ثقافة وادبزوايا

لم يبقَ إلا كابوتشي في الجنّة المقفلة!

“كابوتشي”، هو الناجي الوحيد من الغياب في “الجنّة المقفلة”، رواية عاطف أبو سيف الأحدث، والصادرة عن دار الأهلية للنشر والتوزيع في عمّان، ويواصل فيها مشروعه السردي حول يافا، والمخيّم، والعودة، متسلحاً بحكايات ورثها، كما شخصيات روايته هذه، وما سبقها، عن الوالدين، أحدهما أو كلاهما، أو أفراد العائلة ممّن هم أكبر سناً، ومنتصراً، كعادته، لحيوات العاديّين غير العاديّين حين يصنعهم من لحم ودم، بحيث تعيش معهم، وتعايش يومياتهم، وتبكي حين يبكون أو يحبسون دموعهم بقرار مسبق أو آني، وتضحك حين يقوم أحدهم بما يدفع للقهقهة، فهو، وبسلاسة العارف، يزج بنا إلى عوالم صنعها وعاشها وأرادنا أن نعيشها معه، ومع شخوصه، وهو ما كان.

لا يمكن اختصار الرواية بأنها حكاية “كابوتشي”، وإن كانت هي المتكأ الأساسي، لهذا “الذي جاء رغماً عن أمه، وكانت تريد له ان يأتي في مدينة أحلامها”، بل هي جزء من حكاية شعب بأكمله لا يزال يعيش تداعيات ما تعرض له من تهجير وإحلال يتجاوز “النكبة” بكثير، عبر عائلة كان الغياب قرارها القسري أو الاختياري، ولم يبق منها إلا “عبد العزيز” الذي حمل اسم عمّه الشهيد في يافا، وكان رفيق نوح إبراهيم إبّان الانتداب البريطاني، قبل أن يُعرف باسمه الحركي كغالبية الفدائيّين، أي “كابوتشي”، وكان أن كُنّي به في العام 1974 حين اعتقلت سلطات الاحتلال الإسرائيلي المطران الفدائي صاحب الاسم الفعلي.

و”العودة” هنا هي الثيمة المحورية للرواية، كما كانت في روايات سابقة لعاطف أبو سيف، لا سيما “الحاجة كريستينا”، وإلى درجة كبيرة في “حياة معلقة” و”حصرم الجنّة”.

ويستحضر أبو سيف “كريستينا” في روايته الجديدة في ظهور عابر، واستعادة ذكية، تربط “الجنّة المقفلة” بغيرها من مكونات مشروعه الروائي منذ البداية.. “كريستينا” التي لم يعد ابنها إلى غزة، “بعد أن خرج للتعليم في الخارج. التحق بالثورة، واختفت آثاره بعد حصار بيروت”.

وتتعدد صور وأشكال “العودة” في الرواية ما بين متخيلة ومشتهاة، وما بين ممكنة ومستحيلة، كما تتأرجح ما بين رغبة وتمنع أو حالة ملتبسة بينهما.

لكنّ الأم قررت ذات مرة أن أولادها سيعودون.. “هكذا بلا مقدمات وبلا حاجة كثيرة للشروح قالت لكابوتشي إن إخوته سيعودون اليوم”، لتغمض عينيها للمرة الأخيرة على صورة العشاء الأخير الذي لمّ شمل العائلة.

ويرث “كابوتشي” عن والدته “شغف وألم وشوق لمة العائلة”، خاصة أن “أمّه رحلت دون أن تنعم بما كانت تخطط له، ودون أن تلمس يداها وجوه أبنائها للمرة الأخيرة”.. و”لمّا لم تغب تلك اللحظة عن باله، فإنّ رحيل الأم لم يعنِ له رحيل اللحظة، أو فرص تحقيقها”، خاصة مع تعقيدات خريطة توزيع الأبناء أو الأشقاء في مرحلة ما بعد غياب الأم.

الأولاد والبنات الستة بين عوالم مختلفة، فجزء منهم داخل البلاد، أخت تزوجت بعيد النكبة وبقيت في يافا، وأخرى تزوجت واستقرت في جنين بالضفة الغربية، بينما الجزء الأكبر من العائلة في الخارج، بعضهم لا يستطيع العودة، وبعضهم يستطيع أحياناً ولكن يسكنه التردد، فيما كان يستعصي على الأم التوجه إليهم بعد حظرها من السفر، في أعقاب لقاء مع ضابط مخابرات إسرائيلي سألها، بعد أم وصفها بـ”أم المخرّبين”، عن ابنها الأكبر الذي اعتقل وأبعد، هي التي رفضت منحه أي معلومات عن بِكْرها.

وتبعاً لذلك، باتت الأم تلتقي بأبنائها نادراً، وفرادى، باستثناء “كابوتشي” الذي ظل يرافقها حتى رحلت وهي تستعيد مشهد العشاء الأخير للعائلة، بما يحمله من طقوس يافيّة، ولو شكلانية، دون أن تدرك أن كل واحد منهم اختار مصيره بعيداً عن مصائر الآخرين، وكل قرر ما يراه مناسباً.

كانت تريد أن يلتم أفراد العائلة حول طاولة واحدة، طاولة “عوني السعيد”.. ولهذه الطاولة حكاية يسردها أبو سيف في “هوامش سرديّة” شكلت إضافة خاصة على مستوى التكنيك الروائي، أشبه بتلك النهايات المكتوبة في أعقاب المشهد الأخير لفيلم روائي طويل.

في العام 1930 ذهب عوني السعيد إلى منجرة “الدباغ” في يافا، يطلب أثاثاً خصيصاً لمكتبه في البيت. أمضى النجار ثلاثة أشهر في صناعة الطاولة الخزانة والكراسي التي ستحملها عربة حصان إلى المنزل. مرّر يديه على وجه الطاولة الأملس المصنوع من خشب الزان، ثم انزلقت يده أسفلها بجوار القائم الأمامي العريض. مدّ جسده كله تحت الطاولة. طلب من النجار مفكّاً حادّاً. بعد خمس دقائق كان قد انتهى من حفر اسمه على الخشب، وحفر أسفله تاريخ: 17/6/1930.. كان هذا التاريخ قد مضى عليه ثلاثة أشهر، لكنه ظل يوماً محفوراً في ذاكرة الرجل، يوم إعدام الثلاثة. التاريخ الذي خلّدته الأغنية الشهيرة “من سجن عكا طلعت جنازة”(…) رمت النكبة بالطاولة في أحد الحوانيت المكدسة بأثاث البيوت في يافا، إذ بعد أكثر من عقد ونصف من استخدامها من قبل ساكن البيت الجديد قرر أن يتخلى عنها، فمنحها لبائع “أنتيكا” في سوق الدير قرب دوار الساعة، قبل أن تحملها الأقدار إلى البيت في المخيم، فتصير “جزءاً من رائحة البيت القديم والحارة القديمة والمدينة المفقودة”.

وتشكل “الهوامش السرديّة” في رواية “الجنّة المقفلة”، استدراكاً روائياً مهماً على مستوى البنية والشكل واللغة، وعلى المستوى البصري، الذي يغلف الرواية برمّتها، بحيث تشعر وأنت تقلّب الصفحات، أنك أمام فيلم روائي طويل، أو دراما في ثلاثين حلقة أو يزيد، تدور أحداثها في جغرافيات عدّة وجغرافية واحدة في آن، و”بطلها” شخصيات عدّة وشخص واحد فحسب في الوقت نفسه.. جغرافيات وشخصيات تبحث لها عن مكان على “الطاولة”، كما “كابوتشي” ومن قبله أمّه بعشر سنوات، وكما القارئ.

“الاجتماع الذي تمّ لآخر مرّة حولها أيضاً في نهار تموزيّ قائظ بعد أقل من أربعة أشهر من دخولها إلى البيت. ذلك النهار الذي جلست فيه العائلة لتناول العشاء الأخير ثم انفرد عقد المسبحة، وخرج الأبناء والبنات تباعاً، ولم يعودوا بعدها لمقاعدهم حولها”.

وكما حضر نوح إبراهيم والشهداء الثلاثة: عطا الزير، ومحمد جمجوم، وفؤاد حجازي، حضرت شخصيات فلسطينية أخرى، من بينها الروائي الشهيد غسان كنفاني، عبر حكاية زوج “خضرة” الأخت الكبرى لـ”كابوتشي”، والذي عمل في بيروت رفقته، وغيرهم، علاوة على شخصيات صنعها الروائي كان لها حضور عابر ولكن ليس هامشياً وله دلالاته كحضور الأب والجدّة الإسبانية في زمن الجنة التي لم تكن مقفلة، وغيرهما.

“الجنة المقفلة” رحلة روائية بانورامية مكثفة، أشبه بقصص قصيرة شكلت مجتمعة رواية متكاملة، بحيث منحت القارئ استراحات مهمة، بعيداً عن الفذلكة والاستطالات غير المبررة.
يمكن التعاطي معها كرواية منفصلة، أو كجزء آخر من سلسلة روايات عاطف أبو سيف، التي ترمي بك إلى البحر اليافيّ حين كان يتكلم العربية بطلاقة، وإلى حيث دور السينما، وبيارة العائلة، والمنزل في حي النزهة، وأغنيات عبد الوهاب وليلى مراد التي بات يسكنها كلها الغرباء.. رحلة تطارد أحلام الأم التي ورثها “كابوتشي” المناضل الذي بات موظفاً “عاديّاً” ما “بعد أوسلو”، ذلك الاتفاق الذي قالت الأم عن تبعاته ذات مرّة: “عرفات راح يرجع، بس ما في سلام”.

في جنة الأم المقفلة، “ثمة حكايات عن رحيل وفقد وانتظار تتدافع وتتزاحم، فتسرقها من الوقت وتسرق الوقت منها”، غير متناسية ذلك “الكابوس حين حملتها أقدامها من يافا إلى غزة على طول الطريق الساحلي”، بحيث “لم يخطر ببالها أسوأ من تلك الرحلة الجماعية مع أطفالها في أرض غريبة (…) لكن أن تعصف الرياح بشراع المركب فترمي كل فرد منهم في جهة، فهذا ما لم يخطر على بالها، حتى وهي تغلق باب البيت في يافا فيما القذائف القادمة من تل أبيب تهدم البيوت على رؤوس ساكنيها”.

أما جنة “كابوتشي” فهي مشرعة على الحلم بالعودة، ولو كان متخيلاً، فعلى الرغم من تجاوزه الستين، إلا أنه ظل “وحده من يحافظ على طقوس الانتظار، ويمسك بآخر فتيلة لإشعال السراج”، مع أن الأبناء والبنات خرجوا “فرداً فرداً، شخصاً بعد آخر، كل له حكايته، وكل له سببه للخروج وحجته للغياب”.

ومع أن الأب رحل، والأم رحلت بعد أن رسمت عشاء العائلة الأخير بوصف رأى فيه الكاتب أبدع ممّا فعل دافنتشي.. ورغم أن “كريستينا” اختفت، واشتعل رأس “عبد العزيز” أو “كابوتشي” بياضاً، إلا أنه لم يتنازل يوماً عن البحث عن مستقبل ما يخفف شيئاً من الألم.

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى