
من الصعب جدّاً تقديم صورة واضحة للتعليم العالي والـ”أكاديميا” في لبنان ومدى فهمنا لاقتصاد السوق، ومن الأصعب، إذاً، الإضاءة على مستقبل الكتل الضخمة من الطاقات الشبابية التي صارت خارج الوطن. حتّى ولو كان همّنا الإطلالة على موقع العرب في المجال، أنبّه إلى أنّ معظم الدول العربية تتسابق لإنشاء الجامعات الخاصة التي غالباً ما تأتي فروعاً لجامعات أجنبية تفرضها مقتضيات العولمة. وبالمناسبة، استغرب حزيناً، بأن الجامعة الأميركية الأعرق في بيروت والمحيط (تأسّست في 3/12/1866) كانت وما زالت المساحة الراسخة الرائدة التي بذرت أساليب النقد الحرّ وأطلقت استقلالية الفكر وصيانة العقل والتفكير بهدف تكوين المعارف وبناء الشخصيات الرائدة بما يتجاوز تجميع الاختصاصات، أعلنت مؤخراً عن انتقالها لتأسيس فروع لها في قبرص بعد الانهيارات اللبنانية والعجز عن تأمين الأقساط بالدولار، وبالتزامن أعلنت الجامعة اللبنانية أيضاً (تأسست العام 1951 بعد حراك شعبي كبير وهي تضم 90 ألف طالب) الإضراب المفتوح لأن راتب “البروفيسور” خريج أرقى الجامعات العالمية فيها تدنّى إلى 173$ بما لا يكفيه للانتقال بين الأحرام الجامعية المشتتة بطول لبنان وعرضه وفي مبانٍ ومقرات هزيلة ومهملة. صحيح أن الجامعات والمعاهد العليا الحزبية والطائفية والمذهبية والمناطقية تعتمد في تسيير أمورها على أساتذة الجامعة الوطنية، لكنّ الأصح الإشارة إلى ملاحظة مهمة تنذر بدمار التعليم العالي في لبنان:
ما زال التوجه الغربي الراقي يحافظ على الجامعات ذات المستويات الأكاديمية المحترمة فيحصره غالباً في الجامعات الحكومية أو في الخاصة منها الممولة من جمعيات أهلية ولا تتوخى الربح. هذا التأرجح بين الاستثمارين المالي والحضاري في النظرة إلى التعليم العالي هو المؤشّر الأول والخطير في رسم مستقبل الأوطان.
وللتوضيح، أروي هنا ببساطة ما كان يحصل معي في العام 1972 طالباً للدكتوراه في “السوربون 3” باحثاً في مظاهر الحداثة العربية:
كان أستاذي المشرف المستشرق أندريه ميكيل يستقبلني أسبوعياً في منزله متابعاً أبحاثي وموجّهاً قراءاتي بشكل منهجي وصارم. حين أزوره تحضر زوجته، حاملة كوبين فقط من الشاي فوق طبق من القش المغربي. تقدّم واحداً له والآخر لها تنسحب به نحو زاوية الصالون لتتصفّح كتاباً. بقيت غريباً لا أشاركهما الشاي سنوات خمس على هذا المنوال إلى يوم فاجأني فيه أستاذي بموافقته السماح بطباعة الأطروحة المبدئية لتحويلها إلى لجنة من كبار الأساتذة لوضع ملاحظاتهم المنهجية عليها وضرورة تعديلها قبل حفل المناقشة.
لم ولن أنسى ذلك اليوم الذي دمغني أكاديمياً، بعدما رأيت الزوجة تدخل علينا حاملة الصينية إياها وفوقها ثلاثة أكواب من الشاي. قدمت إحداها لي أوّلاً ثمّ كوباً لزوجها وجلست بكوبها معنا. لفّني الارتباك والاحمرار والخجل لتغيير عاداتهما في الضيافة، لكنّ أستاذي عالجني ضاحكاً وقال: “أراك مرتبكاً… لا تستغرب… هو شرف الأكاديميا الذي سترتديه قريباً. منذ هذه اللحظة، لم تعد طالباً. صعدت السلم الأكاديمي وبتّ قاب قوسين من الزمالة. لك الحقّ مشاطرتنا شرب الشاي”. تنفّست وغمرني السرور، وبعد مناقشتي الأطروحة اختارني البروفيسور ميكيل مساعداً له وكانت الحروب تعصف في لبنان.
أوردت هذه القصة تدليلاً على أطر التعامل الأكاديمي ومنهجياته ومعاييره المنضبطة التي يخضع لها غالباً طلاّب الجامعات الوطنية العريقة، في حين إذا ما كَشَفتُ زوايا الغطاء عن الكثير من طرائق منح شهادات الماستر والدكتوراه الرائجة لأدهشت القراء بالانحدارات الأكاديمية والاستسهال. يعتبر الأستاذ المشرف على الأطروحة نفسه مكان الطالب وكأنّ العلامة والدرجة يُمنحان له لا للطالب، بينما في الجامعات البريطانية والكندية مثلاً، لا يحق للأستاذ المشرف مثلاً الكلام أو الدفاع عن الطالب وحتى حضوره جلسة المناقشة.
لنعترف أنّ هناك رخاوة أكاديمية لبنانية وعربية في منح درجات الممتاز والجيد جداً… بحيث تمتلئ صفحات التواصل الاجتماعي بـ: د. ودكتور، وبروفيسور، وخبير وغيرها من الصفات المرتجلة التي دمّرت المعايير العليا الجامعية في منح الشهادات عبر “جامعات” أو دكاكين لبيع شهادات الدراسات العليا.
يكفيني في مجال النقد ثانياً، الإشارة كمثال إلى المناهج المستوردة للجامعة اللبنانية المعروفة بنظام L.M.D (إجازة، ماستر، دكتوراه) وغير الملائمة بل الضارة التي تمّ فرضها واستيرادها اتفاقيات ملغومة مع فرنسا وبالتعاون مع “اليونسكو”:
بكلمتين: تطبيقاً لهذا النظام، عقد عمداء الكليات اجتماعات مع الأساتذة، وعجزوا فعلاً عن شرح فلسفة هذا النظام المأخوذ من فرنسا التي أخذته بدورها عن أميركا التي توقفت الجامعات فيها عن تطبيقه. كيف؟ البند الأول لهذا النظام هو توفير مدن جامعية تتقارب كلياتها ليتشارك الأساتذة وطلابهم المتنوعو الاختصاصات في تتبّع المحاضرات والأنشطة والمواد المشتركة، بدلاً من أن يكرّر الأساتذة محاضراتهم متنقلين من محافظة لأخرى وقضاء لآخر ومن فرع لآخر ومن اختصاص لآخر في فروع لبنانية مشتتة جغرافياً وطائفياً وأكاديمياً مثلاً. كان الهدف حصر الأساتذة والطلاب في مدن جامعية مفتوحة للجميع يحصّلون أرصدتهم المطلوبة بلا قيود بما يضبط المستوى ويوفّر في الميزانيات وحشو المحاسيب والأزلام.
كانت النتيجة: تضخم لوائح التعاقد مع حاملي الليسانس والماستر والمدرّبين للتعليم الجامعي حيث هبط المستوى بعدما خرج كبار الأساتذة إلى التقاعد أو إلى جامعات محترمة خاصة. لقد خرّب هذا النظام الجامعة اللبنانية بفروعها الكثيرة المتباعدة فتحولت الأكاديميا إلى أبنية مشتتة جغرافياً وعلمياً وفكرياً ووظيفياً ومذهبياً ولربّما تتجاوزها بالشكل والمضمون والأداء المدارس التكميلية التي أنشأتها الصناديق الطائفية في الأقضية اللبنانية بما يعني القضاء على الحياة الجامعية في لبنان.




