الايام -يوسف الشايب:لم تُمهل طائرات الاحتلال الإسرائيلي الفنان البصري والرسّام الفلسطيني، الشاب محمد سامي قريقع (24 عاماً)، ليكمل مشاريعه الفنيّة المغايرة التي أطلقها أو شارك في إطلاقها قبل أشهر، أو أن يتابع مهمته في تخفيف الضغوط النفسية على الأطفال الفارّين برفقة أسرهم إلى ساحات “المستشفى الأهلي المعمداني”، هو الذي لطالما رسم الابتسامة على وجوههم وصنع الأمل في دواخلهم، عبر مشروع “بالأمل نحيا”، فقد كان من بين المتطوعين الذين كانوا يقومون بتعليم الفن للأطفال، قبل أن تنتهي رحلته القصيرة برفقة جلّ الأطفال الذين كان برفقتهم بجريمة قصف المستشفى، مساء السابع عشر من تشرين الأول 2023.
وكان الفنان الشهيد، المولود في العام 1999، أطلق قبل قرابة العام مشروعه “كود الروبيك”، الذي يجمع بين الفن والتكنولوجيا للدفاع عن الرواية الفلسطينية، عبر تقنية المسح الضوئي (الباركود)، فعبر لعبة “مربّع روبيك” ولوحات و”إسكتشات” تنقل معاناة الفلسطينيين، تناول قريقع قضايا عدّة كقتل المدنيّين العزّل، ولم يكن يعلم، وقتذاك، أنه سيكون أحدهم، والقصف، الذي طاله والمئات في “المعمداني” بعد أقل من عام، والاعتقال، والحصار، والتهويد، وغيرها، بحيث ينقل إلى العالم الذي لم يكن يعرف أنه أعمى، ما يحدث في فلسطين من مآسٍ بسبب احتلال يواصل إجرامه بل ويزيد منذ أكثر من خمسة وسبعين عاماً، بمسح “الباركود” أو تقنية الـ (QR)، التي اتجه إليها العالم في ظل حصار “الكورونا”، هو الذي كان قد ابتلي ومعه أكثر من مليونَي وثلاثمائة ألف في قطاع غزة بحصار أشرس، زاد على خمسة عشر عاماً.
ويحوي “كود الروبيك” على صور ورسومات وفيديوهات لأعمال فنيّة من تنفيذ قريقع، عمد من خلالها إلى اختراق حصار خانق يحول دون معرفة الكثيرين، في ظل انحياز الإعلام الغربي لرواية الاحتلال، عمّا يحدث في غزة، ولم يكن يعلم أن جريمة اغتياله وقرابة خمسمائة آخرين بينهم الكثير من الأطفال في “المعمداني” ستكون هي الأخرى ضحية هذا الانحياز أيضاً، فرؤساء وقادة ما يعرف كذباً بـ”العالم الحرّ”، أو “العالم المُتحضّر”، تبنّوا رواية الاحتلال دون تردد، وبطبيعة الحال دون تحقق.
وفي العام الماضي أيضاً قام خرّيج جامعة الأزهر في غزة، وفي إطار مساعيه لإنشاء تجمّع لفناني الكوميكس بغزّة، أنشأ هو المهتم بهذا النوع من الفنون، برفقة الفنانين: خالد جرادة، وحلا العبسي، وهبة شحتوت، وآلاء الجعبري، وجهاد جربوع، وفاطمة الهوبي، وبيان أبو نخلة، وتامر كحيل، وغيرهم، مجلة “ترانزيت”.
و”ترانزيت” مجلة رقمية فلسطينية تهتم بفن الكوميكس تأسست بدعم من مؤسسة عبد المحسن القطّان ضمن منحة “حِراكات” 2022، لها صفحة على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، وكان آخر ما نشرته قبل السابع من تشرين الأول، وتحديداً في الرابع من الشهر الماضي، قصة مصوّرة لقريقع بعنوان “تقلقش” تناول فيها قصة انقطاع التيار الكهربائي لفترات طويلة، وبالتالي الاتصال بشبكة الإنترنت عن القطاع المحاصر، وهو الانقطاع الذي تكرر ولكن بشكل كامل، وشمل الاتصالات أيضاً، بفعل الاحتلال، ليعزله أكثر عن العالم لأكثر من مرّة، لعله يمرّر جرائمه دون شهود ينقلونها إلى العالم، في حين عمّمت المجلة قصّة مصوّرة عنه بالإنكليزية، وعلى لسانه، في اليوم التالي لاستشهاده، مرفقة بعبارة “وداعاً حبيبنا وصديقنا محمد سامي”، أنجزتها الراوية البصرية والفنانة اللبنانية لينا مرهج.
وكان محمد سامي عضواً في “مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي”، وقد نعته المؤسسة عبر حسابها على “فيسبوك”، قائلة: “شكّل محمد سامي روح المرسم في مؤسسة تامر.. كان فاعلاً في كلّ مبادراتنا وكل خطواتنا وأنشطتنا، كان أول المتطوّعين، وآخر المغادرين.
كذلك شارك قريقع في فيلم تسجيلي قصير بعنوان “المطار”، يرصد حلماً لم يتحقّق بأن يعود لغزة مطارها الدولي الكبير، الذي دمّره جيش الاحتلال الإسرائيلي في العام 2001، أي بعد ثلاث سنوات فقط على افتتاحه، ويظهر فيه وهو يمسك ريشته ويخطّ على أحد جدرانه المهدّمة “هنا مطار غزة”.
في الرابع عشر من تشرين الأول الماضي، كتب قريقع، عبر حسابه على “فيسبوك”، منشوراً طويلاً يوضّح فيه نزوحه من حيّ الشجاعية إلى “المستشفى المعمداني”، مع مئات العائلات، وكيف لم يتورّع جيش الاحتلال الإسرائيلي عن قصف المباني المجاورة للمستشفى، وممّا جاء فيه: “قبل قليل تعرّض هذا المكان لهجمة همجية من قِبل الاحتلال الإسرائيلي، وضرب أحد المباني الخاصة بالمستشفى بشيء أشبه بصاروخ، يحمل صوتاً مُخيفاً ومرعباً جدّاً، في واجهته التي يجلس وينام تحتها هؤلاء المدنيّون، ما أدّى إلى إصابة متوسطة لطفل صغير ليس له أي ذنب وهو في حضن والدته وبين الناس”.
أما الفيديو الأخير له في حسابه على “إنستغرام”، وكان قبل أربع وعشرين ساعة على استشهاده، فيظهر أطفالاً يلعبون في إحدى ساحات “المستشفى الأهلي المعمداني”، بحيث يقتربون من بعضهم ليشكلوا حلَقة يقف هو وسطها مليئاً بطاقة رهيبة، على خلفية نشيد “سلامٌ لغزّة سلام سلام”.





