المرجعية وعدم الدفاع عن القانون الدولي. هذه المرجعية أكدت على حق الشعوب، ومن بينها طبعاً الشعب الفلسطيني، في مقاومة الاحتلال والاستعمار بكل الوسائل، بما في ذلك الكفاح المسلح. وتحصيل حاصل أقرت المحاكم المنشأة بعد الحرب العالمية الثانية بوجوب معاملة المقاومين والمقاومات المقبوض عليهم كأسرى حرب، حتى لو ثبت أثناء المحاكمة أنهم محاربون غير ملتزمين بالقانون الدولي. نعم، يؤكد البروتوكول الأول أن المنازعات المسلحة الناجمة عن مقاومة حركات التحرر بمثابة نزاعات مسلحة دولية يطبق عليها القانون الدولي. وقد اعترف النظام الدولي عبر قرارات الجمعية العامة بمنظمة التحرير كحركة تحرر وأقر بمشروعية مقاومتها للاحتلال الإسرائيلي، وبالتعامل مع أسراها كأسرى حرب.
ما تقدّم يؤكد أن قرار مصادرة الأموال المخصصة لزوجات وأبناء وأسر الشهداء، ومصادرة الأموال المخصصة للأسرى في سجون الاحتلال، هو عمل غير شرعي، بل متوحش ومحض قرصنة، ومتنافر مع القانون الدولي ومع أبسط حقوق الإنسان. وإن مسؤولية وقفه وسحبه من التداول مسؤولية تقع على عاتق المؤسسات الدولية أولاً. كما أن مسؤولية دعم وتشجيع التزام الحكومة الفلسطينية بحقوق المواطنين المنكوبين بالاحتلال الذي يصنع لهم النكبات، لا يقل أهمية عن ذلك.
دعونا نحتكم للمرجعية القانونية الدولية، ونخضع قضية الأسرى الفلسطينيين لمعاييرها، ونقبل بالحكم الصادر عنها تجاه قطبي الصراع، كما يرى الكاتب فيصل حوراني. وقد سبق للقطب الفلسطيني الموافقة على تقرير غولدستون، الذي تحدث عن جرائم حرب إسرائيلية وتحدث عن انتهاكات فلسطينية. ولطالما نصت البروتوكولات والاتفاقات على التزام المقاتلين من أجل الحرية بقواعد القانون الدولي وفي مقدمة ذلك الالتزام بحماية المدنيين، وعدم المسّ بهم بشكل قصدي، وتمييز المقاتلين عن المدنيين أثناء الاشتباك والأعمال العسكرية، فإن فلسطين تلتزم بما لها وما عليها ولا تتعامل بشكل انتقائي ووحيد الجانب. وطالما خضعت العملية لمرجعية قانونية واحدة ولهيئة قانونية محايدة، فلا يضير شعباً منكوباً بأطول احتلال القبول بنتائج المحاكمات والأحكام الصادرة عنها، واحترامها وتطبيقها. وفي هذا الشأن، فإن لدولة الاحتلال باعاً طويلة في الانتهاكات من الوزن الثقيل والذي يرقى إلى جرائم حرب. ومن المفترض في هذه الحالة التوقف عند كل الانتهاكات الإسرائيلية بأثر رجعي، ومحاسبة المسؤولين عن ارتكابها، ومن غير المنطقي أن يكون الجلاد قاضياً وحكماً في آن. ومن غير المنطقي أن تصدر دولة الاحتلال الأحكام استناداً لمنطق غطرسة القوة وتفرض تطبيقها على الضحايا. بهذا المعني، كان رأي الصديق الكاتب فيصل حوراني، الداعي إلى خوض معركة حقوق الأسرى والشهداء بطريقة أخرى، صائباً.




