أمد/ تل أبيب: أصدر معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، دراسة كاملة حول مستقبل العلاقات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل بعنوان : “إسرائيل وتعزيز قوة السلطة الفلسطينية – خياران أحلاهما مر”.
والدراسة أعدها لمعهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، :تمير هايمان رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق ورئيس المعهد، كوبي ميخائيل من كبار الباحثين في المعهد، أوري فارسمان من كبار الباحثين في المعهد.
ملخص الدراسة:
في الواقع الراهن بين حماس والسلطة الفلسطينية تدور لعبة محصلتها صفرية ،معنى ذلك أنه لا يمكن إنشاء سلطة فلسطينية قوية في مقابل حماس قوية ، اضعاف حماس يعني توجيه ضربات عسكرية قوية بقدراتها وبنيتها العسكرية .
ضعف السلطة الفلسطينية أمام تعزيز مكانة حماس في هذه اللحظة وفي ظل تاكل الردع الإسرائيلي في مواجهة حزب الله وإيران واحتمال كبير لاندلاع مواجهة واسعة النطاق ومتعددة الجبهات ، تضع إسرائيل أمام خيارات احلاهما مر من الناحية الاستراتيجية .
لذلك إسرائيل مطالبة باتخاذ قرار حول الهدف الاستراتيجي الذي تريد الوصول إليه في الساحة الفلسطينية كما يتعين عليها دراسة ما إذا كانت هناك تداعيات إيجابية لتحرك عسكري مبلور ضد حماس لا يأتي في إطار خطة سياسية واسعة وشاملة أكثر .
في كل الأحوال أن توجيه ضربات لقدرات حماس العسكرية ما يمكن أن يؤدي إلى تقليص التحدي الملقى على كاهل السلطة الفلسطينية والذي يسرع في عملية اضعافها ، بالإضافة إلى إزالة العقبات أمام خطوات فعالة لتقوية وإفساح المجال أمام الربط بين الجبهات المختلفة ، الذي تريد أن تفرضه حماس على إسرائيل ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى تعزيز قوة الردع الإسرائيلية في المنطقة .
في ظل الظروف السياسية الراهنة في اسرائيل من المستبعد أن تتوصل الحكومة الإسرائيلية الراهنة إلى اتفاق بشأن الحاجة إلى تقوية السلطة الفلسطينية أو على الأقل التوقف عن العمل لاضعافها ، لذلك من المستبعد أن تتخذ هذه الحكومة قرارا استراتيجيا حاسما في موضوع اتخاذ الإجراءات لتقويتها بمبادرة منها ، على الرغم من أن ضعف السلطة الفلسطينية يضر بالمصالح الإسرائيلية .
أن خطوة بهذا الحجم يمكن القيام بها فقط في حالة وجود حكومة وحدة وطنية مع تأييد شعبي واسع . من ناحية أخرى مكانة السلطة الفلسطينية ضعيف وإشكالي ،لدرجة انه من المشكوك فيه أنه يمكن إعادة ترميمها أو تأهيلها في ظل الظروف القائمة .
الموضوع : خلفية
على امتداد ثلاثة عقود والسلطة الفلسطينية تشكل تحديا سياسيا وأمنيا لدولة إسرائيل . من وجهة النظر الإسرائيلية كانت اهداف إقامة السلطة الفلسطينية نتيجة لاتفاق أوسلو ضمان الفصل السياسي بين إسرائيل والفلسطينيين في المناطق بهدف الحؤول دون تهديد الدولة ثنائية القومية .
تحسين الواقع الأمني . التخلص من عبء إدارة الحياة اليومية للسكان ، وتحسين موقع إسرائيل الإقليمي باعتبار الاتفاق قاعدة للوصول إلى اتفاقات سلام وتطبيع إضافية.
في الوقت نفسه نظر التيار السائد في المجتمع الإسرائيلي كل الوقت إلى السلطة الفلسطينية باعتبارها حكما ذاتيا -كيان اقل من دولة – . في المقابل كانت السلطة الفلسطينية بالنسبة للفلسطينيين مرحلة أخرى في الطريق نحو دولة فلسطينية مستقلة .
وهكذا بينما كانوا يأملون في الجانب الإسرائيلي أن تعمل السلطة الفلسطينية على تحسين الأمن لدى مواطني إسرائيل وتضمن مستقبل إسرائيل باعتبارها دولة ديمقراطية ويهودية في حدود معترف بها ويمكن الدفاع عنها . وفي المقابل تحقيق ولو جزئي للتطلعات الفلسطينية في الاستقلال . كان الجانب الفلسطيني ينظر إلى السلطة الفلسطينية باعتبارها مرحلة مؤقتة ، في نهايتها تقوم دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية .
فيما قدمت القيادة الفلسطينية الخطوة باعتبارها تنازلا تاريخيا من الفلسطينيين عندما اكتفوا ب 22٪ من ارض فلسطين التاريخية . غير أن تصريحات ياسر عرفات ، فيصل الحسيني وآخرين مثل الاصرار على التمسك بالرواية التاريخية الفلسطينية . التحريض المؤسسي ، ورفض الاعتراف بشرعية إقامة دولة قومية لليهود ألقت بظلال من الشكوك على تصريحاتهم بشأن التنازل التاريخي .
ضعف السلطة الفلسطينية
على الرغم من الآمال العريضة بين الإسرائيليين والفلسطينيين . اعتبارا من ابريل 2023 بعد ثلاثة عقود على إقامتها تقريبا وبعد سلسلة طويلة من المفاوضات والمبادرات السياسية الفاشلة . وصلت العملية السياسية إلى طريق مسدود . فيما كل طرف يعتقد أن الوقت يلعب لصالحه ، ويفتقد الطرفان اي حافز حقيقي للتحرك خطوة أخرى نحو الحل النهائي.
كما يفتقد الطرفان القدرة السياسية على قيادة خطوات سياسية كبيرة على قاعدة من التنازلات التاريخية . في المقابل ولأسباب يمكن أن تكون متصلة بالطريق المسدود التي وصلت إليه العملية السياسية ، الانقسام بين حماس وفتح ، رغبة إسرائيل بالحفاظ على الانقسام والفصل بين كلا الكيانين الفلسطينيين فبينما هي احتوت حماس وأمور أخرى ، كانت السلطة الفلسطينية المسؤولة عن إدارة حياة السكان الفلسطينيين اليومية في الضفة الغربية تفقد من قوتها .
مكانتها الشعبية تنحسر وتفتقد للشرعية الشعبية الحقيقية . فيما تتحداها حماس التي عززت من سيطرتها في قطاع غزة وتسعى إلى زعزعة الاستقرار الأمني في الضفة الغربية ومنها ،والتي تعمل على السيطرة على السلطة الفلسطينية واقصاء فتح من مواقع التأثير والنفوذ .
من دون الخوض في الأسباب والتفسيرات التاريخية بشأن الواقع الناشئ ، التي يجب أن تكون نقطة الانطلاق بالنسبة لإسرائيل في اعادة حساباتها من جديد . يبدو أن السلطة الفلسطينية بقيادة ابو مازن في أصعب أوضاعها منذ الانتفاضة الثانية وهي موجودة في مسار من التدهور المستمر الذي قد ينتهي بانهيارها .
أولاً ، فقدت السلطة الفلسطينية واجهزتها الأمنية السيطرة على جزء من الأراضي التي تشرف عليها، والمؤشر على ذلك نجاح المنظمات المحلية ، إلى جانب التنظيمات المسلحة المعروفة ، في توسيع صفوفها والبنى التحتية المسلحة في تلك المناطق لغرض شن الهجمات ضد الجيش الإسرائيلي. والمدنيين إلاسرائيليين في مناطق الضفة الغربية وإسرائيل.
إن محاولة ربط أسباب ذلك بالعمليات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة (أ) وتشكيل الحكومة الحالية ، غير مقنعة أو كافية لأن ضعف السلطة الفلسطينية في المناطق الشمالية ، مع التركيز على محافظة جنين ، كانت امرا واقعا منذ عامين على الاقل .
من الاصح ربط الاسباب في بنية الاجهزة الامنية الفلسطينية ، التي لا تزال تعتمد على الولاءات المناطقية والعشائرية ، الامر الذي يلحق ضررا كبيرا بقدرة الكثيرين منهم على القيام بواجبهم ، عندما يضطرون في اطار عملهم العمل ضد أفراد من عائلتهم وضد سكان المنطقة التي جاءوا منها.
إضافة إلى ذلك ، تُظهر التجربة التاريخية أن العنف الفلسطيني لم يكن لاسباب اقتصادية ، وأن الصاعق في تفجير موجات العنف أو جولات القتال فقط يتسم بأسباب قومية ودينية وتلك المتعلقة بفقدان الثقة في القيادة القائمة.
إن الفراغ الأمني الإداري الذي خلقته السلطة الفلسطينية في المناطق الشمالية من الضفة الغربية ، مع التركيز على منطقة جنين ، التي شهدت حالة من الرفاهية الاقتصادية والازدهار ، سمح للمنظمات المسلحة والمنظمات المحلية بمواصلة عملها. كل هذا يعزز الادعاء بأن الواقع في مناطق السلطة الفلسطينية يشير إلى أعراض واضحة لفشل دولاني ، مثل بعض الأعراض في الدول الفاشلة والمنهارة في الشرق الأوسط بعد الاضطرابات العربية.
ثانيًا ، إن شرعية السلطة الفلسطينية بقيادة أبو مازن هي في أدنى مستوياتها في الرأي العام الفلسطيني ، حيث ينظر المجتمع الفلسطيني إلى تمسكها بمقاومة الإرهاب واستمرار التعاون الأمني بانه غير مبرر ولا اهمية له ، ولا يخدمان أو يعززان المصلحة الفلسطينية وبالتالي غير شرعية .
نتائج الاستطلاع الذي اجراه خليل الشقاقي ( كل ثلاثة شهور مرة واحدة ) ، الذي يتطرق إلى حزيران (يونيو) 2023 ، تشير إلى أن غالبية الجمهور الفلسطيني تعتقد أن السلطة الفلسطينية عبء على الشعب الفلسطيني (63٪ مقابل 33٪) ، وتعرب عن عدم رضاها عن أبو مازن. في الأداء (80٪ مقابل 17٪) .
من ناحية أخرى ، لم يتم ملاحظة وجود أية منظمة شعبية أو سياسية تعمل على الإطاحة به فعليًا. علاوة على ذلك ، تعتقد غالبية الجمهور أنه من مصلحة الشعب الفلسطيني تفكيك السلطة الفلسطينية (50٪ مقابل 46٪) ، وأن بقاءها هو في مصلحة إسرائيل (63٪ مقابل 34٪). إضافة إلى ذلك ، يؤيد الجمهور الفلسطيني تشكيل منظمات مثل “عرين الاسود” التي لا تخضع لسيطرة السلطة الفلسطينية (71٪ مقابل 23٪) ويعارض دعوة السلطة الفلسطينية لهذه التنظيمات لالقاء سلاحها (80٪ مقابل 16٪).
وتدل هذه المعطيات بوضوح على أن الجمهور الفلسطيني سئم من السلطة الفلسطينية ويراها أداة إسرائيلية لإدامة الاحتلال ، وأنه يرى بالتنظيمات المسلحة والكفاح المسلح وليس السلطة الفلسطينية وعملية المفاوضات ،أداة وطريقة لمواصلة النضال ضد الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية (اذا حاولنا التعرف على رؤية المجتمع الاسرائيلي للسلطة الفلسطينية يمكن ان نستخدم تأثير المرآة عندما يعتقد غالبية الجمهور في اسرائيل أن السلطة الفلسطينية لم تعد شريكًا و أنه إذا أقيمت دولة فلسطينية فستصبح دولة إرهابية معادية لاسرائيل )في الواقع ، فإن انعدام الثقة بالسلطة الفلسطينية عميق جدًا لدرجة أن الجمهور الفلسطيني الذي يعتقد في الغالب أن انتفاضة ثالثة ستندلع ( 51٪ مقابل 45٪) يعتقدون حتى أن قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية لن تشارك فيها (62٪ مقابل 33٪) ، كما أن الجمهور الفلسطيني لا يبني امالا على المساعدات الخارجية وبالتالي يعتقد أن الخلاص لن يأتي من السلطة الفلسطينية ، وليس من الدول العربية ، وبالتأكيد ليس من إدارة بايدن. يبدو أن الجمهور الفلسطيني يدرك أن مصيره بيده.
ثالثًا ، في حين ان اي عملية سياسية لا تلوح في الأفق ، فإن الجمهور الفلسطيني يتطرف في مواقفه ويبتعد عن المفاهيم المتعلقة بفكرة الدولتين والعملية السياسية مع إسرائيل ، أكثر من أي وقت مضى (وهنا أيضًا ، يمكن ان نرى بين الجمهور الإسرائيلي ما يشبه ذلك ).
وفقًا لمسح الشقاقي في حزيران (يونيو) 2023 ، فإن غالبية الجمهور الفلسطيني يعارضون فكرة الدولتين (70٪ مقابل 28٪) ويعتقدون أنها غير قابلة للتحقيق (71٪ مقابل 28٪). كذلك ، فإن 52٪ من الجمهور الفلسطيني يعتقدون أن المقاومة المسلحة هي الطريق الانسب لتحقيق التطلعات الوطنية الفلسطينية ، مقابل 21٪ فقط يعتقدون أنه يجب العمل من خلال المفاوضات السياسية ، لذلك فليس من المستغرب أن غالبية – الجمهور الفلسطيني يؤيد العمليات االهجومية داخل إسرائيل ضد المدنيين (57٪ مقابل 38٪) .
كما أن قصة المقاومة المسلحة التي تغذيها عمليات التلقين والتعبئة والتنشئة الاجتماعية التي تقودها السلطة الفلسطينية في اطار مناهجها الدراسية ، وفي التحريض الممنهج للقادة الفلسطينيين ، في وسائل الإعلام ، في خطب المساجد ، وفعليا في دفع الأموال للأسرى الأمنيين وأهالي الضحايا ، الذين تحولوا الى “شهداء” ورموز وطنية فلسطينية.
وفي الوقت نفسه ، فإن الهجوم الذي تتعرض له إسرائيل منذ آذار / مارس 2022 واستمرار عملية “كاسر الأمواج” التي بدأت في أيار / مايو 2022 ، يغذيان أيضًا رواية المقاومة المسلحة ويخلقان واقعاً من الاحتكاك المستمر والمتزايد ، الأمر الذي أدى بدوره إلى سقوط عدد كبير من الضحايا في الجانب الفلسطيني.
تحفز هذا المنظومة الهجومية المزيد من النشاط وتتوسع وتنمو مع إنضمام العديد من الشبان اليها و الذين فقدوا ثقتهم بالسلطة الفلسطينية منذ فترة طويلة ، سئموا الوضع القائم ويعملون على تغييره من خلال المقاومة المسلحة التي ترتكز على منظمات محلية. ، التي لا ترتبط بالضرورة بالمنظمات المسلحة الفلسطينية المعروفة، لكنها بالتأكيد مدعومة من قبلها.
ينتج عن الاحتكاك اليومي أبطال فلسطينيون جدد كل يوم ، الذين يتحولون الى رموز وطنية ، مما يؤجج مستوى التحفيز لدى المزيد من الشبان الذين ينضمون الى دائرة المفاومة والعنف .
في اختبار النتيجة ، بعد عام تعرضت فيه إسرائيل لهجوم عنيف ، ازداد عدد الفلسطينيين المشاركين فيه ، وارتفع فيه مستوى الدافعية لديهم ،واتسع نطاق العنف، واتسع معه نطاق الهجمات التي تقوم بها اجهزة الامن الاسرائيلية . وأصبح الواقع الأمني أكثر تعقيدًا وخطورة، كما أن فرصة اندلاع تصعيد واسع النطاق اصبحت أكبر بكثير .
تداعيات ضعف السلطة الفلسطينية
الاستنتاج الواضح من المعطيات ، خاصة عند تحليل نتائج الاستطلاع على خلفية التصعيد الخطير خلال عطلة عيد الفصح (أبريل 2023) والشعور السائد بين حماس وحزب الله وإيران بأن إسرائيل تقف على حافة الانهيار وانها تعيش حالة من الضعف وأنه من الممكن العمل ضدها من عدة جبهات في نفس الوقت ، هو الذي ادى الى زيادة احتمالية اندلاع العنف على نطاق واسع ومتعدد الجبهات ، الأمر الذي سيشكل تحديًا كبيرًا لأمن إسرائيل القومي.
يثير الاتجاه المستمر في حالة الضعف للسلطة الفلسطينية وقدرتها المحدودة جدا على الحد من التصعيد الميداني تساؤلاً حول درجة التاثير الذي يمكن أن تتمتع به سلطة فلسطينية أقوى ، عندما يكون الاجماع المتفق عليه في المؤسسة الأمنية هو أن سلطة قوية وفعالة اكثر تخدم المصلحة الإسرائيلية وتساهم في الهدوء والاستقرار الأمني.
إذا افترضنا أن الإجابة على السؤال إيجابية ، بمعنى أن سلطة قوية يمكن أن تساعد في التخفيف من العنف وتدهور الوضع ، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف يمكن تعزيز السلطة الفلسطينية وما الذي يتعين على اسرائيل عمله من اجل ذلك.
على الجانب الاخر ، إذا لم يكن تقويتها خيارًا واقعيًا في الواقع الحالي ، سواء لأسباب سياسية داخلية إسرائيلية أو لأسباب تتعلق بالساحة الفلسطينية وقيادتها ، وعلى افتراض أن استمرار إضعاف السلطة الفلسطينية سيسرع التدهور الأمني ، من الضروري دراسة سبل منع إضعاف السلطة الفلسطينية أو التوجه لخيار القيام بخطوة أحادية الجانب بالتنسيق مع الولايات المتحدة و دعمها.
كما قلنا ،في المؤسسة الأمنية وكذلك من وجهة نظر التيار المركزي في المستوى السياسي ، تحت قيادة رئيس الوزراء ، لدى إسرائيل مصلحة واضحة في وجود سلطة فلسطينية قوية وفاعلة ، سلطة يمكنها الحكم بفعالية ، وتلبية احتياجات السكان المحليين ، وتعمل على استئصال الإرهاب ، وتعمل على تعميق التعاون الأمني وتتمسك بالحوار والسعي للتوصل إلى تسوية سياسية. من ناحية أخرى ، هناك اطراف في الحكومة والائتلاف الحاليين لا يرون في وجود سلطة فلسطينية فاعلة وقوية ضرورة إستراتيجية لإسرائيل ، بل يعملون بشكل متعمد مستخدمين الضغط السياسي جنبًا إلى جنب مع تشجيع مبادرات ميدانية، بهدف تعميق السيطرة الإسرائيلية على المنطقة (ج) وتغيير الوضع الراهن في القدس ، إلى جانب المطالبة بعمليات اكثر نشاطا وأكثر قوة ضد العنف الفلسطيني والسلطة الفلسطينية التي ينظرون اليها على أنها داعمة للإرهاب.
من وجهة نظر هؤلاء فإن التصعيد ورفع مستوى التوتر سيؤديان إلى تعميق الفوضى في أراضي السلطة الفلسطينية وإضعافها ، مما يؤسس لتبرير التوسع الاستيطاني الإسرائيلي ، وسيؤدي لا بل سيضطر اسرائيل الى اعادة سيطرتها من جديد على مناطق الضفة الغربية بطريقة من شأنها ان تجعل اية تسوية سياسية مسالة غير ممكنة لا بل غير ذات صلة اصلا .
من أجل منع انهيار السلطة الفلسطينية ، كثيرا ما نسمع الدعوات المطالبة لدولة إسرائيل بانه يتعين عليها العمل على تقوية السلطة الفلسطينية ، واتخاذ خطوات يمكنها ان تساعد في اعادة تاهيل اجهزتها الأمنية وتطوير الاقتصاد الفلسطيني.
ومع ذلك ، من المهم التأكيد على أن إسرائيل والقيادة الفلسطينية لا تتفقان في تحديد مفهوم وماهية وجود سلطة فلسطينية قوية. بينما ينصب التركيز الإسرائيلي على اداء السلطة وتمسكها بعملية سياسية قائمة على اساس المفاوضات المباشرة مع إسرائيل ، تريد القيادة الفلسطينية سلطة قوية ليس فقط لأغراض تحسين الأداء ، ولكن لغايات تتعلق بالسيطرة السياسة والمدنية ، في ظل ظروف انعدام الشرعية – الحفاظ على هيكل السلطة الحالي مع تفضيل واضح للقيادة الحالية والمقربين منها، ولغرض تحسين القدرات والتأثير على الساحة الدولية بطريقة تزيد من فعالية استراتيجية التدويل. وهذا يتعارض تماما مع رؤية إسرائيل ، وتعرَّف في نظرهم على أنها استراتيجية شرعية ومفضلة ليست عنيفة ولا تُفسَّر على أنها دعم للمسلحين.
في الوقت الحالي، عندما تتحدى حماس ، بدعم من حزب الله وإيران ، السلطة الفلسطينية وإسرائيل ، وتعمل على تحسين قدراتها، وتعمق من قبضتها على أراضي السلطة الفلسطينية ، وتشجع استخدام الحرم القدسي كصاعق تفجير ، يمكنه أن يخلق تصعيدًا متعدد الجبهات ، يصبح موضوع تعزيز السلطة الفلسطينية أكثر تعقيدًا ومشروطًا بالضرورة بالسياسات الإسرائيلية تجاه حماس.
من الواضح الآن أن أي تحرك إسرائيلي لتقوية السلطة الفلسطينية يجب أن يبدأ بإضعاف حماس بشكل كبير لأن فكرة تقوية السلطة الفلسطينية ، والتي ستؤدي بدورها إلى إضعاف حماس ، لم تعد صالحة في ظل الوضع الصعب القائم .
مثل هذه الخطوة هي خطوة عسكرية تعمل على تشكيل الواقع و يجب أن تخدم غرضًا سياسيًا أوسع بكثير ، هدفًا يؤدي إلى عودة السلطة الفلسطينية للسيطرة الفعالة في جميع مناطق السلطة الفلسطينية ،
من خلال تعزيز قوة الاجهزة الامنية عبر برامج تدريبية مكثفة في الأردن بروح التفاهمات في مؤتمري العقبة وشرم الشيخ ، وكذلك عودة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة ،وإعادة تأهيل قطاع غزة باعتبار ذلك عنصر آخر في اتفاقات إبراهام وتوسيعها مع حشد أهم الشركاء في المنطقة العربية، إعادة ربط قطاع غزة بالضفة الغربية وتغيير اتفاقيات باريس بشكل يؤدي إلى تحسين القدرات المالية للسلطة الفلسطينية وكل ذلك في إطار استئناف العملية السياسية مع الفلسطينيين.
القوة السياسية لحماس لا تعتمد فقط على العنصر الأيديولوجي ، ولا فقط على المشاعر السلبية تجاه السلطة الفلسطينية. إن مصدر قوة حماس هو قدراتها العسكرية وسيطرتها الكاملة على قطاع غزة بفضل قوتها العسكرية والبنية التحتية للتعاون مع إيران وحزب الله ، مما يتيح لها دفع جهود بناء قدراتها العسكرية في الضفة الغربية إلى الامام .
– تحريك البنى التحتية للإرهاب وتشغيلها ، وتقويض الواقع الأمني وتقويض مكانة السلطة الفلسطينية. تظهر قيادة حماس في قطاع غزة وخارجه ثقة بالنفس تلامس حدود الغطرسة وتعمل على تنفيذ الاستراتيجية المنظمة دون تدخل إسرائيلي حقيقي.
تواصل إسرائيل العمل أمام قطاع غزة على أساس منطق الترتيبات الذي ينبثق منه الاحتواء ، وتمتنع عن أية خطوات أو ردود فعل قاسية حتى لا تقوض الواقع الأمني مع قطاع غزة ، وتمتنع عن ملاحقة قادة حماس في الخارج مع التركيز على صالح العاروري وتحركاتها ضد حماس تتميز بردود فعل تعتمد على الاحتواء والاعتدال.
إسرائيل أمام خيارات أحلاها مر
إن ضعف السلطة الفلسطينية في موازاة مكانة حماس المتعاظمة في هذه اللحظات ،وفي ضوء تآكل معين في الردع ضد حزب الله وإيران وزيادة احتمالية نشوب مواجهة متعددة الجبهات ، يضعوا إسرائيل امام خيارات احلاها مر .
في الواقع القائم بين حماس والسلطة الفلسطينية، التي تسيطر عليها فتح ، تجري لعبة “محصلتها صفر” ،
وهذا يعني أنه لا يمكن أن تكون هناك سلطة فلسطينية قوية في موازاة حماس قوية. إن إضعاف حماس يتطلب توجيه ضربة عسكرية قوية لها ، ومن أجل تحقيق هذا الهدف ، يجب إعادة صياغة الهدف الاستراتيجي الاسرائيلي في الساحة الفلسطينية ، وما يترتب على ذلك من تغيير استراتيجية العمل ضد حماس ، التي تهدف الى الحاق اضرار بالغة بقدراتها العسكرية ومنعها من اعادة ترميم قوتها من جديد .
هذا يعني مواجهة عسكرية مع حماس على شكل عمليات واسعة في قطاع غزة وضد قيادة حماس في الخارج ، والتي يجب أن تشعر بانها ملاحقة وبعدم الأمان. من الواضح أن مثل هذا الخيار الاستراتيجي له ثمن ، لذلك نحن مطالبون بالاستعداد مبكرا في الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وكذلك الاستعداد للجبهات الأخرى ، خشية من التصعيد وانضمام لاعبين اخرين سيريدون الاعراب عن تضامنهم مع حماس أو استغلال الفرصة وكذلك على الساحتين الإقليمية والدولية.
كما ذكرنا ، قبل صياغة الاستراتيجية ، فإننا مطالبون باتخاذ القرار حول ماهية الهدف الاستراتيجي الذي تريد إسرائيل الوصول إليه في مواجهة الساحة الفلسطينية ، كذلك يجب دراسة التداعيات المترتبة على شن عملية عسكرية مبلورة لا تاتي في اطار خطة سياسية اكثر اتساعا وشمولا.
في كل الاحوال، فإن توجيه ضربة قوية للقدرات العسكرية التي تمتلكها حركة حماس سيكون من أجل تقليص التحدي الذي تواجهه السلطة الفلسطينية بشكل كبير والذي يسرع من عملية إضعافها ، وإزالة عقبة أمام الخطوات الفعالة الرامية لتقويتها وتفكيك الصلات القوية بين مختلف الجبهات الذي تسعى حماس إلى فرضه على إسرائيل ومن المرجح أن يؤدي ذلك أيضًا إلى تعزيز الردع الإسرائيلي في المنطقة.
أبعد من ذلك ، وحتى إذا نجح رئيس وزراء إسرائيل في السيطرة على العناصر الأكثر تطرفاً في حكومته وفي الائتلاف ويقود الحكومة الإسرائيلية إلى استنتاج مفاده أن تحقيق المصلحة الإسرائيلية يتطلب وجود سلطة قوية وفعالة يلزمنا بالقيام بخطوات نشطة ،عندها ستكون الحكومة مطالبة بالاجابة على مجموعة الأسئلة التالية:
1- كيف يمكن إعادة السيطرة الكاملة للسلطة الفلسطينية على قطاع غزة “على حراب الجيش الإسرائيلي”؟
2- كيف يمكن توسيع إطار اتفاق إبراهام وتاسيس شراكة مع دول عربية رائدة لقيادة مشروع إعادة إعمار كبير لقطاع غزة؟
3- هل يمكن اشتراط خطوة مثل هذه بصفقة أسرى ومفقودين (سيبدو ذلك مستحيلاً لأن حماس تحتفظ بهم وبالتالي هل يجب علينا اتخاذ قرار صعب – إعادة الاعمار بدون ألاسرى والمفقودين)؟
4- ألن يؤدي تقوية السلطة الفلسطينية الى تحويلها الى خصم أكثر خطورة بسبب الدعم الإسرائيلي والعربي والدولي ، الذي قد يتحول الى رافعة لتعزيز استراتيجية التدويل الفلسطيني وتعميق الطريق السياسي المسدود ، ويلقى بالمسؤولية عن ذلك على إسرائيل؟
5- هل يمكن أن تفسر العمليات الاسرائيلية لتقوية السلطة الفلسطينية على أنه عملية “هندسة سياسية” ، بمعنى اخر تدخل في السياسة الداخلية الفلسطينية وصراعات الخلافة ، الامر الذي قد يقود إلى إضعاف السلطة الفلسطينية ، التي سينظر إليها الجمهور الفلسطيني على أنه متعاونة مع إسرائيل وتخلد الاحتلال ، بشكل أكثر خطورة من التصور السائد اليوم ؟ وكيف يمكن تقليص تبعات هذا الامر ؟
6- في حال نجحت إسرائيل في التأثير على السلطة الفلسطينية مقابل جهودها لتقويتها ، وبالتالي اقناعها بالعودة إلى العملية السياسية ، ما هو الهدف الاستراتيجي لإسرائيل والأهداف المحددة لهذه العملية السياسية وما هي التداعيات المحتملة في حالة فشلت مرة آخرى ؟ هل ستكون إسرائيل قادرة على حشد دعم إقليمي ودولي (أميركي بالأساس) لأهداف العملية السياسية كما تراها او وفق تصورها ؟
7- في ظل عدم اي وجود فرصة لتحقيق اختراق سياسي من شأنه أن يدفع الأهداف الاستراتيجية لإسرائيل قدما الى الامام وفي ضوء تقدير الموقف حول الاحتمالات المتدنية لتحسين وضع السلطة الفلسطينية بشكل ملحوظ ، ألن يكون من الأنسب لإسرائيل أن تستثمر جهدها في مشروع مستقل / أحادي الجانب او التحرك بروح صفقة القرن؟
في ظل الظروف السياسية القائمة ، من غير المحتمل أن تتوصل الحكومة الإسرائيلية إلى تفاهم واتفاق داخلي بشأن الحاجة إلى تقوية السلطة الفلسطينية ، أو على الأقل التوقف عن العمل لإضعافها .
وبالتالي فإن الحكومة الحالية لا تجد نفسها امام ضرورة اتخاذ قرار استراتيجي بشان مسالة القيام بخطوات لتقوية السلطة الفلسطينية ، على الرغم من أن ضعف السلطة الفلسطينية يمس المصالح الإسرائيلية. خطوة بهذا الحجم لا يمكن أن تقودها إلا حكومة وحدة وطنية تحظى بدعم شعبي واسع. من ناحية أخرى ، فإن مكانة السلطة ضعيف وإشكالي للغاية لدرجة أنه من المشكوك فيه أنه يمكن اعادة تاهيلها في ظل الظروف الحالية.
ملخص وتوصيات
بالنظر إلى ظروف الصراع متعدد الأوجه الذي تزداد فرص اندلاعه ، حتى لو كان في مركزه فلسطينيا في هذه المرحلة ، وإيران لا توفر سوى الإلهام والغطاء ( عندما يتعلق الامر بالعمل من جنوب لبنان كجبهة أخرى ضد إسرائيل) و عندما يتضح أن حماس تزداد قوة بينما يضعف الردع الإسرائيلي تجاهها ، فإن أي تحرك لتقوية السلطة الفلسطينية باعتباره جزء من هدف استراتيجي واسع ، وهو استئناف العملية السياسية مع الفلسطينيين ، يجب أن يبدأ بإضعاف حماس.
وتغيير قواعد اللعبة ومعادلة الردع ضدها. بالإضافة إلى ذلك ، من أجل ضمان نجاح الخطوات الرامية لتعزيز مكانة السلطة الفلسطينية ، يجب على إسرائيل إعادة الساحة الفلسطينية إلى واقع ما قبل عملية كاسر الأمواج ، وتوجيه ضربة للنظام (الإرهابي )وتفكيك بنيته التحتية. لهذا الغرض ، يلزم إعادة التفكير في استراتيجية العمل ، لأن الاستراتيجية التي تتمسك بها إسرائيل منذ ايار 2022 لم تكن قادرة على إحداث الأثر الاستراتيجي المنشود الهجوم ( الإرهابي) الموجه ضد إسرائيل لم يضعف، لا بل اتسعت دوائر الإرهاب من حيث حجمها وعدد المشاركين الفعالين فيها ، ولم ينخفض مستوى الدافعية، وتحظى رواية المقاومة المسلحة بدعم متزايد من الفلسطينيين.
إن احتمال نشوب صراع متعدد الجبهات، تكون ايران هي المحرك فيه، يقوي حاجة إسرائيل لساحة فلسطينية هادئة وأقل رغبة وحماسا للانضمام إلى الصراع متعدد الجبهات .
يمكن أن تكون سلطة فلسطينية قوية عنصرا مهما ومفيدا لهذه الغاية بالتأكيد ،غير ان إسرائيل لا تستطيع بلورة استراتيجية فعالة لتقوية السلطة الفلسطينية بمفردها ،
لانه من دون ان يكون لها هدف سياسي محدد يُفترض فيه أن تؤدي العمليات العسكرية المبلورة إلى تحقيق ذلك الهدف ، ومن دون خلق رد فعال يعزز الردع ضد حزب الله ويضعف الإلهام والتاييد الإيراني فان حالة عدم اليقين ستكون مرتفعة . من أجل تقليص المخاطر ، يجب على إسرائيل أن تجد طريقة لحشد الدول العربية المهمة والمجتمع الدولي إلى جانبها في هذه الجهود .
مع التركيز على الولايات المتحدة. فقط حكومة وحدة وطنية يمكنها أن تقوم بخطوة شاملة من هذا النوع إذا لم تنجح إسرائيل في استنفاد مثل هذا الجهد بنجاح ، فسيكون من الافضل لها أن تفكر في خطوة من طرف واحد تعمل على تشكيل الواقع ، ولغرض تحقيق ذلك نحتاج إجماعًا شعبيًا واسعًا ، والذي لا يمكن تحقيقه أيضًا إلا من خلال حكومة وحدة وطنية. وحدها حكومة الوحدة الوطنية هي القادرة على اتخاذ قرارات صعبة وحاسمة وتنفيذها بنجاح.
في الختام ، فإن وجود سلطة فلسطينية قوية وفاعلة هو في مصلحة إسرائيل. ومع ذلك ، فإن تقوية السلطة الفلسطينية لا يمكن أن تشمل صدقات مجانية أو خطابات جوفاء، يجب أن يشمل إضعاف حماس وإطلاق عملية سياسية، يجب محاربة الإرهاب بكل الطرق ، وإضعاف حماس على نطاق واسع.
ومع ذلك ، يجب ألا تتحقق هذه الإنجازات العملياتية بدون إطار استراتيجي أوسع يشمل الجهد السياسي لمنع الانزلاق إلى واقع الدولة الواحدة.





