الايام – يوسف الشايب:”أنا لستُ لي.. أنا لستُ لي”، هي الكلمات نفسها تتكرّر في الحيّز نفسه الذي ضاق عليها، قصر رام الله الثقافي، بفارق خمسة عشر عاماً، بين أمسية الشاعر الكبير محمود درويش الأخيرة في البلاد مطلع تموز 2008، بصوته الذي صدح “هذا البحر لي، هذا الهواء الرطب لي”، وبين إسدال الستارة على فعاليات مهرجان رام الله للرقص المعاصر 2023، وتحديداً العرض الختامي “أرى لا أرى”، مساء أول من أمس، بصوت الفنان عامر حليحل.
كان الحضور الدرويشيّ طاغياً في العرض الفلسطيني الأميركي المشترك، الذي جمع فرقة سريّة رام الله الأولى وفرقة (E)، وراوح بين الرقص المعاصر، والأداء المسرحي، والباليه، والأكروبات وألعاب الخفّة.
لم يشكّل إلقاء القصائد وحده لوحات العرض، بل كانت مُلهمة برفقة الحالة الجمعية الكونيّة تحت وطأة تداعيات “كوفيد”، كما حال تلك الحدود الأقرب إلى المقاطع الإسمنتية في جدار الفصل العنصري، التي استخدمت فنيّاً بطريقة ذكية، بما يخدم فكرة العرض وطبيعة لوحاته المتغيّرة.
قدّم مخرج العرض الأميركي رويس زاكري ومصمّمه، بالشراكة مع الفلسطينية جمانة دعيبس، لوحات مُدهشة كان لموسيقى سعيد مراد وإضاءة بول جوردن إيمرسون، حضور محوريّ فيها.
تناولت بعض اللوحات تلك الحالة المستجدة لجهة التواصل الإنساني، خاصة في مرحلة “كوفيد” وما بعده، حيث توّحدت الإنسانية في مواجهة الوباء، يسعون إلى الحياة ما استطاعوا إليها سبيلاً، ويسعون إلى أن ينتظر الموت إلى أن يعدّوا حقائبهم، قبل أن يطلقها حليحل في تماهٍ درويشيّ مع مقولات الأجساد المتعددة على المسرح، بأن “فكّر بغيرك”.
كان للعلاقات العاطفية كجزء من الحالة الإنسانية حضورها في العرض، منذ اللوحة الافتتاحية، مروراً بمشهديّات في لوحات لاحقة، لتبلغ ذروتها على وقع النص الدرويشي “ليل يفيض من الجسد”، في أغنية رسمها الراقصون والراقصات بأجسادهم لـ”غريبين يلتقيان على شارع لا يؤدي إلى هدف”.
وحضرت سياسات الاحتلال العنصرية بحق الفلسطينيين، التي تمّت مقارنتها بـ”كوفيد”، دون مُباشَرة، وفيما وراء أداء مبدعي “السريّة” و”E”، فالجدار كمّامات، وكلاهما قاتل، وإن لم يقتل، فإن أثره لا يغيب، وهو ليس كأثر الفراشة مُحبّباً، بل أثر جنود يرتكبون الإثم، وآلة تنفث ناراً، وتجعل الفضاء طيراً أسودَ.
وكان لحضور راقصة فلسطينية وراقص أميركي من ذوي الإعاقة خصوصية أضافت إلى العرض عمقاً إضافيّاً، بحيث لم يكن حضورهما مُقحماً، بل كان محوريّاً وموظفاً بشكل يعكس احترافية القائمين على “أرى لا أرى”، وهو ما كان أيضاً بمشاركة الفيديو الرمزية من قطاع غزة، عبر فريق حيّ للفنون المعاصرة.
وعلى الرغم من أنه خرج في قرابة الأسبوعين، أو أكثر قليلاً، ورغم انشغال غالبية راقصيه بعروض سبقته في المهرجان نفسه، كان العرض مميّزاً في عناصر تكوينه المختلفة، وفي أداء الفنّانات والفنانين: دوين تشيويمان، ولي سيونغ، ونوّار سالم، ورمز صيام، وماريا دلي، وجاكلين كال، ورايا كارلو، وتارا كومبتون، وأسيل فاعور، وهوريزين ميغويل، وكاثرين بيلكينغتون، وهنا مَسلمة، لجهة تقديم ما يعلق في ذاكرة جمهور المهرجان، وهو يسدل الستار على دورته السابعة عشرة، بعرض متميّز كغيره، لجهة الشكل، والمضامين الإنسانية الفردانية منها والجمعية، مجتمعياً وروحانيّاً وحتى سياسيّاً، وإن كانت السياسة مذابة في أنفاس الراقصين، وبين تموّجات أجسادهم، وأيضاً لجهة التكوين، فكان أن رأينا ما لا يرى، ولم نرَ، ربّما ما كان يجب علينا أن نراه.





