الرئيسيةزواياأقلام واراءتسليح الثوار السوريين يصب الوقود على النار ... بقلم :السير أندرو غرين

تسليح الثوار السوريين يصب الوقود على النار … بقلم :السير أندرو غرين

197818

تهدد التقارير الواردة عن استخدام الأسلحة الكيميائية في سورية بدفعنا إلى تدخل كارثي آخر في الشرق الأوسط. ولذلك، ينبغي على قادتنا السياسيين أن يقفوا، ويهدأوا ويفكروا ملياً في عواقب أي شكل من أشكال التدخل العسكري في سورية. كما يهدد “تقديم المساعدة إلى المعارضة” الذي يبدو غير ضار، بأن يكون منحدراً زلقاً يمكن أن يجرنا إلى مستنقع الفوضى التي تتطور في سورية.
في الوقت الحاضر، ما يزال يسود بعض الحذر حول تفسير الأدلة –وهو ما ينبغي أن يحدث بعد فضيحة إساءة استخدام المعلومات الاستخباراتية حول أسلحة الدمار الشامل العراقية. ويدور الحديث عن “أدلة محدودة، وإنما متزايدة”، وبـ “درجات متفاوتة من الثقة” وعن حجم صغير من استخدام أسلحة كيميائية. كما أنه لا يتوفر دليل واضح حتى عن الجانب المسؤول عن استخدام هذه الأسلحة، إن وجد أصلاً.
يمكننا، على ما أظن، أن نقوم بقصف بعض المنشآت الكيميائية، لكن ذلك سوف يتطلب أولاً توجيه ضربة هائلة لتحييد الدفاعات الجوية السورية. ولن تكون هذه مهمة سهلة على الاطلاق، لأن لدى السوريين قدرة هائلة في الدفاع الجوي، والتي زودهم بها الروس، لمواجهة القوة الجوية الإسرائيلية. ومما لا شك فيه أن الأميركيين سينجحون ببعض الكلف العسكرية وبكلفة سياسية ضخمة. ثمة القليلون في الشرق الأوسط ممن يهتمون لشأن الأسد، لكن ليس هناك أيضاً أي شهية لسقوط مزيد من القنابل الأميركية على أهداف عربية. ولحسن الحظ، فقد الجمهور الأميركي شهيته للحروب في الشرق الأوسط.
إذن، هل سنتدخل نحن “لتأمين” مواقع التخزين؟ يقال إن هناك خطط طوارئ موجودة فعلاً، وإن القوات الخاصة كانت تعد العدة للعملية. لكن المهمة تبقى كابوساً. هناك حرفياً عشرات المواقع. فهل سيتم الاستيلاء عليها والاحتفاظ بها لأيام بواسطة جيوب من الجنود؟ هل يمكن أن يقوموا بتدمير هذه الأسلحة بأمان في فترة قصيرة من الزمن؟ كيف سيستطيعون تمييز الصديق من العدو؟ هل نفعل ذلك بشكل مستقل عن الإسرائيليين، أم أنه سُينظرإلينا في جميع أنحاء المنطقة على أننا حلفاؤهم العسكريون؟
من الواضح أن أي عمل من هذا النوع يجب أن يكون ملاذاً أخيراً بالمطلق، والذي يتم النظر فيه فقط إذا أصبحت هذه الأسلحة على وشك السقوط في أيدي الإرهابيين المحتملين.
دعونا نفترض، على الأقل في الوقت الحاضر، أن قادتنا السياسيين يستبعدون أي تدخل عسكري مباشر. فما الذي يحاولون تحقيقه في الواقع؟
لفترة طويلة، كان الحديث يدور عن “إسقاط الأسد”، كما لو انه كان نوعاً من الديكتاتور المصبوب في قالب صدام حسين. وقد التقيت بكل من بشار الأسد ووالده حافظ الذي استلم منه منصب الرئيس. كان والده مرعباً -لا يرحم أبداً ومتآمراً حتى أطراف أصابعه. كان موظفوه يتململون بعصبية في وجوده. وكان في الحقيقة مثل صدام –سوى أن قسوته لم تكن عشوائية. كانت محسوبة، وموجهة تستهدف كل من يتجرأ على تجاوزه.
لكن الأسد الشاب، بشار، ليس شيئاً من هذا القبيل. ويتحدث أولئك الذين عرفوه جيداً عندما كان يتدريب كطبيب عيون في بريطانيا عن شاب مهني لطيف، وهادئ. وهناك في دمشق، بعد وفاة والده، لم يكن أكثر بكثير من مجرد رئيس صوري. ولدى اللقاء به، كان، قبل كل هذه المتاعب، عاقلاً، منطقياً وكيّساً.
وهكذا، فإن النتيجة الوحيدة لـ”إسقاط الأسد” ستكون أن يحل محله أحد الجنرالات الذين لا يرحمون، والذين أبقوا السوريين في قبضتهم لمدة 40 عاماً.
إذا كانت قد تمت المبالغة في تقدير بشار فوق الحد، فقد تم التقليل من شأن عشيرته من العلويين بشكل خطير. إنهم عشيرة جبلية، طائفة غامضة مرتبطة بشكل فضفاض بالشيعة، والذين تبلغ نسبتهم نحو 10 % من أصل 22 مليون نسمة في سورية. لكنهم ظلوا يشكلون، مع ذلك، العمود الفقري للجيش السوري منذ العصور الاستعمارية الفرنسية قبل الحرب العالمية الثانية. وعلى مدى السنوات الأربعين الماضية، كانوا يعززون قبضتهم على البلاد، وكانوا يقمعون بعنف المعارضة التي تقودها جماعة الإخوان المسلمين. ومع هذا التاريخ وراءهم، فإنهم ببساطة لا يجرؤون على فقدان السلطة. وحتى لو كانوا يريدون ذلك، فإنهم يعتقدون بأنه سيتم ذبحهم هم وعائلاتهم. وبعد الأحداث التي جرت في العامين الماضيين، يحتمل كثيراً أن يكونوا محقين.
ولم يحتفظ العلويون بالسلطة وحسب. فهناك الأقليات العديدة -المسيحيون والدروز والأكراد وغيرهم- التي فضلت حكمهم على حكم الأغلبية السنية. وفي الواقع، فضل عدد لا بأس به من السنة فعلياً نظاماً علمانياً على بديل ربما تديره جماعة الإخوان المسلمين.
بالعيش في سورية، يدرك المرء تماماً أنها دولة بوليسية قاسية. كان السوريون الوحيدون الذين يمكن أن يتحدثوا إلى سفير أجنبي هم أولئك الذين يمتلكون رخصة للقيام بذلك فقط. وبعد زيارة لحلب، مثلاً، سوف يتعرض كل الذين التقيت بهم للاستجواب بعد ذلك على يد جهة من أجهزة الشرطة السرية الست التي تريد أن تعرف ما الذي جرت مناقشته. وقد وصل السوريون بهذا وغيره إلى الثورة، وهم يعلمون أن البديل سيكون إما ديكتاتورية إسلامية، أو الوقوع في صراع طائفي، إن لم نقل فتنة شاملة.
هذه هي الخلفية الأساسية لأي قرارات ربما يتخذها الغرب الآن في الأزمة الحالية. لكنها تبقى، للأسف، غير مفهومة. وتتحدث الحكومة البريطانية عن الأحداث الأخيرة باعتبارها خطاً أحمر بالنسبة للمجتمع الدولي حتى يقوم ببذل المزيد من الجهد لدعم أولئك المعارضين الذين “يريدون تحقيق نتيجة جيدة”. وهم يريدون تدريب وتسليح هؤلاء المعارضين من أجل زيادة الضغط على النظام وجلبه إلى نهايته.
لكن ذلك، للأسف، فهم خاطئ وخطير للحالة. سوف يقاتل العلويون وأنصارهم حتى النهاية المريرة. ومع الدعم العسكري القادم من روسيا وإيران، بالإضافة إلى الدعم السياسي القادم من الصين (وكلهم لأسبابهم الوجيهة الخاصة) فإن النظام يمكن أن يستمر فترة أخرى من الوقت. وإذا ما سقط في نهاية المطاف، فسوف تنحدر سورية نحو الفوضى. وهذا هو السبب في أن الكثير منا ممن يعرفون سورية عارضوا بشدة، ومنذ البداية، سياسة تقوم على “تغيير النظام”، مهما كان مظهرها وذرائعها.
سوف تتكثف الفوضى بسبب الانقسامات الطائفية في سورية، وبحقيقة أن هذه المجتمعات تعتنق عقيدة الانتقام. ولأسباب شخصية وتقليدية، سوف يصمم أولئك الذين عانوا على الانتقام من الجناة أو أسرهم.
وفي نهاية المطاف، سوف تصل واحدة من العديد من جماعات المعارضة إلى القمة. والمرشح الأقوى هو جبهة النصرة، المجموعة الجهادية التي تقول إنها متحالفة مع تنظيم القاعدة، والتي كان مقاتلوها هم الأكثر شجاعة وفعالية من بين مقاتلي المعارضة. كما أن لديهم ميزة أخرى حاسمة. إنهم هم وقادتهم سريون، بينما منافسوهم معروفون جيداً. وأنا لن أستبعد بالتأكيد أن يقوموا بتخويف، أو إذا لزم الأمر، قتل خصومهم أو أي زعماء منافسين يتحدونهم.
هذا هو السبب في أنني على ثقة بأن سياستنا تشير إلى الاتجاه الخاطئ. إن توريد الأسلحة إلى المعارضة سيكون ببساطة سكباً للبنزين على النار -وبصرف النظر تماما عن خطر وقوع الأسلحة في الأيدي الخطأ. إن انهيار سورية سيكون كارثة، ليس على ذلك البلد فقط، وإنما على لبنان وربما العراق، بل وعلى نطاق أوسع في الحقيقة.
بينما ننظر من فوق هذه الهاوية، يجب علينا أن نتحلى بالشجاعة لاتخاذ خطوة باتجاه العودة. وفي الواقع، ينبغي أن نتخلى عن سياسة تسليح المعارضة. وبدلاً من ذلك، ينبغي أن ندخل في حوار جاد مع الروس، ومع الإيرانيين إذا لزم الأمر، والذي يستهدف الحد من تدفق الأسلحة لكلا الجانبين. وفقط عندما يدرك الطرفان أن النصر العسكري لم يعد ممكناً، سيمكننا أن نأمل بمشاهدة بدايات عملية سياسية. إن الأمل البعيد يبقى أفضل من الكارثة الوشيكة.

(ذا تلغراف) ترجمة: علاء الدين أبو زينة- الغد الاردنية.

*كان السير أندروغرين سفيراً لبريطانيا في سورية في الأعوام 1991-1993.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
Arming the Syrian rebels is pouring petrolon the fire

ala.zeineh@alghad.jo

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب