ثقافة وادبزوايا

“فلسطين من الأعلى” في “القطان”: استعادة فنّية لمواد أرشيفية نادرة

كتب يوسف الشايب:”ستة معارض في معرض”.. لعل هذا الوصف يكاد يكون الأقرب إلى “فلسطين من الأعلى”، الذي انطلق في قاعة مؤسسة عبد المحسن القطان بمدينة رام الله، أمس، وبتنظيم منها، بحيث يحوي مواد تاريخية وأرشيفية، وأعمالاً فنية ومُعاصرة.
يتوزع المعرض على ستة أقسام، أولها حول المواد الأرشيفية التي تم جمعها وكانت بمثابة اللبنة الأساسية للمعرض، والثاني حول الرحلات والآثار، فيما كان الثالث عن القدس وتمثلاتها من الأعلى، والرابع حول الموانئ والمعابر ومحطات القطارات والمطار، بينما يتعلق الخامس بالتخطيط الجغرافي والميداني لفلسطين، فيما ينهي الزائر جولته بقسم حول تواجد الجيش الأسترالي في فلسطين، والذي عادة ما ارتبط بالحروب، وخاصة الحربين العالميتين الأولى والثانية.
من الملاحظ أن كل قسم يتوزع على محاور عدّة بحيث يشكل كل منها معرضاً فرعياً، فتحت عنوان “عيون في السماء: سرب من القوات الجوية الألمانية” نجد الخرائط الناطقة، وغوستاف دالمان وإثنوغرافية فلسطين، والتلصص على الماضي، وتحت عنوان “الرحلات والشهوات والرغبات” ثمة محاور كثير بينها: رحلة الشرق للمنطاد غراف، وفلسطين مصيدة السياح، وعلم الآثار بين السرقة والاستغلال، وغيرها.
وفي قسم “تمثيل القدس”، ثمة خرائط وصور في مطلع العصر الحديث، ومن مذكرات واصف جوهرية، والقدس وطن وروح، والقدس في الخرائط، وهيمنة عالم ديزني على رؤية المدينة المقدسة، والقدس الاستشراقية، وفي عيون صوفي حلبي، ومشاهد فيديو للأخوين لوميير.
أما في قسم “مرافئ الذاكرة”، فنجد شيئاً عن سكة حيفا – درعا، وآخر عن خط سكة حديد الحجاز في فلسطين، وغيرها، يليها قسم “المشهد والسلطة” حيث الحديث البصري عن أنماط المستعمرات الإسرائيلية، ومعابر القادمين الجدد، والكيبوتس والنموذج الدخيل، والحقيقة الأرضية: انتزاع الملكية والعودة في قرية العراقيب، وغيرها من المحاور.
أما الفن الأسترالي والخرائط الجوية لفلسطين، والصور المركبة للفنان فرانك هيرلي، والرسم من الأعلى، وكرنفال للركمجة وإنقاذ الأرواح في غزة، فنجده في القسم السادس والأخير “كرنفالات أسترالية”.
ويهدف المعرض بالأساس إلى تسليط الضوء على الطريقة والتقنيات والأدوات التي تم عبرها ومن خلالها مسح فلسطين وتوثيقها بصرياً عبر الفوتوغرافيا من السماء، بما يُسهم في إعادة التفكير في طريقة التعاطي الاستعماري مع فلسطين، علاوة على إتاحة الفرصة لكل من يزور المعرض للتعرف الى هذه المصادر والطرائق في توثيق فلسطين والجغرافيا الفلسطينية، وتفكيكها عبر منظور الإنسان الفلسطيني في زمننا هذا، بعيداً عن النظرة الاستعمارية، وبما يشكل انحيازاً للتوجه الإنساني في مواجهة التوجه الكولونيالي.
ولفت مدير البرنامج العام في مؤسسة عبد المحسن القطان الفنان يزيد عناني، والقيّم المُشارك للمعرض، إلى أن القائمين عليه لم ينحازوا إلى تجسيد المواد داخله بحيث تظهر من الأعلى فحسب، باعتبار أن التصوير من الأعلى تعبير عن نظرة كولونيالية استعمارية، لذا تم تفكيك محتوى هذا الأرشيف البصري بما يعكس نظرة سكان الأرض الأصليين في أزمان عدّة، أي من خلال تعاطينا كفلسطينيين معها، بما يُسهل تفكيك تلك المضامين التي حاول من خلالها المستعمرون وأصحاب النظرة الاستعمارية تصوير فلسطين، بما يؤهلنا لالتقاط المنظار، وإعادة بعث الصور بعيوننا نحن.
وكشف عناني عن أن التحضيرات للمعرض استغرقت ما يزيد على العامين، وكانت نقطة الانطلاق في بحث معمّق حول الصور الفوتوغرافية التي كان يتم التقاطها لفلسطين من الطائرات، ومن هنا اتجهنا إلى مصادر عدّة من بينها: الأرشيف البافاري الألماني، وأرشيف “كيو” البريطاني، والأرشيف الأسترالي، وغيرها، بحيث تم جمع مواد كثيرة ومهمة تتوزع ما بين صور جوية وخرائط وبعض الفيديوهات وغيرها.
وقبل المعرض، قامت مؤسسة عبد المحسن القطان باستكتاب مجموعة من الباحثين، عبر مؤسسة الدراسات الفلسطينية، كما تم إصدار عددين من دورية “حوليات القدس” المتخصصة في جزء منها بهذا الجانب.
وأشار عناني إلى أن جلّ الصور التي أخذت لفلسطين من الأعلى كانت لدواعٍ عسكرية، وتختص بالموانئ، ومحطات القطار، والمطارات، والآثار، والهجرات الصهيونية والكيبوتسات والمستعمرات الأولى لليهود على أرض فلسطين، فيما كان للقدس حضورها الطاغي في هذه الصور والمواد الأرشيفية.
جدير بالإشارة إلى أن المعرض يحوي أفلاما وثائقية قصيرة وطويلة، من بينها: اصطياد الواقع في فلسطين لبازوليني، وبازوليني في فلسطين لإيرين أنسطاس ورينيه غابري، وفي ذلك اليوم لمهند يعقوبي، ومطار اللد لكمال الجعفري، وداخل غرفة الإنتاج لخالد جرار، وخمس دقائق عن بيتي لناهد عواد، وطيف قطار البيرة لرائد الحلو، وعمواس لديمة أبو غوش، وموال فلسطيني لنداء سنقرط، وغيرها.

عن صحيفة الايام

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى