الرئيسيةزواياأقلام واراءلا مفر للولايات المتحدة من الشرق الأوسط ... بقلم :زاخاري شيركي

لا مفر للولايات المتحدة من الشرق الأوسط … بقلم :زاخاري شيركي

images

تشير معظم التقارير إلى أن الولايات المتحدة ستتحول قريباً من أكبر مستورد للنفط في العالم إلى أحد أبرز المصدرين العالميين.

يعود ذلك إلى زيادة ملحوظة في اكتشاف النفط المحلي وإنتاجه، فضلاً عن تنامي فاعلية الطاقة واستعمال الغاز الطبيعي الذي تنتجه الولايات المتحدة. صحيح أن هذا التحول الكبير في مجال الطاقة سيكون له انعكاسات كبيرة على الاقتصاد الأميركي والعالمي، ولكن ما سيكون تأثيره في السياسة الخارجية الأميركية، خصوصاً في الشرق الأوسط؟ من اللافت للنظر على الأرجح أن استقلال الولايات المتحدة في مجال الطاقة لن يكون له تأثير كبير في السياسة الخارجية الأميركية تجاه هذه البقعة من العالم.

يشكل الشرق الأوسط منطقة بالغة الأهمية في السياسة الخارجية الأميركية منذ العقود الأولى للحرب الباردة. صحيح أن هذا يعود في جزء منه إلى السياسة العالمية الأميركية التي هدفت إلى احتواء الاتحاد السوفياتي، إلا أن احتياطات النفط في المنطقة شكلت دوماً سبباً بارزاً لاهتمام الولايات المتحدة بهذه المنطقة، ونتيجة لذلك، واصل الوجود الأميركي في الشرق الأوسط تناميه منذ نهاية الحرب الباردة.

ولكن إن لم تعد الولايات المتحدة تعتمد على واردات النفط، ألن يتراجع اهتمامها بهذه المنطقة؟

صحيح أن الاستقلال الأميركي في مجال الطاقة سيسمح للولايات المتحدة على الأرجح بتحجيم دورها في الشرق الأوسط، غير أن هذا مستبعد. فرغم كل الإغراءات والضغوط التي تتعرض لها واشنطن للتخلي عن هذه المنطقة، فإنها لن تتخلى عن اهتمامها الكبير بالحفاظ على أسواق طاقة عالمية مستقرة ومواجهة المخاطر الأمنية التي تنبع من تلك البقعة من العالم.

لا شك أن الأسباب التي تدفع البعض إلى التحدث عن تحويل الولايات المتحدة اهتمامها ومواردها بعيداً عن الشرق الأوسط تظهر واضحة. تكتسب أميركا اللاتينية وآسيا خصوصاً أهمية اقتصادية واستراتيجية متنامية وستتطلبان اهتماماً أميركياً أكبر. تجلى هذا الواقع من خلال “استدارة” إدارة أوباما نحو آسيا، وبما أن موارد السياسة الخارجية الأميركية محدودة، فلن تحظى هذه المناطق بحصة أكبر، إلا إذا تراجعت حصص المناطق الأخرى، ومع أن أوروبا تُعتبر المرشحة الأولى التي ستخسر جزءاً من الاهتمام الأميركي، فإن تزايد إمدادات الطاقة الأميركية سيجعل الشرق الأوسط مرشحاً أيضاً لنفس النتيجة. ببسيط العبارة، يلغي استقلال الطاقة، على ما يبدو، السبب الرئيس الذي يدفع بصانعي السياسات الأميركيين إلى الانشغال بمسائل الشرق الأوسط. وبما أن سياسة واشنطن ولدت العداوة للولايات المتحدة في المنطقة، فسيكون للحد من الوجود الأميركي فوائد كبيرة، مثل تراجع الدعم الشعبي لمجموعات كتنظيم “القاعدة”.

لكن المشكلة تكمن في أن الحد ببساطة من الوجود الأميركي في الشرق الأوسط لن يلغي كل المخاطر الأمنية المحتملة التي تواجهها الولايات المتحدة وحلفاؤها. على سبيل المثال، سيتواصل الخطر الذي يشكله انتشار الأسلحة النووية، كما في إيران، حتى إنه قد يتسارع في حال حدت الولايات المتحدة من نشاطها في المنطقة. ومع أن استطلاعات الرأي تظهر أن المواقف العدائية تجاه الولايات المتحدة في العالم العربي تنبع في المقام الأول من سياستها الخارجية، لن يكون لتبديل الدور الأميركي تأثير يُذكر في التخلص من خطر مجموعات جهادية عالمية، مثل تنظيم القاعدة، الذي تتخطى أهدافه أسس السياسة الخارجية الأميركية.

يجب ألا ننسى أن الهدف الرئيس لتنظيم “القاعدة” وغيره من المجموعات الجهادية إعادة إحياء خلافة إسلامية وفرض الشريعة الإسلامية في أنحاء العالم المختلفة. نتيجة لذلك، استهدفت المجموعات الجهادية دولاً لا تعرب عن اهتمام كبير بالعالم الإسلامي في سياستها الخارجية، مثل السويد. ولا شك أن تجاهل هذه المخاطر سيؤدي إلى نتائج عكسية، ما يعني أن استخدام الطائرات بدون طيار لاستهداف قادة “القاعدة” والشخصيات المرتبطة بهذا التنظيم لن يتوقف. كذلك ستبقى الولايات المتحدة المحرك الرئيس وراء جهود مكافحة الإرهاب البارزة في أرجاء المنطقة المختلفة. بكلمات أخرى، من غير المنطقي أن نتوقع من الولايات المتحدة أن تخفض كثيراً اهتمامها بالمسائل الأمنية في الشرق الأوسط في المستقبل القريب.

على القدر ذاته من الأهمية واقع أن كف الولايات المتحدة عن استيراد النفط لن يجعلها غير مبالية بأسواق النفط العالمية أو تدفق النفط من الشرق الأوسط. على العكس، ستعرب الولايات المتحدة، بصفتها الاقتصاد الأكبر في العالم وأحد أبرز مستهلكي الطاقة، عن اهتمام كبير بإبقاء أسعار النفط العالمية مستقرة، ولن يتبدل هذا الوضع، حتى لو لم تعد الولايات المتحدة تستورد النفط بل صارت تصدره فحسب، خصوصا أن أي ارتفاع كبير في الأسعار في أسواق النفط العالمية سيؤثر في الولايات المتحدة. على سبيل المثال، سيسعى المنتجون الأميركيون إلى بيع نفطهم في الخارج، في حال حظوا بسعر أفضل مما يُقدم لهم في الولايات المتحدة، وفي عالمنا المترابط والمتكافل، سيكون لأي تراجع في الاقتصادات الأجنبية، وإن كان سببه ارتفاعات مفاجئة في أسعار النفط، تأثيرات سلبية في الولايات المتحدة. بالإضافة إلى ذلك، يستورد حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا وآسيا على حد سواء النفط مباشرة من الشرق الأوسط. نتيجة لذلك، من مصلحة الولايات المتحدة أن تضمن استمرار تدفق النفط. إذن، الخلاصة واضحة: ستبقى للولايات المتحدة مصالح أمنية واقتصادية في الشرق الأوسط، حتى لو لم تعد تستورد النفط.

أخيراً، لا بد من الإشارة إلى أن النقاش حول دور الولايات المتحدة المستقبلي في الشرق الأوسط يدور في إطار أوسع يتناول دورها في العالم. ومن المؤكد أن تراجع دور الولايات المتحدة سيؤدي إلى بروز دول أخرى، وإن تعمدت الولايات المتحدة الحد كثيراً من وجودها في الشرق الأوسط، فسيسعى آخرون إلى ملء هذا الفراغ. لا شك أن من مصلحة دول أوروبا الغربية المحافظة على تدفق النفط، لكن التراجع المتواصل في ميزانيات أوروبا الغربية الدفاعية يُظهر بوضوح أن هذه الدول لن تتمكن من الاضطلاع بهذه المهمة، ما يعني أن الصينيين سيملؤون هذا الفراغ. لم يتضح بعد ما سيكون تأثير ذلك في الأمن الإقليمي والعالمي، علما أن الصينيين سيسعون طبعاً إلى الحفاظ على استقرار أسواق الطاقة، ولكن من المستبعد أن تعطي الصين الأولوية لمصالح الولايات المتحدة وحلفائها. ومن المؤكد أن واشنطن لا ترغب في معرفة ما قد يحدث في هذه الحالة، ما يمنحها دافعاً آخر لتبقى ناشطة في الشرق الأوسط.

إذن، صحيح أن الولايات المتحدة ستحقق الاستقلال في مجال الطاقة، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أنها ستكف عن الاهتمام بأسواق الطاقة العالمية ومسائل الأمن الإقليمي والعالمي المرتبطة بها. فلن يلغي هذا الاستقلال المخاطر التي تواجهها الولايات المتحدة في مجالَي الاقتصاد والأمن القومي في الشرق الأوسط، خصوصاً أن الانسحاب الأميركي قد يدفع بمنافسيها إلى زيادة وجودهم في المنطقة. نتيجة لذلك، لن يكون للاستقلال في مجال الطاقة تأثيرات بالغة الأهمية في السياسة الأميركية في المنطقة.

* بروفسور مساعد متخصص في العلوم السياسية في “كلية هانتر” في جامعة مدينة نيويورك.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب