الايام – بديعة زيدان: تحت عنوان “اللغة العربية في ساحات الوغى: دراسة في الأيديولوجيا والقلق والإرهاب”، صدر للبروفيسور ياسر سليمان معالي، كتاب عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في قطر، كتاب يتضمن أربعة فصول تتمحور حول مواضيع الترميز والوصل والفصل والمغايرة، والأيديولوجيات اللغوية وتداخلها مع الرمز، و”القلق” و”القلق اللغوي” و”القلق اللغوي العربي”، واللغة العربية والإرهاب، والسياسة اللغوية الأميركية، وغيرها.
من الأمور المهمة في اللغة عموماً التمييز بين دور اللغة الأداتي (من الأداة) ودورها الترميزي (من الرمز)، فالأداتي يختص بوظيفة اللغة التواصلية التي توفّر وسائل للتواصل تتيح قضاء الجماعة حاجاتها، باعتبار وظيفة اللغة الأساسية هي التواصل الذي لا تستقيم الحياة من دونه، لذا انصبّ اهتمام علماء اللغات عبر التاريخ على دراسته وتقنينه، ومحاولة فهم تمثّلاته الذهنية لفك شيفرة التداول بين البشر صوتيّاً وكتابيّاً.
أما الدور الترميزي للغة، فقد هُمِّش نتيجةَ الاستغراق في دراسة دورها الأداتي.. وتكون اللغة انطلاقاً من الدور الترميزي رمزاً مجتمعيّاً يُستدَلّ به على الجندر، ومستوى الأفراد التعليمي أو الطبقي، والدين والمعتقد، والانتماء السياسي، والولاء الإثني، والمواطنة أو القومية، والعلاقة بالماضي.
وعلى سبيل الاختصار، تتعلق وظيفة اللغة الترميزية بالقضايا التي وصفها سليمان بـ”الما ــ بعد لغوية” فتربطها، والحالة هذه، بعوالم الاجتماع والسياسة والاقتصاد والإعلام والتاريخ، وغيرها، وهو ربطٌ تؤدي دراسته إلى إثراء فهمنا ظاهرةَ اللغة بوصفها مُنتجاً ثقافيّاً متشعباً ومتشابكاً.
ويذكر سليمان في كتابه الثرّي، إلى أنه، ولعدم إيلاء الدرس اللساني الحديث الاهتمام الكافي أسباباً، ذكر منها: تعارض النظر فيه مع منطلقات تأسيسية في اللسانيات الحديثة، مثل “مبدأ تساوي اللغات” و”ديمقراطية المعرفة” وغيرهما، واستعصاء التقنين المنهجي الذي تلتزم به اللسانيات للانخراط في سلك العلوم الملتزمة صرامة المناهج والمعايير، والمُمأسسة على أعراف وتقاليد لا تعدُّ اللغة، بوصفها رمزاً، أي شأناً لسانيّاً مُهمّاً، وهو توجه يشبه توجّس البعض من الدراسات البَينيّة أو “عبر التخصصية” في العلوم الاجتماعية، لأنّها ترفض الغوص في العلوم “البحتة”، وتصدر عن منهجيات انتقائية لتبقى على الهامش.
وعلى الرغم مما سلف، فقد خُصص كتاب “اللغة العربية في ساحات الوغى” لدراسة دور اللغة الترميزي من خلال الأيديولوجيا اللغوية، والقلق اللغوي، والإرهاب، كما عُدّ الصراع السياسي والاجتماعي في الكتاب منطلقاً لإذكاء دور اللغة الترميزي في التعبير عن القضايا المجتمعية “الما – بعد لغوية”، فاللغة عادة لا يؤبه لها في الحياة اليومية العادية التي تتسم بالرتابة، أما في حالات الصراع فإنها تطفو إلى السطح، وخصوصاً الصراع الهُويّاتي الجماعي، لترسم الحدود بين الـ”نحن” والـ”هُم”، والـ”مَع” والـ”لا-مَع”، ولتفرز الصديق من العدو، في حين لا يعني انخراط اللغة ترميزياً في الصراعات أنها سببها، بل هي بعدٌ من أبعادها وعرَض من أعراضها وإفراز من إفرازاتها مختزنة في ذاكرة الشعوب، التي تَستخدم الدورَ الترميزي للغة في شكل لاإراديّ خلال الصراع لتعبّر عمّا قد يكون محظورا من دون أن تُجرّم نفسها، حسب سليمان الذي يضرب في كتابه هذا أمثلة على ذلك من خارج اللغة، ليوضح ارتباط الموضوع اللغوي بقوّة بقضايا المجتمع “الما – بعد لغوية”؛ ما يسمح بالربط بين الدرس اللساني وعوالم السياسة والاجتماع.
ومن وحي العنوان، اختار الكتاب من ساحات الوغى (ميادين القتال) في مضمار بحثه: الأيديولوجيا، والقلق، والإرهاب، واستعمل كلمة “الوغى” دون مرادفاتها الأخرى، كـ”القتال” و”الحرب”، لأنّ كلمة “الوغى” هي القتال مع تداخل الأصوات والضوضاء والجلبة، وهو تمثيل من المؤلِّف لاختلاط مماثل في الأيديولوجيا والقلق والإرهاب.
وحول اللغة العربية والترميز في الصراع العربي الصهيوني في فلسطين، أكّد سليمان في كتابه أن الصراع العربي الصهيوني في فلسطين “حلبة غنيّة لدراسة بعد اللغة الترميزي”، لافتاً إلى أن أطراف الصراع أدركوا أبعاده منذ نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، إلا أن حدّة هذا الإدراك بين الطرفين اختلفت باختلاف العوامل الموضوعية التي كانت تحيط باللغتين، فقد أولت الحركة الصهيونية الموضوع اللغوي في هذا الصراع اهتماماً خاصاً، ببعديه الرمزي والأدائي، كلازمة لإنشاء دولة استيطانية لليهود استدعت إحياء اللغة العبرية، وإخراجها من عالم اللاهوت إلى عالم الناسوت، بل و”صهينتها” في آن واحد، أما اللغة العربية، فكانت لغة أهل البلاد الأصليين، مسلميهم ومسيحييهم ويهودهم، في إقليم كانت فيه وما زلت لغة الأكثرية الساحقة، ما أشعر أهلها بالأمان تجاهها، ولذلك لا عجب أن اهتمام الفلسطينيين في النصف الأول من القرن العشرين كان مرتكزاً على حماية تراثهم الوطني ضد الاستيطان الصهيوني في الدرجة الأولى، ولم يكن الشأن اللغوي من أولوياتهم الملحة، فالعربية لم تكن في خطر حتى قيام إسرائيل، عندما تحوّلت من لغة الأكثرية إلى لغة الأقلية الأصلانية، كما يسمى الفلسطينيون في إسرائيل ودخلت اللغة العربية في دينامية صراعية جديدة.
ومثّل سليمان على ذلك بالشأن اللغوي في ما سمي قانون الجنسية الإسرائيلي اختصاراً، عوضاً عن الاسم الأصلي: قانون أساسي: إسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي، وهو القانون الذي سنّه “الكنيست” في 19 تموز 2018، وهو قانون ذو صفة دستورية باعتبار أن لا دستور بالمعنى القانوني للدستور لإسرائيل، مشيراً إلى أن هذا القانون لا يرسم حدود إسرائيل، إلا أنه يعتبرها الحيّز الذي يمارس فيه الشعب اليهودي حقه التاريخي في تحقيق مصيره، وأنه لا يحق لغيره ممارسة هذا الحق على أرض الشعب اليهودي التاريخية، مهما كانت حدودها جغرافيّاً وديمقراطيّاً.
وفي هذا الجانب، لفت سليمان إلى أنه “لا غرابة في أن يشمل هذا القانون الشأن اللغوي باعتباره حلبة تمارس فيها الأغلبية تسلطها على حقوق الأقلية ورموزها الهويّاتية، فقد نصت المادة الرابعة، تحت عنوان “اللغة”، على أن “العبرية هي لغة الدولة الرسمية الوحيدة، وأن اللغة العربية ستكون لغة ذات مكانة خاصة، وهو أمر يفقدها الصبغة الرسمية التي كانت تتمتع بها منذ أيام الانتداب البريطاني، حتى صدور هذا القانون”.
وشدّد سليمان على محاولات المدافعين عن هذا القانون، “تبرير ما شرّعه في الشأن اللغوي بأن حضور اللغة العربية في أجهزة الدولة (إسرائيل) كان ينحصر في بعض المجالات، كالتعليم والإعلام، وأنه كان محدداً في مجال الإعلام، وأن حاجة الأقلية العربية إلى العربية خارج الوسط العربي أقل كثيراً ممّا كانت عليه في العقود الأولى لإنشاء الدولة، بسبب انتشار العبرية بين أفراد هذه الأقلية، وأن الأغلبية لا تحتاج إلى العربية في معاملاتها اليومية، وهذا يجعل ما نص عليه القانون الأساسي في الشأن اللغوي “تحصيل حاصل”، لا يغيّر الممارسة الفعلية في المجتمع، بل يعكس الواقع المعيش على الرغم من رسمنة اللغة العربية حتى تاريخ صدور هذا القرار.
واللغة العربية في رأي المدافعين عن القانون الأساسي، لم تكن رسمية إلا شكلياً فقط، وهذا لا يبرر رصد المال والجهد في دعم هذه اللغة تداولياً في كل المجالات، مساواة بلغة الأكثرية اليهودية، فإنهم يغفلون عن غير قصد، أو يتجاهلون عن قصد، أن بيت القصيد ليس التداول وارتباطه بالدور الأداتي للغة، بل المعاني الرمزية التي تعبر عنها اللغة العربية في حياة الأقلية الأصلانية، مع ضرورة الاحتراز في استخدام تعبير “السكان الأصليين” في الحالة الفلسطينية، فاللغة العربية لدى هذه الأقلية هي رمز من رموز هويتها القومية، وكونها رسمية في إسرائيل، وشاهداً على استمرار هذه الأقلية تاريخياً على أرضها، فهذا يعكس مرحلة من مراحل التاريخ القريب، كانت فيها العربية لغة الأكثرية.
وللاستدلال على النفس العنصري الذي يسري في عروق هذا القانون في الشأن اللغوي، أشار سليمان إلى الدعوى التي رفعها المحامي الفلسطيني نزار بكري ضد بلدية “كرميئيل” الإسرائيلية، وأنشئت العام 1964 لتكون مدينة يهودية، وفحواها المطالبة بدفع أجور المواصلات التي تتكبدها عائلة شقيقه في إرسال ابنيهما إلى مدرسة عربية في بلدة مجاورة لانعدام المدارس الناطقة بالعربية في المدينة التي يسكنها 2760 عربياً في العام 2020، لكن القاضي يانيف لوزون رفض الدعوى، معللاً بأن “كرميئيل” مدينة يهودية، وقانون الجنسية الإسرائيلي، يوجب عليها تطوير الوجود اليهودي في الدولة، وأن الاستجابة لطلب المحامي قد تؤدي إلى خلل ديمغرافي في المدينة جرّاء تشجيع الفلسطينيين بالرحيل إليها، في حين برر نائب رئيس بلديتها الرفض بأنه يمنع الشغب بين العرب الفلسطينيين واليهود، ويحول دون زيادة الوجود العربي في المدينة، والذي قد يفضي إلى أن يطالب العرب بمدارس عربية بل ومساجد فيها.
واختصر سليمان فكرة الكتاب الثريّ والمُغاير والعميق وغير المسبوق، والمليء بالتدليلات داخل وخارج الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بأن “التطاول على اللغة هو تطاول على الشعب والوطن”، وبأن “الرمز في حالات الصراع، في مخاطبته للقلب والوجدان، أشدّ فتكاً وتأثيراً من الأداة في توجهها نحو المنفعة”.





