الرئيسيةمواضيع مميزة"فرحة".. سرديّة سينمائية أردنية مُغايرة عن نكبة فلسطين

“فرحة”.. سرديّة سينمائية أردنية مُغايرة عن نكبة فلسطين

الايام -يوسف الشايب:أن تقدّم سردية بصريّة مُغايرة عن “النكبة” أمر ليس بالسهل، وأن تحوز على استقبال حار يعبّر عن رضا واستحسان الجمهور الفلسطيني فهو أمر أكثر صعوبة، لكن هذا ما نجحت في تحقيقه دارين سلام، مخرجة وكاتبة سيناريو فيلم “فرحة”، عند عرضه الأول أمام الجمهور الفلسطيني، في اختتام فعاليات مهرجان أيام فلسطين السينمائية الدولي بدورته التاسعة.

وكان من بين التحديات الأخرى أن أكثر من خمسين دقيقة، من أصل قرابة التسعين، هي المدة الكاملة للفيلم الروائي الأردني، كانت حبيسة العتمة كما “فرحة” الشخصية المحوريّة في العمل “المقتبس عن قصة حقيقية”، داخل “غرفة الخزين”، فالعمل في مساحة ضيّقة فترة زمنية طويلة، وبعيداً عن الضوء أيضاً، ليس بالأمر السهل، وإن كان ثمة بعض الملل الذي قد يكون تسلل عبر الكوّة في جدار “المخبأ” الذي اختاره لها والدها “المختار” الفدائي، لعلها تنجو من هجوم العصابات الصهيونية على قريتهم.

وحتى في الحكايات المقتبسة عن وقائع حدثت بالفعل، كما في “فرحة”، فإن اختيارات كاتب السيناريو ممّا جاء في الحكاية تتأتى وفق رؤيته، أو رؤيتها في حالة هذا الفيلم، فنجد إبراز الفلسطيني كما الصهيوني بصورة إنسانية، وبتضاد بالضرورة متعمّد، مع انحياز وانزياح واضحين لصالح المنكوب هنا، فما قبل انقلاب “اجتياح” القرية الدموي، نرى الجمال متجسداً في تكوين القرية المعماري والطبيعة الملونة كملابس الفتيات، وفي أحلام وآمال “فرحة”، كما نرى العكس في حالات الزواج المبكر التي كادت تطالها، كما في عدم حصولها السهل على تحقيق حلمها بالدراسة في المدينة، رغم موافقة والدها، في حين نرى الفلسطيني الفدائي، والضحية، والجاسوس أيضاً ما بعد “السقوط”.

أما أفراد العصابات الصهيونية، وعلاوة على أصوات القصف العنيفة، والتهديد بالخروج أو القتل، فنرى فاشية ما يفعلون عند إعدام عائلة بأكملها دون سبب، وبعد فترة زمنية قصيرة على مولد ابنهم الذكر الأول “محمد”، رغم توسّلات الجاسوس، الذي يتضح للفتاة، ابنة الرابعة عشرة، القابعة قسراً ورعباً في مخزنها، وكانت الشاهدة، أن الجاسوس هذا ما هو إلا زوج شقيقتها، في حين يعكس مشهدٌ “إنسانيةَ” واحدٍ من أفراد العصابة الصهيونية حين يرفض قتل الرضيع القادم حديثاً إلى الحياة بالرصاص، ويتراجع في اللحظة الأخيرة عن هرس رأسه الهش ببسطاره، فيتركه فريسة للعراء.

وفي وقت استطاعت سلام إدارة العمل برمّته باقتدار يحسب لها، ورغم جدّة الطرح، من الجديّة والجديد، لكن ملاحقة يوميّات “فرحة” داخل مخبأها كحكاية نكبوية قد لا تبدو بالأمر الصعب سرديّاً، وإن كانت تحدياته على المستوى الفني كبيرة، نجحت عبر الإضاءة وتقنيات الصوت المدهشة، خاصة صوت الريح والمطر، وصراخ الطفل، وتهديدات أفراد العصابات الصهيونية، وأزيز الرصاص، وقصف المدافع، في كسر حالة الصمت التي تعيشها “فرحة” على المستوى الداخلي، حيث المونولوجات الصامتة ما بينها وبينها، والحوارات الصامتة أيضاً، إلا من صوت كسر هنا، أو قرع هناك، ما بينها وبين محيطها في سجنها نحو النجاة، وهذا أضاف تحدّياً آخر أمام مخرجة العمل، التي تقشفت على مستوى السيناريو، فكان خط الارتكاز يتكئ على الأداء.

وبالفعل، تميّزت الفنانة الشابة كرم طاهر في تقديم دور أكثر من مبهر عند تجسيدها لدور “فرحة”، كانت آسرة لدرجة كبيرة، في حين لا يمكن تجاهل الدور المتميز للفنان أشرف برهوم في دور والدها، والحضور اللافت رغم قلة المشاهد للفنان علي سليمان في دور الصهر “الجاسوس”. هذا الأداء، خاصة لطاهر التي جعلتنا نشاركها أحاسيسها بل نعيشها ونتماهى معها، كان رافعة أساسية للفيلم المقتبس عن حكاية ورثتها كاتبة السيناريو الخاص به ومخرجته، عن والدتها التي نقلتها إليها عن صديقتها التي حلّت لاجئة في سورية، ولم يكن اسمها كما هو في الفيلم، بل هي “رضيّة” التي لم تعثر على والدها بعد أن كسرت باب سجن النجاة لعلها تنقذ الرضيع دون طائل، فبقي مصيرة مجهولاً، ويعتقد أنه “قتل في أحداث نكبة 1948″، فيما آثرت هي مشاركة “حكايتها كي تبقى حيّة للأجيال القادمة”.

وعْد العودة الذي قطع الأب لابنته في الفيلم، كان هو الحلم الذي لم يتحقق لـ”فرحة”، كما كان حلم عودتها إلى حيث كانت ما قبل العام 1948، كما الملايين من اللاجئين الفلسطينيين بأجيالهم المتعاقبة، ممّن يتقاسمون الأمل مع “فرحة” الأمل، وللاسم دلالات التضاد ربما، والنجاة ربما، على عكس دلالات الرضا في الاسم الفعلي لصاحبة الحكاية والحدث، وإن كانوا لم يعيشوا أهوال ما عاشته الشاهدة الصامتة، في دراما قاتمة ومروعة، لكنها أيضاً مشرعة على الأمل، وكانت مفتوحة على التأويلات لولا التأطير الكتابي للنهاية، والذي أصاب خيالات المشاهدين في مقتل.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب