الرئيسيةزواياأقلام واراءالديمقراطيات الاستيطانية الاستعمارية: اسرائيل وأمريكا كنموذجين الكاتب: وليد سالم

الديمقراطيات الاستيطانية الاستعمارية: اسرائيل وأمريكا كنموذجين الكاتب: وليد سالم


في كتاب مرجعي، ميز عالم الاجتماع التاريخي مايكل مان بين الديمقراطية القائمة على المساواة بين كل مواطنيها بغض النظر عن انتماءاتهم القومية والدينية والجنسية وغير ذلك من أشكال التمييز، وبين الديمقراطية الاثنية القائمة على التمييز بين إثنية عليا تتبنى الدولة قوميتها وهويتها، وبين إثنيات أدنى يتم التعامل مع مكوناتها على أنهم/ن أفراد لا يستحقون اكثر من حقوق دينية ومدنية ، فيما يحرمون من الحقوق المدنية والسياسية. وقد اطلق مان اسم ” ديمقراطية المستوطنين” على الشكل الأعلى لهذه ” الديمقراطية” الأخيرة، وأطلق عليها وصف’ الجانب المظلم من الديمقراطية” وهو اسم كتابه ، وذلك لأنها ديمقراطية تتسم بالإجرام ضد الإثنيات الأخرى، ضمن علاقة طردية مع ديمقراطيتها لإثنيتها. أي أنه كلما زادت واتسعت ديمقراطيتها لإثنيتها ، كلما اتسعت إجراميتها ضد الاثنيات الأخرى ، وبهذا تصبح لا ديمقراطية ، ولا تساوي بين كل مواطنيها( مان، ٢٠٠٥).
طبق مان أطروحته هذه على دول استيطانية استعمارية عديدة، شمل ضمنها الولايات المتحدة وإسرائيل صمن دول أخرى، مشيرا أن هاتين الاثنتين قد خلقتا ديمقراطيتان اثنيتان للأغلبية، الأولى بعد ممارسة الإبادة ضد الهنود الحمر، والثانية بعد ممارسة مزيج من ممارسات الإبادة والتطهير العرقي داخل الوطن وخارجه، والحرمان من المواطنة كآليات استئصالية للشعب الفلسطيني.
ومن السمات المميزة الأخرى لكل من الديقراطيتين الاستيطانيتين في امريكا وإسرائيل الثلاثة التالية:
أولا: أن كليهما تسعيان ولديهما شره للاستحواذ على الأرض، واقتلاع الآخر منها، فأمريكا استولت على ٥٢٩ ألف ميل مربع عام ١٨٤٨ من المكسيك بعد أن هزمتها في الحرب في ذلك العام، ولا تزال هذه تمثل أجزاءا من الولايات المتحدة حتى اليوم. وقبل ٨ سنوات من ذلك كانت قد استولت على ولاية تكساس من المكسيك ايضا، واستولت عام ١٨٦٧ على ألاسكا من روسيا، كما احتلت جزيرة هاواي عام ١٨٩٧، وبورتوريكو عام ١٨٩٨. وهذه مجرد أمثلة ، إذ يزخر تاريخ الولايات المتحدة حول كيفية تشكلها ووصولها الى ما هي عليه اليوم على العديد من الأمثلة الأخرى بهذا الخصوص.
أما اسرائيل فقد توسعت بعد عام ١٩٦٧ لتحتل بقية فلسطين وأراض عربية أخرى اليها، وتسعى اليوم للحصول على المباركة الأمريكية الكاملة لضمها لهضبة الجولان في ثمانينيات القرن الماضي، بعد ان حصلت عام مؤخرا على تلك المباركة لضمها للقدس الشرقية عام ١٩٦٧، وتريد استكمال كل ذلك بضم الضفة الغربية أو الأجزاء الأكبر منها إليها، عبر مشاريع قوانين مطروحة في الكنيست هذه الايام.
ثانيا: كلاهما في حالة حرب دائمة، تسعيان للتوسع وتمارسان التهديد، وأعمال الاعتداء خارج حدودهما، كغارات إسرائيل على سوريا، وقبلها على المفاعل النووي العراقي في ثمانينيات القرن الماضي، وحروبها المختلفة ضد لبنان وغزة، وتهديداتها لإيران. أما امريكا فهنالك سلوكها الإمبراطوري كحاكم للعالم وحروبها ضد فيتنام وأفغانستان والعراق وغيرها، والتي جعلت باحث هارفارد عزيز رنا يصف الولايات المتحدة بأنها ” امبراطورية استيطانية” اكثر منها جمهورية كما ادعى توماس جيفرسون أنه كان يريدها لدى تأسيسها.
ثالثا: كلاهما لا زالتا تتعاملان مع الآخر الداخلي كعدو، الولايات المتحدة من خلال سلوكها التمييزي ضد السود حتى اليوم، واستمرارها بالتعامل مع الهنود الحمر من خلال دائرة خاصة لإدارة شؤونهم حتى اليوم ايضا مما يعني التعامل معهم على أنهم درجة أدنى من الأمريكان البيض، وهنالك ايضا كره الأجانب والتمييز ضد الأقليات، والتقييدات على حقوق الهجرة الى امريكا وحقوق المهاجرين فيها.
أما في اسرائيل، فهي لا زالت تخضع فلسطينيي ٤٨ الى ممارسات الاستعمار الداخلي عبر مصادرة أراضيهم، وللابارتهايد وممارسات التميييز، كما أنها تخوف اليهود بتهافتهم على الانتخابات ، وذلك سعيا للحفاظ على الطابع الاستيطاني الاستعماري للنظام، وترفض تكوين ائتلافات حكومية مع ممثليهم.
وبالنسبة لغزة تمارس اسرائيل أساليب الاحتلال العسكري الكولونيالي عليها، وذلك رغم انسحابها من داخلها عام ٢٠٠٥.
أما الضفة فتمارس اسرائيل فيها ثلاثية الاستيطان الاستعماري، والابارتهايد، والاحتلال العسكري( هنيدة غانم، ٢٠١٨) مضافا لذلك ممارسات نيو كولونيالية على المستوى الاقتصادي لإبقاء الالحاق بالاقتصاد الاسرائيلي.
وبالنسبة للشعب الفلسطيني ككل تزداد باضطراد القوانين العنصرية التي تسنها الكنيست صدهم وضد حقوقهم كقانون القومية لعام ٢٠١٨ والعشرات غيره كما أوضحها الباحث برهوم جرايسي. كما صدرت قرارات من المحكمة العليا عام ٢٠١٧، تعتبر المستوطنين المستعمرين بمثابة” سكان محليين” في الضفة الفلسطينية.
بناء على ما تقدم يمكن التعرف على الديمقراطية الاستيطانية الاستعمارية بناءا على مميزاتها اعلاه، والتي تعطيها كلها طابعا إجراميا ضد الآخر. وقد بقي أن نذكر أنه حتى على صعيد اثنيتها الخاصة فإن هذه ‘ الديمقراطية’ باتت تتآكل. لننظر مثلا إلى العمل المتواصل لإفقاد القضاء سلطته ، وإلى المساعي لإخراج اليسار ومنظمات المجتمع المدني عن الشرعية في اسرائيل، جنبا الى جنب مع تحويل الكنيست الى مجرد جهاز للمصادقة على قرارات الائتلاف الحكومي بدلا من أن يكون رقيبا عليه كما أشار لذلك الباحث أنطوان شلحت عدة مرات.
تبدو اسرائيل من الخارج وحسب الدعاية الغربية ودعايتها على أنها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط. اعلاه كان محاولة للقول هو أن هذا الادعاء هو أبعد ما يكون عن الحقيقة عندما يتم فحص الوقائع على الأرض بدقة. أما اسرائيل والولايات المتحدة فليستا سوى مشروعين استيطانيين استعماريين تلعب فيه الثانية دور الدولة الأم للأولى، وهو ما يتعزز حتى التطابق الكامل بينهما في المواقف خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب الأخيرة .

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب