الرئيسيةزواياأقلام واراءمحمد الدرة وهاجس إسرائيل من الحرب الدعائية ... بقلم :راشيل شابي

محمد الدرة وهاجس إسرائيل من الحرب الدعائية … بقلم :راشيل شابي

199644

إذا كان المرء ليصدق رواية الحكومة الإسرائيلية، فسيعتقد بأن الفلسطينيين قد انخفضوا إلى الحضيض بحيث يستطيعون تزوير حالات الموت عندهم. أو انتظر قليلاً، ربما يكون الاتهام الإسرائيلي بالتزييف في حد ذاته إشارة إلى انحدار مفرط جديد مرعب. وقد خلص تقرير إسرائيلي إلى القول بأن محمد الدرة، الفتى الفلسطيني -12 عاماً- الذي صورت مقتله في غزة في العام 2000 قناة تلفازية فرنسية عامة، لم يقتل على يد الإسرائيليين، بل انه ربما يكون في الحقيقة غير ميت على الإطلاق.
وراء في وقت تلك الحادثة، بث مراسل القناة الثانية الفرنسية، تشارلز أندرلين، للعالم فيلماً قصيراً يصور محمد ووالده، وقد علقا وسط تقاطع لإطلاق نار، وهما يحاولان الاحتماء عبثاً من صليات الرصاص، وهو المشهد الذي جعل الصبي رمزاً للوحشية التي كشفتها الانتفاضة الثانية والاحتلال الإسرائيلي. والآن، تقول إسرائيل إن تلك المشاهد ذاتها تشكل دليلاً إضافياً على وجود حملة عالمية تستهدف نزع الشرعية عن إسرائيل، وأنها تحاول بالإضافة إلى ذلك استحضار تشهير بطريقة دموية.
وهكذا تبدأ بشاعة أخرى من أعراض مرض الدعاية غير المنتهية والمستوطنة لهذا الصراع. وقد ذُكر أن إسرائيل قتلت نحو 1397 طفلا فلسطينيا غير منخرطين في أعمال عدائية منذ بداية الانتفاضة الثانية، وفقاً للمنظمة الدولية غير الحكومية للدفاع عن الاطفال في فلسطين. لكن ليست هناك أي تحقيقات في حالات وفاتهم، لأن أياً منها لم تكن بمثل رمزية وفاة محمد. وكان قد تم بث تلك الصورة التي حملت ملامح المرتعب قبل ثوان من مقتله حول العالم، وأصبحت الآن مطبوعة في قلوب العديدين. وثمة طوابع تخلد ذكراه وسميت متنزهات وشوارع باسمه وملصقات تصور تلك اللحظة الرهيبة، والتي عُلقت على شاخصات في عموم أنحاء العالمين العربي والاسلامي.
ويبدو أن الهدف من هذا التحقيق الذي أمر به بنيامين نتنياهو في العام الماضي كان يرمي إلى تزويد مؤيدي اليمين في إسرائيل بالوقود فقط –مع ملاحظة أن أي تقرير يسعى للاقتراب من الحقيقة كان ينبغي أن يكلف نفسه بالتحدث إلى والد محمد أو إلى أندرلين، أو القناة التي بثت الفيلم في التلفزيون الفرنسي. بل إن هذه الوثيقة الإسرائيلية الجديدة تعرض تشويشاً ذهنيا ولا تعرض أي دليل جديد. وقد استدرجت من المعلقين الإسرائيليين في معسكر اليمين فيضا من التعليقات على الفلسطينيين الكاذبين والإعلام الاجنبي المعادي.
لكن ما يطفو على السطح واضحاً مرة أخرى، هو تجاهل أي شيء قد يسهم به الفلسطينيون في القصة. ومن الناحية الفعلية، يقول هذا التقرير للفلسطينيين: إن كلماتكم وألمكم وخسائركم تافهة وصدمات قابلة للإزالة في هذه الرواية. ولا غرابة أن يكون والد محمد، جمال الدرة، قد قال وهو بصدد الأسف على الافتقار إلى الدعم من السلطة الفلسطينية في رام الله، أو حكومة حماس في غزة: “إن ما يحزنني هو شعوري بأنني أقف وحيداً في مواجهة آلة الدعاية الإسرائيلية”.
بهذا التحقيق الأخير، تعرض حكومة إسرائيل الهاجس الذي يتلبسها وهي بصدد محاولة كسب الحرب الدعائية، وكأن هذا سيغير الأمور بطريقة سرية لكي تصبح على ما يرام. وقد وصف نتنياهو حادثة الدرة بأنها “جزء من الحملة المستمرة الكاذبة لنزع الشرعية عن إسرائيل”، لكن المشكلة هي أنه لا شيء يستطيع نزع الشرعية عن إسرائيل أكثر من احتلالها المطول وقمعها للشعب الفلسطيني -الوفيات المتصاعدة والإذلال اليومي الساحق.
وكلما طال أمد ذلك، وكلما جرت المزيد من هذه المحاولات للتعتيم أو الانحراف عن هذه الحقيقة -بدلا من وضع حد لها- فإن ذلك سيفضي إلى جعل الامور أسوأ وحسب.

(الغارديان) ترجمة: عبد الرحمن الحسيني الغد الاردنية.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
Muhammad al-Dura and Israel’s obsession with thepropaganda war

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب