
رغم الهدوء النسبي في ليلتي الاربعاء والخميس، يتوقعون في الجيش الاسرائيلي نهاية أسبوع عاصفة. فقد نزلت الى الغلاف، الاربعاء مساء، واخترقت الهدوء انفجارات بين الحين والآخر. فقد دفعت “حماس” بالخلايا حيال سديروت وحيال بلدات الجدار مثل كرم سالم، ناحل عوز، وعين هشلوشا. على مسافة نحو 400 متر من الجدار الحدودي فجروا قنابل صوت من إنتاج ذاتي. وكان الضجيج عظيما، إذ استهدف إخافة المواطنين في البلدات. ولشدة الأسف، فقد نجح هذا الابتكار. ليس سهلاً إنامة طفل خائف حين ينفجر “بوم” كل بضع دقائق. الأمن على ما يرام، اما احساس بالامن فليس على ما يرام.
لقد خططت عائلات عديدة قضاء نهاية الاسبوع في أماكن اكثر هدوءا.
دخل لواءان، غولاني واللواء 7 ، هذا الاسبوع، الى مناطق الاستعداد للغلاف، إضافة الى لواء المظليين النظاميين. واستهدف الانتشار الردع، وليس الشروع في خطوة برية. إذا فهمت الامر على نحو صحيح، فقد عرض الجيش الاسرائيلي على القيادة السياسية سلسلة من الخيارات، من الاحتواء الى الاحتلال. فاذا أمرت القيادة السياسية في بـ “حماس” فان الجيش الاسرائيلي سيعرف كيف يبيد “حماس”؛ وإذا أمرت باحتلال كل القطاع او جزء من القطاع، فإن الجيش الاسرائيلي سيعرف كيف يفعل ذلك.
نتنياهو يفضل الاحتواء على أمل أن يلجم الضغط المصري “حماس”. والاختبار سيكون يوم السبت، في الاحداث التي تخطط “حماس” لها بمناسبة سنة على تظاهرات الجدار و 43 سنة على يوم الارض. عشرة آلاف، عشرون الفا او أربعون الفا على الجدار – القرار بيد يحيى السنوار. البالونات، العبوات على الجدار، التفجيرات في الليل هي قتال في المجال الغامق.
أما قذائف الهاون، المقذوفات الصاروخية والصواريخ فهي ما يسمونه في الجيش الاسرائيلي رسائل محددة. ويتعلق حجم الرد الاسرائيلي بالنتيجة. فلو أن الصاروخ الذي دمر البيت في موشاف مشميرت قتل ابناء العائلة، لما كان يمكن للكابينت ان يكتفي بقصف مكاتب فارغة، عشية الانتخابات.
عن الصاروخين الاولين، اللذين اطلقا من رفح الى غوش دان، قيل انهما اطلقا بالخطأ. كانت هذه هي رواية “حماس”. في اسرائيل تقرر قبولها. وادعت “حماس” بأن الصاروخ الذي انفجر في مشميرت هو الآخر أطلق بالخطأ. في اسرائيل رفضوا التصديق: فخطأ واحد يمكن قبوله كيفما اتفق. والمثير للشفقة وحده يصدق خطأ متكررا.
عندي اخبار لكم. محافل في اسرائيل تقدر بان هذا الصاروخ هو الاخر اطلق بالخطأ. فالغزيون، كما زعم، جيدون جدا في انتاج الصواريخ، ولكنهم سيئون جدا في الصيانة.
ساحة الانتخابات
“أنا أفهمهم على نحو ممتاز ولكن لا أفهمهم”، قال مصدر عسكري عن قيادة “حماس” في غزة. الشطر الاول من الجملة يتناول الطريقة التي تستخدم فيها “حماس” قواتها، من جنود ومدنيين، كيف توجه اليأس نحو الجدار. أما الشطر الاخر فيتناول سلم أولوياتها. ولماذا تستثمر كل ما لديها ليس لتحسين حياة السكان بل في حفر الأنفاق، ولا سيما الانفاق الوقائية. لماذا ترى في عدد القتلى – 290 منذ بدء أعمال “الاخلال بالنظام” – انجازا وليس مصيبة. ما الذي تعطيها الاحداث على الجدار باستثناء هتاف يائس يدعو الى الانتباه؟
يخيل لي ان السؤال الحاسم في هذه اللحظة، في الازمة حول غزة، ليس كيف نفهم “حماس” بل كيف تفهمنا “حماس”. السنوار، خريج السجن الاسرائيلي ومحرر صفقة شاليت، هو الرجل المركزي في اتخاذ القرارات. اما اسماعيل هنية فهو الشخصية التمثيلية. هو رجل الاتصال بمصر. محمد ضيف هو القائد العسكري. هو الكفاحي بين الثلاثة، الرجل الذي يدفع نحو مواجهة عسكرية مع اسرائيل.
“حماس” لا تقرر وحدها. “الجهاد الاسلامي” يتلقى قراراته من طهران، عبر دمشق. وقرار السنوار وقف النار لا يلزم بالضرورة “الجهاد” والمنظمات “المارقة”. كل منظمة مسلحة بالصواريخ وجاهزة لاطلاقها. هذا الاسبوع، في اطار تبادل النار، اطلق من غزة 60 صاروخا. ثلثها اطلقتها “حماس”، ثلثها “الجهاد”، وثلثها منظمات “مارقة”.
يتابع الغزيون بعناية حملة الانتخابات في اسرائيل. فالانتخابات في كل العالم الديمقراطي اجتازت في السنوات الاخيرة عملية التدويل. والنموذج الابرز، الاكثر إخافة، كان التدخل الروسي في الانتخابات الاميركية وفي الاستفتاء الشعبي في بريطانيا. فقد حطم الروس قواعد اللعب في استخدامهم الجارف للسايبر. واستقبال نتنياهو، هذا الاسبوع، في البيت الابيض وفي ذروته الاعتراف بسيادة اسرائيل في هضبة الجولان، هو نموذج من نوع آخر. لقد كانت الانتخابات في اسرائيل هدفا لتدخل أجنبي في الماضي أيضا، عمليا منذ الانتخابات الاولى للكنيست. اما الانتخابات في العام 1996 فهي نموذج كلاسيكي. إذ تجند الرئيس كلينتون بكل قوته من أجل بيريس. جمع ممثلي الدول العربية في شرم الشيخ لدعم بيريس، وجاء الى اسرائيل بنفسه. وبالمقابل، عملت ايران كي ترفع مستوى “الارهاب” عشية الانتخابات وافشال مسيرة اوسلو. وكما يذكر، انتصرت ايران.
تعيدنا الانتخابات الحالية الى ساحة اللاعبين في ذلك الحين. انا لا أتحدث عن التسلل الايراني الى جوال غانتس، فهذه حركات ذبابة. أتحدث عن تصعيد التوتر على الارض. ثمة من يقدر بان ايران تريد أن تنتقم من نتنياهو على أعماله ضدها؛ ثمة من يقدر العكس؛ بأن ايران تريد اعادة انتخاب نتنياهو كي تمنع استئناف المسيرة السياسية. الواضح هو أن ايران لاعب في الانتخابات، تماما مثل “حماس”. في حالة “حماس”، فان صندوق الاقتراع سيفتح يوم السبت، أمام الجدار في غزة. السنوار يعرف بأن الانتخابات تزيد حريته في العمل. فما يفعله بها منوط به.
ما الذي يفعله بني غانتس، هذا الاسبوع، في غزة لو كان رئيس وزراء؟ كان سيبحث عن سبيل لتوجيه ضربة سريعة لـ”حماس”، وبعدها استئناف المحاولات لإعمار غزة، بمعونة المصريين، وربما ايضا بمعونة السلطة الفلسطينية. فليبحث عن فوارق بين غانتس ونتنياهو سيجدها أساسا في نقطة واحدة – الموقف من السلطة الفلسطينية.
من ناحية اسرائيل، فان المواجهة في غزة هي بمثابة حرب خيار. فغزة لا تشكل تهديدا وجوديا. والفجوة بين الطرفين شاسعة. يمكن للغزيين أن يسقطوا صاروخا على سديروت أو تل أبيب، ولكن يمكن لاسرائيل بالتأكيد بقرار لحظة أن تدمر غزة، وتحولها، مثلما قال واحد ممن تحدثت معهم في الغلاف من مقديشو الى هاييتي. وتفوُّق الغزيين علينا هو في ان ليس لهم ما يخسرونه. خلق ذخر في غزة لا يرغب الغزيون في خسارته، هو الردع. ولكن الاسرائيليين فشلوا في خلق مثل هذا الذخر. في السنة – السنتين الاخيرتين كفوا حتى عن المحاولة.
تحدث قائد فرقة غزة، العميد اليعيزر طوليدانو، هذا الاسبوع مع الجنود الذين نزلوا الى الغلاف. وقال لهم: “لقد قاتل آباؤنا ضد فرق مصرية. أما نحن فنقاتل ضد مخلين بالنظام على الجدار. كل جيل ومهامه”.
عن “يديعوت”




