الرئيسيةزواياأقلام واراءأوباما، سورية وغطرسة الإمبريالية ... بقلم :رون جاكوبس

أوباما، سورية وغطرسة الإمبريالية … بقلم :رون جاكوبس

198474

ليس الإمبرياليون متغطرسين وحسب، وإنما هم حمقى أيضاً. وفيما تتظاهر إدارة أوباما بأنها قد تحصل على نتيجة مختلفة عن تلك التي حصلت عليها الإدارات الأميركية السابقة، تخطط الإدارة حالياً لإرسال أسلحة فتاكة للثوار السوريين. ووفق صحيفة الواشنطن بوست، فقد ظل أوباما ومستشاروه يتجهون نحو اتخاذ هذا القرار منذ شهور. وقد أصبح عذرهم للتدخل الآن هو اعتقادهم بأنه سوف يعطي لواشنطن المزيد من السيطرة على أيّ فصائل الثوار هي التي ستنتهي إليها الأسلحة. والأمل الذي يجري الإعراب عنه هو أن هذه الأسلحة سوف تبقى مع الجيش السوري الحر الذي يقوده الجنرال المنشق عن الجيش السوري، سليم ادريس. وبطبيعة الحال، وكما يعرف أي دارس للحرب، فإنه ما إن يتم إطلاق العقال لهذه المساعي، فإن الشياطين التي ستعمل خلالها ستكون ذات حياة تحددها هي وحدها. وبكلمات أخرى، إذا وصلت الأسلحة إلى سورية، فإنه لا يمكن معرفة الجهة التي ستؤول إليها، بل ان السوريين أنفسهم عاجزون عن تحديد الكيفية التي ستنتهي إليها حربهم الأهلية. فهل تعتقد واشنطن جدياً بأنها تستطيع معرفة ذلك؟
توجد الكثير من الأمثلة التي تنطوي على العديد من التشابهات مع الحالة السورية، خاصة في التاريخ القريب للشرق الأوسط. رجل قوي وحزبه القومي يديران بلداً يستخدم المبادئ الاقتصادية للصناعة المملوكة للدولة والخدمات التي توفرها الحكومة. سياسياً، تحاول الحكومة الوطنية دمج الاختلافات القبلية والدينية والاثنية في أمة واحدة. ومن الطبيعي أن يتطلب هذا المسعى كمية معينة من القمع الموجه ضد المجموعات المتمردة، وعادة ما يكون ذلك مترافقاً مع نزعة تفضيلية معينة لصالح الولاءات القبلية والسياسية والدينية للقيادة. وضمن تكوينات هذا المزيج، تكون هناك تفجرات احتجاج بين الفينة والأخرى، والتي يجري إخمادها بواسطة عنف الدولة. وعادة ما يعذر المجتمع الدولي هذا العنف أو أنه يتجاهله، نظراً لأن كل الحكومات تفهم أنه يجب عليها المحافظة على امتياز العنف السياسي أو المخاطرة بفقدان السلطة والسيطرة.
الدولة التي كنت أصفها في الفقرة السابقة هي العراق في ظل حكم حزب البعث بقيادة صدام حسين. وبينما توجد فروقات معينة بين تلك الدولة وبين حكم الأسد في سورية، فإنني أعتقد بأن نقاط التشابه كافية لعقد مقارنة مبررة. وإذا ما أضاف المرء نفوذ الاقتصاد الليبرالي الجديد للعديد من العقود الماضية، فسنجد أن التشابه بين تاريخ الامتين سيتجاوز أي اختلافات مخصوصة.
مثل العديد من بلدان الشرق الاوسط، خلق نمو النزعة الليبرالية الجديدة في سورية حالة شهدت بيع الصناعة المملوكة للدولة لشركات خاصة، وخفضاً في الخدمات وحالات الدعم الأساسية، ونقصا كبيرا في دخل العديد من أفراد شعبها. ومن الطبيعي أن يربط النقص في الدخل مباشرة بالنموذج الاقتصادي الليبرالي الجديد الذي يؤمن التراكم الاجمالي للثروة في مراكز البنوك الشمالية، مع خفض مشابه في القوة الشرائية للفرد عند معظم سكان العالم. وتماما مثلما حدث في ليبيا وتونس ومصر، من بين دول أخرى حول العالم، فإن الأفراد والمجموعات الأصلية التي تميل للربح من الخصخصة التي توصي بها الليبرالية الجديدة وخطط القروض هم من أولئك الذين يشكلون أصلاً جزءاً من الأنظمة الاستبدادية في السلطة.
عادة ما ينتج عن تحويل الصناعة والخدمات من الدولة إلى أيدي القطاع الخاص في شكل قوة الربح المضافة إلى القوة التي يتمتع بها هذا القطاع أصلاً. وبكلمات أخرى، تتحول مركزية سلطة الدولة إلى مركزية القوة السياسية والثروة الخاصة، وعادة بمعدل أكبر من السابق. ويكون مكمّل هذا التحول هو المزيد من الفقر للطبقة العاملة والفلاحين، بالتوازي مع تنامي فقر شرائح الطبقات الوسطى التي لا تتمتع بصلات سياسية. وكان هذا العامل الاقتصادي هو ما دفع كل شعب مسؤول عن “الربيع العربي” إلى الثورة. وعندما تضاف إلى الرغبة الموجودة منذ أمد طويل في الحريات السياسية، فإن هذه النتيجة تكون، على أقل تقدير، كبيرة ومغيرة للتاريخ.
تلك هي الكيفية التي بدأت بها الحرب الأهلية في سورية -كاحتجاج جماهيري من أجل المطالبة بالحريات السياسية، وضد نزعة الليبرالية الجديدة. لكنها تبدو وأنها قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً في الشهور العديدة السابقة. ونظراً لأن فصائل إسلامية مختلفة ومن اتجاهات متفاوتة حملت السلاح ضد الأسد وحلفائه، فقد أصبحت طبيعة الصراع عنيفة بشكل لا يصدق. وأصبح يميل أكثر إلى أن يكون حرباً أهلية طائفية من النوع الذي مزق العراق الواقع تحت الاحتلال في منتصف العقد الماضي. وإذا نظر المرء إلى تلك الفترة في العراق بقصد التعلم، فإنه سيجد الكثير ليخشاه. وكما أوضح الصحفيون والناشطون المعادون للحرب في حينه، فقد كانت الولايات المتحدة منخرطة بفعالية في تسليح فصائل مختلفة في هذه الحرب الأهلية، وكانت تقوم أيضاً بتدريب فرق موت كان دورها يتمثل في إجهاض التهديدات المحتملة للمخططات الأميركية. وبالاضافة إلى ذلك، كانت لدى حكومات مناطقية مختلفة (بلديات) قواتها الخاصة العاملة في البلد.
ثمة سيناريو مشابه يتكشف في سورية راهناً، ولو أن اللاعبين فيه يلعبون أدواراً مختلفة قليلاً. ومع ذلك، يستطيع المرء افتراض أن النية تبقى هي نفسها: رغبة في تحديد المستقبل وفقاً لمشيئتهم.
إنها هذه الرغبة هي التي تستلهما واشنطن وتتخذها ذريعة لتدخلها المتنامي. وعلى الرغم من أي شيء يقوله الساسة والجنرالات، دعوني أكون واضحاً. إن واشنطن هي دولة إمبريالية. وهي لا تتوافر على أفضل النوايا للشعب السوري من القلب. وفي الحقيقة، عندما يتعلق الأمر بالسياسة، فإنها تستطيع أن تولي قدراً أقل من العناية بالشعب السوري، تماما مثلما اهتمت بالشعب العراقي. ولو أنها كانت تهتم، لكان الدعم الذي قدمته لعائلة الأسد على مر السنوات سيكون مشروطاً أكثر باحترام الحقوق المدنية والانسانية للشعب السوري. وبدلاً من ذلك، فإنه يمكن تلخيص احترام واشنطن الحقيقي بملاحظة أنه حتى بدء الربيع العربي، كانت غرف التعذيب في السجون السورية مكاناً مفضلاً لبرنامج تسليم السجناء الأميركي.

(كاونتربنتش) ترجمة: عبد الرحمن الحسيني الغد الاردنية .
* مؤلف رواية “كل الخاطئين، قديسون”، وهو أيضاً مؤلف “الطريقة التي هبت بها الرياح: تاريخ للطقس تحت الارض” و”تشكيل النظام القصير” و”قصة شريك التآمر”.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
Obama, Syria and the Arrogance ofImperialism

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب