أقلام واراءزوايا

رسالة عربية من قمتى بغداد والقاهرة .. بقلم :أسامة سرايا 

أمد/ أيام قليلة فصلت، فى نهاية أغسطس وأوائل سبتمبر، بين قمتين صيفيتين ملهمتين لنا، نحن العرب، الأولى عُقدت فى بغداد، وضمت ٨ دول، ٥ عربية، واثنتان إقليميتان (تركيا وإيران)، وفرنسا الأوروبية، والثانية فى القاهرة، وكانت حول قضية فلسطين، التى لا تغيب عن الضمير والوجدان، ليس فقط العربى ولكن العالمى، وكانت دولتا مصر والأردن حاضرتين فى القمتين، أو متوسط حسابى لهما فى القضيتين، اللتين تشغلانا جميعا.

القمتان لا تشكلان مفاجأة أبدا، ولكنهما تحضيرات مهمة، أو جاهزة، يجب ألا تتوقف، وتظل مستمرة، لأن عقولنا لن تكون قاصرة حتى نتصور أن المشكلات المزمنة، والمعقدة، تحلها القمم المتتابعة، لكن القمتين ترسلان ما نسميه الرهانات القادمة, ورؤانا المتغيرة، وأن قضايانا المصيرية لم تعد فى ثلاجة، أو فى أوضاع رتيبة، رهنا للانتظار، أو فى غرف الأرشيف، أو تُركت فى أيدٍ خارجية تحركها، وتصنع التطورات، وتخبرنا بما حدث، وكأننا مفعول به دوما غير مؤثر فى مساراتها.

فى قضية فلسطين (القمة الثانية) كانت تطورات جديدة تحدث على الأرض، ويجب أن نلاحقها، فالقضية التى ولُدت فى مهد القرن العشرين، وكبرت، وصغرت، بين الصمت، والصخب، والحلول الكبيرة، والأحداث الصغيرة، ما بين أوسلو، وصفقة القرن، فى السنوات الأخيرة، وما بين التهدئة، والمصالحة- باستمرار هناك متغير جديد بها: حكومة فى إسرائيل، وتطورات متلاحقة فى الولايات المتحدة الأمريكية، وتغيرات فى الخرائط السياسية، والقوى العالمية، التى ترسم السلام، والمصالح، وتصيغها، والتوازنات، والتحالفات، فإسرائيل طوت حقبة نيتانياهو، وأمريكا طوت حقبة ترامب، وصفقة كوشنر، المعروفة بـ «صفقة القرن»، وهناك ولادة جديدة، أو تطورات مختلفة، يجب أن يكون الفلسطينيون جاهزين لها، حيث التقت مصر وفلسطين والأردن ليكونوا جاهزين، وحاضرين لمتغير، لا ينتظرونه، بل يحاولون صناعته، ودفعه للأمام.

إن القمة لم تكن للتنسيق فقط، فهناك اتفاق حول مبدأ حل الدولتين، لكن الأهم أن هناك اتفاقا مفصلا للخطوط الرئيسية، وإطارا تفاوضيا للمرحلة المقبلة، التى يكون فيها دور كبير لمصر، والأردن، كشريكين إقليميين إستراتيجيين، وسيحدث هذا إن بقيت إسرائيل تعمل بتوجيهات أمريكية، ولم تقدم على تفجير المنطقة، كعادتها، لتتهرب من أى استحقاق تفاوضى يُبنى على سلام دائم، وشامل، وعلى أساس قيام دولة فلسطينية مستقلة.

لقد جاءت القمة لكى تعيد تأكيد جرس الإنذار فى أحداث العدوان على غزة، وقد فَهِم الجميع الدور المصرى، الذى حرك الأطراف الدولية، والأمريكية، وأعاد التركيز على الملفات الفلسطينية. ومركزية القضية الفلسطينية كانت المحور الأساسى للقمة، وأكدت محورية الدور المصرى، والأردنى، ورفضت الإجراءات الإسرائيلية اللاشرعية، التى تقوض حل الدولتين، لكن تعنينا جدا عملية المتابعة، ودورية القمم الفلسطينية- المصرية- الأردنية، وهذا يعنى أنها قضية حية، ومتجددة، وأن هناك من يعتنى بالملف الفلسطينى، ويدفعه إلى الأمام، باستمرار، على كل الأصعدة الإقليمية، والداخلية، إنها رسالة مصرية قوية على فعالية الوجود..

أما قمة بغداد، فهى من القمم النوعية، التى لا يمكن أن تغيب عن الذهن العربى على مدى تاريخه، فقد جاءت بعد تحضيرات مهمة، لعل أهمها المتابعة بين(مصر والأردن والعراق)، وهو ما عرف بمحور التعاون العربى الشامل الجديد. لقد أعادت القمة بعث العراق، من جديد، كقوة إقليمية، يعتمد عليها العرب فى المستقبل، وانضمت إلى هذا التحالف (السعودية والكويت والإمارات)، ولم تكن إيران، بالتأكيد، سعيدة أن ترى العراق يحتل مكانته المركزية فى إقليمه، وفى عالمه،ونحن لسنا من السذاجة أن ندرك أن إيران سوف تسلم بنفوذها الكبير فى العراق لمصلحة استقلاله، وأن يكون العراق بعيدا عن ساحات الصراع، وأن يكون ممرا للتعاون وليس التنسيق. إن القمة تُحيى رئيس وزراء العراق مصطفى الكاظمى، الذى استطاع، رغم الضغوط الداخلية، ورغم التحديات التى يواجهها، والصعوبات الجمة، أن يخرج بالعراق، كما استطاع أن يعطى رسالة قوية من بغداد، قلب العروبة، بقوة بلاده، ومستقبلها، ولم تستطع إيران أن تقاطع القمة، أو تقبلها، ونعتقد أن الكاظمى أمامه أشهر صعبة لإثبات قوة بلاده، واستقلالها عن واشنطن، وعن طهران، وأنه يحظى بتأييد مصر، والأردن، ودول الخليج، بل كل العرب.

لقد أثبتت القمة قدرة العرب على العمل السياسى، فى ظل مناورات إقليمية حادة، وفى ظل احتدام الصراعات، والضغوط الداخلية الإقليمية، التى مازالت تشمل كل إقليمنا العربى، فمازالت سوريا تحت الحصار، والحروب المحتدمة، ومازال لبنان تحت سيطرة حزب الله الإيرانى، الذى احتل لبنان، وجعله تابعا لولاية الفقيه، بلا حكومة، وبلا مستقبل، والحروب الحوثية – الإيرانية، كذلك، محتدمة فى اليمن، والتدخلات الإقليمية لم تتوقف، لكن العرب قادرون على الفعل، ونشيد هنا بالقدرة المصرية على قيادة هذا التحول الإقليمى، الذى يثبت قدرتنا على الفعل، والتأثير فى مجريات التحولات الصعبة، التى تكتنف البلاد العربية

أعتقد أن القمة فى بغداد حملت مسميات كثيرة، منها قمة المتناقضات، والاستثنائية، بعد ١٨ عاما على الاحتلال الأمريكى، الذى أبعد البلاد عن محيطها التاريخى، والإقليمى، وإذا كان لنا أن نقول شيئا أمام هذه التطورات، فإننا نشيد بالمشاركة المصرية، وأنها تعبير عن العمق الإستراتيجى، الذى ينتهجه الرئيس عبدالفتاح السيسى لمواجهة المواقف الصعبة، والتحديات التى تمر بالإقليم، والتى بدأها بتقوية ليبيا، والدفاع عن السودان، وامتدت الآن إلى الشأن العراقى، ومنطقة الشام، وأنها أداة لتثبيت الهوية العربية دبلوماسيا، وتعزيز الشراكات الاقتصادية، والسياسية، وأنها كلها بدايات للعودة العربية القوية لتلجيم التدخلات الإقليمية، سواء من إسرائيل، أو إيران، أو تركيا، وأن يعرف الجميع أن هناك تيارا عربيا قويا سوف يقف سندا لكل الدول العربية

عن الأهرام

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى