قدر لي قبل فترة من الزمن أن أعطي دروسا لطلاب من جامعة القدس المفتوحة في مادة لغة انجليزية واحد واثنان في احد المعاهد القريبة من مبنى الجامعة والتي تعطي دروس تقوية لمن يريد من الطلاب ، ومن الحصة الأولى كانت المفاجأة ، فرغم وجود تفاوت في سنوات الدراسة في الجامعة بين الطلاب الذين كانوا من كلا الجنسين ورغم اختلاف تخصصاتهم ونوع الدراسة التي تلقوها من علمي او أدبي او تجاري الا أنهم اتفقوا جميعا في مستواهم في اللغة الانجليزية ، ذلك المستوى المتدني جدا والضعيف لدرجة لا يمكن تخيلها في زمن الانترنت والفيسبوك وزمن الانفتاح على العالم وثورة الاتصالات . بدأنا درسنا الأول من البداية الأولى كطلاب لم يتلقوا اللغة الانجليزية في حياتهم المدرسية او حتى لم يسمعوا بها قبل ذلك . لقد توقعت وبعد انتهاء تلك الحصة أن اسمع منهم أن لا داعي للبدء في هذا المستوى والاستمرار فيه والانتقال لمستوى الكتاب الجامعي ولكن العكس هو الذي حصل حيث كانت الحصة الثانية أصعب من الأولى لان كل الطلاب تقريبا لم يراجعوا ما أخذوه في الحصة الأولى وجاءوا دون تحضير ودون أي إشارة تدل على الفهم والاستيعاب. المهم أن الأمور سارت بناء على طلبهم جميعا بالرجوع إلى بداية اللغة الانجليزية ببطء شديد بالتلقين والحفظ دون محاولة للفهم. وهنا جاء السؤال مني باستغراب كيف وصلتم إلى مرحلة الجامعة وكيف تجاوزتم مرحلة التوجيهي لتأتي الإجابات محيرة مثيرة : أجاب احدهم إن الظروف ساعدته حيث جاءت الصدفة بأحد المراقبين له به علاقة جيدة حيث سمح له او ساعده بتبديل دفتر إجابته مع احد الطلاب الشاطرين ، وأجابت إحدى الطالبات أنها لا تعرف كيف نجحت وتجاوزت تلك المرحلة الأصعب في حياتها رغم كرهها الشديد لمادة اللغة الانجليزية ورغم الصعوبة في فهمها مهما حصل . وأجاب احدهم بعد أن رفض الحديث في البداية بأنه ادخل معه أوراق بها تلخيص للكتاب واستطاع بطريقة ما أن ينقل ما شاء الله له منها حتى يأتي بالنهاية بمعدل “على الحفة” وينجح بصعوبة . وبعد أن استمعت لهم جميعا تبين أن السبب الرئيسي في نجاحهم في التوجيهي هو النقل والغش ثم الصدفة و(الفنة) في اختيار الإجابات وبغض النظر عن الأسباب فان مستوى معظم طلابنا في مادة اللغة الانجليزية مستوى متدني جدا يجب التمحيص في أسبابه وهذا ما ينطبق على كثير من المواد الأخرى يمكن القياس عليها رغم القدرة على تصور الأسباب الحقيقية لذلك ومنها المواقف التالية :
… أستاذ يدرس عدة مواد في إحدى المدارس ولديه معهد تعليمي ومعظم طلابه ينتسبون إلى معهده ويدفعون له المطلوب منهم شهريا . لماذا … الجواب بكل ألفاظ السخرية أنهم يحتاجون إلى دروس تقوية نتيجة لضعفهم الأكاديمي في غرفة الصف ؟؟
… الإكمال فكل من يرسب في مادة يقوم بإعادتها فيما بعد ويقدم امتحان الإكمال بكتابة اسمه فقط على ورقة الإجابة … وينجح وينتقل للصف الذي يليه ؟؟
… ضعف الحافز لدى المدرسين لكثير من الأسباب منها الراتب والدرجات بمعنى أن معظمهم “زعلانين ” من الحكومة وممتعضون من واقعهم وموقعهم الوظيفي ويرفعون شعار الظلم . و في النهاية … يستحيل إرضاء جميع الناس .
… عدم متابعة الأهالي لأبنائهم وهذا ينعكس بدوره على اهتمام الكادر التعليمي.
… المناهج التي تتغير باستمرار وعدم قدرتها على مواكبة نفسية الطالب وفي نفس الوقت عدم وجود أخصائيين نفسيين يستطيعون المساعدة بالتعاون مع أهل الطالب خارج المدرسة.
… الهامش الديمقراطي الذي أعطى الحق للأهل في كثير من الحالات لحل مشاكل أبناءهم مع مدرسيهم بقانونهم الخاص ووصول الكثيرين من الكادر التعليمي للمحاكم بعد أن رفعت ضدهم قضايا الضرب والاهانة وعدم احترام الطلاب .
… المشاكل السياسية والعسكرية والوضع الاقتصادي المتدهور.
وفي ما مضى من سنوات جاءت أسئلة التوجيهي صعبة جدا بل مستحيلة في بعض الأحيان وهذا من وجهة نظر الطلاب .ورأينا جميعا المعارضة الشديدة والامتعاض من قبلهم ورأينا على شاشات التلفاز الدموع ومظاهر الانهيار وإلقاء اللوم الشديد على من وضع الأسئلة الذي اتهموه أحيانا بأنه ظالم وكافر بالوطنية والمصلحة العامة ويسعى للتدمير. كذلك ظهرت التصريحات من بعض المسئولين بأن منهاج التوجيهي سوف يتغير وهذا التغيير قد يساهم كثيرا في إرباك العملية التعليمية برمتها في حال عدم الثبات والاستقرار.
إن من الجيد وضع سياسات لرفع مستوى التعليم والثقافة للوصول لمرحلة الجامعة بمستوى تعليمي وثقافي أعلى ولكن حبذا لو كان ذلك بالتدريج وليس مرة واحدة وربط هذه التجربة بحل المشاكل الأخرى وعلى رأسها التوظيف المبني على الحاجة من جهة وعلى العلم والشهادات الأصلية من جهة أخرى لان احد أسباب هذه المستويات التعليمية هو رأي كل طلاب ذلك المعهد بأن لا فائدة من الحصول على معدل توجيهي او معدل جامعة عالي لان التقدير يكون فقط للواسطة والمحسوبية والدليل على ذلك وصول عدد موظفي السلطة إلى عدد هائل معظمهم لا حاجة حقيقية لهم والمطلوب عدد اقل من ذلك بكثير .
على الجميع المشاركة والمساعدة كي يتم تقديم مناهج عصرية تواكب التطور المتسارع لان المعادلات العالمية تتغير من يوم لآخر بمعنى انه ما المانع أن يتم تدريس اكثر من لغة أجنبية يختار الطالب اللغة التي تناسبه منها بدل الاقتصار على اللغة الانجليزية فقط ما دامت هي عقدة العقد لدى معظم الشعب الفلسطيني؟
ومن الضروري إعطاء المعلم حقه في الاحترام والتقدير وسن القوانين التي تمنع مثوله أمام المحاكم ووقوفه أمام طلابه في قفص الاتهام وتشكيل اللجان الخاصة في حل المشاكل المدرسية تعمل على منع الاحتكاك السلبي بين المعلم والطالب.
كذلك العمل على بحث الأسباب الجذرية التي تجعل طلابنا يعزفون عن الدراسة بشكل جدّي ومحاولة حل مشاكلهم وعلى رأسها تفضيلهم للانضمام للأجهزة الأمنية وحمل السلاح بدلا من العلم والتعلم .





