الرئيسيةزواياأقلام واراءأميركا.. العدو في الداخل .... إيان بوروما

أميركا.. العدو في الداخل …. إيان بوروما

198475

نيويورك– إذا لم تتكشف معلومات جديدة غير متوقعة، فإن من غير المرجح أن نعرف الكثير عن الجريمة التي ارتكبها الشقيقان تسارنييف، الشهيران بلقب “مفجرا بوسطن”. ربما نستطيع أن نتتبع تاريخ أسرتهما إلى داغستان التي مزقها الصراع، أو نعيد فحص الجاذبية المهلكة للتطرف الإسلامي. لكنني لا أظن أن هذا قد سيقودنا إلى أي حقائق جديدة كاشفة.
الواقع أن هيئة الشقيق الأكبر تيمورلنك، الذي قتل في معركة بالأسلحة النارية مع الشرطة، تبدو متناسبة تماماً مع وصف الشخصية التي سماها الكاتب الألماني هانز ماجنوس إنزينسبرجر “الخاسر المتطرف”. أما الشقيق الأصغر جوهر، الذي يتعافى الآن من إصابته بأعيرة نارية في مستشفى بوسطن في حين ينتظر المحاكمة، فيبدو كتابع مثير للشفقة، والذي يتصرف انطلاقاً من المحبة الأخوية وليس استناداً إلى قناعات راسخة.
الخاسر المتطرف شاب يشعر بأنه ضحية عالم عديم الشعور وغير مكترث. وهذا الشعور المرير بالرفض الذي يستشعره العديد من الشباب المحتارين، يتحول لدى البعض إلى رغبة عارمة في الانتقام. ومثله مثل شمشون في معبد غزة، فإنه يرغب في تدمير نفسه علناً في عمل عنيف، وقتل أكبر عدد ممكن من الناس معه.
قد يستفز أي شيء هذا السلوك القاتل: رفض الحبيب، أو رفض طلب وظيفة. وفي حالة تيمورلنك، الملاكم الموهوب، فإنه حُرِم من الفرصة ليصبح بطلاً لأنه لم يكن قد أصبح بعد مواطناً أميركيا. وقدم له الإسلام السياسي المتطرف سبباً جاهزاً يموت من أجله.
لكن الأمر الأكثر إثارة للاهتمام، وعلى نحو أكثر إثارة للقلق، كان ردة الفعل في الولايات المتحدة على تفجيرات بوسطن التي أسفرت عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 264 آخرين بجراح. فحتى بعد مقتل تيمورلنك، ورغم أن جوهر المصاب بالفعل كان الهارب الوحيد، فإن السلطات في بوسطن قررت إغلاق المدينة بالكامل. وقد توقفت وسائل النقل العامة، وتوقفت القطارات من المدينة وإليها، وأغلقت المحال والشركات، وطُلِب من المواطنين البقاء في منازلهم. وتحولت بوسطن إلى أن تم العثور على المفجر الناجي إلى مدينة أشباح.
إذا كان بوسع شابين مضطربين يحملان قنابل مصنعة منزلياً باستخدام أسمدة وأواني طهي بالضغط أن يحدثا كل هذا التأثير على مدينة أميركية كبرى، فإن بوسع المرء أن يتخيل كم الإغراء الذي ينطوي عليه مثالهما في نظر خاسرين متطرفين آخرين، ناهيك عن الجماعات المتطرفة. فقد أظهر ذلك الحدث مدى ضعف أي مدينة حديثة عندما يفقد قادتها أعصابهم ورباطة جأشهم.
كان رد فعل السلطات المبالغ فيه -وكثير من الصحف- أكثر غرابة لأنه حدث بينما كان مجلس الشيوخ الأميركي يصوت بالرفض على مشروع قانون كان ليزيد من صعوبة شراء القتلة المعروفين والمختلين عقلياً أسلحة نارية، أو حصول الأفراد العاديين على أسلحة لا تستخدم إلا في الحروب.
ويبدو الأمر وكأنه برغم تسامح الأميركيين مع مجتمع يُقتَل فيه أطفال المدارس وغيرهم من الأبرياء بشكل منتظم على أيدي رجال مختلين يحملون أسلحة اشتروها في السوق المفتوحة، فإنهم ينفجرون في هستيريا جماعية عندما تُرتَكَب جرائم القتل بواسطة أشخاص يطلق عليهم وصف “إرهابيين”.
وربما يأتي الرد بهذه الطريقة على عكس اعتاد عليه الناس. فقد اعتاد الأسبان على أعمال العنف من قِبَل الانفصاليين في إقليم الباسك، حتى إن مقتل 191 شخصا في مدريد على يد متطرفين إسلاميين في العام 2004 قوبل بقدر ملحوظ من ضبط النفس. وعندما قُتِل 52 شخصاً في تفجير انتحاري في مترو أنفاق لندن في العام التالي، تفاعل البريطانيون أيضاً مع الحدث بهدوء نسبي، بعد أن عاشوا سنوات من العنف الإرهابي الأيرلندي في سبعينيات القرن العشرين. وكانوا مثل الاسبان معتادين على ذلك. لكن الأميركيين غير معتادين على هذه الأمور بالرغم من هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001.
والأسوأ من ذلك أن عدداً من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين، بمن في ذلك شخصيات بارزة مثل جون ماكين، دعوا إلى حرمان جوهر تسارنييف، المواطن الأميركي، من حقوقه القانونية ووضعه أمام محكمة عسكرية بوصفه “مقاتلاً عدواً”، وكأن طالب الجامعة ذا التسعة عشر ربيعاً كان في حرب ضد أميركا.
لقد شكل الخوف المبالغ فيه من أعداء خارجيين دائماً جزءاً من المشهد السياسي الأميركي. وكانت “أمة المهاجرين” تعد تقليدياً ملاذاً من المخاطر. ولذلك، لا ينبغي للعالم الخارجي الشرير أن يكون قادراً على لمس أرض الأحرار. وعندما فعل -في بيرل هاربور، وفي هجمات أيلول (سبتمبر) 2001- انفتحت كل أبواب الجحيم.
ربما كان هناك عامل آخر يتلخص في الحاجة إلى خلق عدو مشترك في بلد يأتي مواطنوه من ثقافات وتقاليد مختلفة عديدة. وعندما يحاصَرون بالشيوعيين أو الإسلاميين، يشعر الناس بالانتماء. كما أن الرغبة في الدفاع عن الأمة ضد الغرباء الخطرين وأعدائهم في الداخل -سواء كانوا حقيقيين أو متوهمين- تشكل رابطة قوية.
وقد تكون مثل هذه الروابط مفيدة، بل وحتى ضرورية، في أوقات الحروب. لكن سياسات الخوف تشكل خطراً على الولايات المتحدة ذاتها. إن هدف الجماعات الإرهابية السياسية مثل تنظيم القاعدة يتلخص في استدراج أعمال انتقامية وتضخيم الدعاية لقضيتها. ولن يتمكن الأفراد المنتمين إلى هذه الجماعات من تحقيق هذا الهدف بوصفهم مجرمين عاديين. أما من خلال زعمهم بأنهم جنود يخوضون حرباً ضد القوة العسكرية الأضخم على مستوى العالم، فإنهم يكتسبون التعاطف، فضلاً عن اجتذاب مجندين جدد، من بين الخاسرين المتطرفين والساخطين.
ذات يوم، شرح الرئيس السابق جورج دبليو بوش الإرهاب بوصفه تعبيراً عن الكراهية للحرية الأميركية. ولكن، عندما تكون نتيجة الإرهاب تعذيب السجناء، والمراقبة البوليسية المتزايدة، والتهديدات الرسمية للحقوق القانونية لمواطنين أميركيين -أو في حالتنا هذه، عندما تتسبب جريمة ارتكبها شابان مهاجران في إغلاق مدينة بالكامل- فإن الحكومة الأميركية تضر بذلك بحرية المواطنين الأميركيين بدرجة لا يحلم أي إرهابي بالنجاح في بلوغها على الإطلاق.

*أستاذ الديمقراطية وحقوق الإنسان والصحافة في كلية بارد، ومؤلف كتاب “ترويض الآلهة: الدين والديمقراطية في ثلاث قارات”.
*خاص بـ “الغد”، بالتعاون مع خدمة بروجيكت سنديكيت، 2013.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب