أقلام واراءزوايا

أمريكا تُعيد إنتاج بضاعتها .. بقلم: المحامي أحمد العبيدي

بطبيعة الحال أنا لستُ بصدد شرح السياسة الأمريكية، والتي تبلورت منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، والتي تقوم بها عبر أدواتها التي تزرعها وتنشرها حيثما وجدتْ مصالحها. لأن ذلك يتطلب تأليف كتاب بذلك، وإنما سأحصُر مقالي هذا بما تقوم به أمريكا في أفغانستان هذه الأيام، وحتى نفهم ما يجري الآن في أفغانستان، فعلينا الرجوع إلى الوراء قليلاً وتحديداً منذ عام 1979 إبان ذروة الحرب الباردة، بينها وبين الاتحاد السوفيتي، عندما قام الأخير باجتياح أفغانستان، حيث جاءت الفرصة الأمريكية لضرب الاتحاد السوفييتي في مَقْتَل فَوجَدت ضَالّتها المنشودة في أسامة بن لادن الذي يحمل عقيدة على النقيض تماماً من العقيدة السوفياتية الشيوعية. فقامت أمريكيا باستعمال هذه الدُمية (بن لادن) وقدمت له أشكال الدعم كافة الذي مَكّنه من التصدي، ومن ثم استنزاف قوة الاتحاد السوفيتي. وفعلاً نجحت أمريكا في ذلك، فكان الدخول لأفغانستان ومن ثم حرب بن لادن له بداية نهايته، وقد ادّعى أسامة بن لادن أنه يحارب الاتحاد السوفياتي لكونه يحمل العقيدة المناهضة للإسلام، ولكونه احتل أرضاً إسلامية. وكان الأَولى بأسامة بن لادن لأنه سعي لتحرير بلاد المسلمين، أن يتوجه إلى الأرض التي نزلت بها وفيها رسالة الإسلام وباقي الأديان خاصة فلسطين، والتي فيها المسجد الأقصى المُحْتل أصلاً من الصهيونية، ولكنّ الدعم المقدم له من أمريكا مشروط بالتوجه إلى أفغانستان وليس إلى منطقة أخرى. لذلك قام المدعو بن لادن بالدور المرسوم له وبالتالي نجحت أمريكيا وعن طريق بن لادن بتحقيق أهداف عدة:
1. تحطيم أو على الأقل تحجيم القوة السوفياتية، ومن ثم تحديد وحصر النفوذ السوفياتي بعيداً عن المصالح الأمريكية وخاصة المنطقة العربية المدعومة من المنظومة الاشتراكية التي وقفت إلى جانب الأمة العربية، وخاصة مصر بقيادة جمال عبد الناصر عام 1956 الداعم في حينه للثورة الجزائرية ضد فرنسا.
2. تحطيم حركات التحرير المُنتشرَة في العالم وخاصة حركة التحرر العربي التي أخذت تنهض رُويداً رُويداً منطلقة من العراق بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي منذ أن أخذ يطل برأسه وقت ثورته المجيدة التي انطلقت بتاريخ 17 إلى 30 تموز من عام 1968م، هذه الحركة العربية كانت تتلقى، -ولو في الحد الأدنى- الدعم المعنوي من الاتحاد السوفياتي والذي بسقوطه تم احتلال العراق، مع أننا كنا نختلف مع السوفييت لتصدير لأيديولوجيته في قوالب جامدة.
3. حماية أمن دولة الاحتلال الإسرائيلي ومن دون أن يكون هناك من يستطيع أن يقول لا لأمريكا وذلك بعد أن تم إسقاط الاتحاد السوفييتي، ومن ثم تحطيم الحركات والدول التي تدور في فلكه المناهضة لدولة الاحتلال.
إلى أن أتى إلى سدة الحكم في أمريكا المدعو جورج بوش الابن وكعادة أي زعيم أمريكي أراد بوش ألاّ يخرج من البيت الأبيض دون أن يترك بصمته في مجرى التاريخ الأمريكي لِيُتَوج مرحلة القيادة الأمريكية للعالم بدون منازع فوجد ضالته في المدعو أسامة بن لادن باستبداله بِمَمْلوكِه طائر الهُدْهُد حامد كرزاي. الآن المشهد يتكرر في أفغانستان، ولكنّ الغريب أن بعض الكتّاب والمحللين السياسيين يكبّر ويهلّل على أساس أن أمريكا ذاقت ويلات الهزيمة في أفغانستان، وهذا غير صحيح. فأمريكا لَمْ تُهزم في أفغانستان وإنما سَلّمَت السلطة لنسخة من بن لادن، لماذا؟
1. جو بايدن بحاجة أن يلمع صورة أمريكيا أمام العالم خاصة بعد الذي حصل في عهد ترامب، وأن يقود العالم من خلال أدواته وجماعته وهو جالس في البيت الأبيض في إشارة إلى العَظَمة الأمريكية.
2. أمريكا بطبيعة الحال لها مصالح وأصدقاء وبذات الوقت لها أعداء، وهي بحاجة إلى حماية مصالحها ومساندة أصدقائها وبذات الوقت محاربة أعدائها. أما مصلحتها الاستراتيجية العالمية فهي لا شك الولاية الأمريكية ومستعمرتها رقم (51) والتي تسمى في القانون الدولي باسم إسرائيل، وقد قامت أمريكا بتأمين هذه المصلحة عبر ما عملته في الوطن العربي وخاصة الجبهة الشمالية لإسرائيل، سوريا.
3. في السياسة الأمريكية وفي السياسة بشكل عام هناك مبدأ يدل على السياسة والإدارة الحاكمة الناجحة وهو النصر الحاسم والسريع بدون خسائر، فمثلاً مقتل (2400) جندي أمريكي خلال عشرين عاماً في حرب أفغانستان، رقم لا يذكر ليس فقط في هوامش المؤلفات بل حتى في هوامش المذكرات، ولكن في نظر إدارة جو بايدن مقتل جندي أمريكي واحد هو كارثة وسوء إدارة مع وجود البديل.
4. أمريكا الآن في صراع ولو بالإعلام مع الصين، ولا شك أن الصين هي المنافس الأقوى لأمريكا وعلى مستوى العالم من الناحية الاقتصادية على الأقل، وهي الآن عدوها الرئيسي، وهي من وجهة النظر الأمريكية دولة آسيوية ومن دول العالم الثالث في حين أنها عضو دائم في مجلس الأمن الدولي وتملك حق النقض الفيتو وهي التي حالت دون أن يقوم الرئيس الأمريكي أوباما بتوجيه ضربة إلى سوريا. من هذا المنطلق تريد أمريكا تحجيم هذا النمر الآسيوي عبر زرع جسم مجاور لهذا النمر يقوم باستنزاف قوته.
تصور هذا المشهد في عام 1979 حركة طالبان وأسامة بن لادن يحاربان الشيوعية السوفياتية في أفغانستان، في عام 2021 حركة طالبان ونسخة من بن لادن سيحاربان الشيوعية الصينية من أفغانستان وفي الحالتين المُحارِب أمريكيا.
خلاصته: لا أستبعد خلال أسابيع أن تقوم حركة طالبان بقصف بكين بصواريخ بعيدة المدى.

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى