الايام -يوسف الشايب:تمكّن الفنان الفلسطيني زيد عيسة، في معرضه “هنا القدس، نحن هنا”، واحتضنته، مساء أول من أمس، قاعة الجليل في متحف محمود درويش بمدينة رام الله، من أنسنة قبّة الصخرة، متكئاً على تقنيّة الفن الرقمي (Digital Art)، في لوحات تشكل مشروعاً مُغايراً بدأ فيه منذ العام 2009.
في ذلك العام كان يجلس في أحد المنازل، وأمام ناظريه صورة بإطار مُذهب كبير لقبّة الصخرة المشرفة في القدس، فدخل في تفاصيل الصورة، قرر أن يُخرج البناء من إطاره الذهبي، وتحويله إلى حالة عامة، تشارك الفلسطينيين يومياتهم، بل وتحويل القبّة إلى ثائر غاضب مقاوم تارة، يرمي الحجارة على المحتل، أو يعاني من انتهاكات تتواصل منذ النكبة أو يزيد.
وبالاتكاء على المزج، عبر برنامج غرافيكي، بين التصوير الفوتوغرافي للجسد والموتيفات الزخرفية والخطيّة وتكوين القبّة الذهبي، يرى المتجوّل بين صور أو لوحات أو اللوحات المصوّرة في المعرض، قبة الصخرة تعتلي رؤوس اللاجئين من الجنسين رفقة حمامتهم وبطّتهم وسلة القش ومفتاح العودة العملاق، وشيء من نباتات أرض، ونراها غطاءَ رأسٍ لمجموعة سيّدات فلسطينيّات يرتدين الأثواب التقليدية المطرزة من عديد المدن، أو رأساً لمقلاع عملاق يحمل زخرف مبنى القبة كما في حال جلّ أعمال المعرض، حيث تعتلي رأس الطفل الزاحف نحو المستقبل، أو قمّة عصا المسنة التي شكلت زخارف القبّة ملامح لوجهها، وغيرها الكثير من بين مجموعة كليّة تكاد تلامس الثلاثمائة لوحة مُصوّرة.
وهذا المعرض، الذي نظمته الجمعية الفلسطينية للفن المعاصر (باكا) برعاية وزارة الثقافة ممثلة بالصندوق الثقافي، وبالشراكة مع مؤسسات إعلامية عدّة، يأتي ضمن مشروع فنّي لعيسة يهدف إلى تحرّر القدس وتمرّدها على وضعية السكون الصامت الذي تعيشه منذ سنوات طوال، وتثبيت حق القدس في الوجود وممارستها حريتها كبقية مدن العالم، والتأكيد على قدرتها كعاصمة أبدية للدولة الفلسطينية المنشودة على ربط وتثبيت جذورها أكثر في قلب كل فلسطيني، وعربي، وحرّ في كافة أنحاء العالم، وزيادة وعي الأجيال الحاضرة والمقبلة بأهمية القدس في حيواتنا، كما أنه، ووفق كتيّب المعرض، الذي صاغه صاحبه، يهدف أيضاً إلى أن يشكل دعوة فنيّة تبدو كمحاكاة بين القدس خاصة وفلسطين عامة والثقافات والعوالم الأخرى، ومدّ جسور للتعرف عليها عبر الفن، وصناعة حياة واقعية، خاصة لغير القادرين على الوصول إليها، كما أن المشروع، ومن ضمنه معرض “هنا القدس، نحن هنا”، يرمز إلى رغبة المدينة المقدسة بقتل الصمت العربي المتواصل إزاء ما يحصل فيها، مؤكدة أنها دائمة الحركة، دون كلل أو ملل، أو استكانة.
من جهته، شدّد وزير الثقافة عماد حمدان، على أهمية معرض الفنان زيد عيسة، لجهة الدلالات والرمزيّات الوطنية، حيث القدس تحضر كما غزة وكل فلسطين، ولجهة التكوين البصري أيضاً، مشدداً على أهمية الثقافة الفلسطينية كفعل وطني، وكمنتج مُنافس عالميّاً في كافة المجالات المنضوية تحت إطارها، منذ الروّاد.
وأكد الفنان أسامة نزال، مدير جمعية “باكا”، على دور الفن المتواصل في دعم القضية الفلسطينية، باعتباره أداة مقاومة وصمود، ووسيلة لتعزيز الرواية الوطنية في مواجهة رواية المُحتل، وتوثيق أحداثها وأرشفتها بطرق مختلفة، مشدداً على ما تميّزت به أعمال الفنان زيد عيسة بما اشتملت عليه من رسائل، ودلالات، وبتقنية فنيّة مُغايرة ومُتفرّدة.
وكان عيسة، أكد في حديث لـ”الأيام”، إلى أنه، وعبر تكوينات هذا المعرض، أراد أن يُخرج القدس، ممثلة بقبّة الصخرة من إطارها، ومن البرواز الذي يحول دون انطلاقها، بحيث تكون جزءاً من واقع أبناء شعبها، تعيشه وتعايشه، بل وتشاركهم يوميّاتهم، مشيراً إلى أنه زار قبّة الصخرة مرّة واحدة، في رحلة مدرسية حين كان في الصف الرابع الابتدائي، حيث وقف في دهشة أمام “هذا العملاق العربي الأصيل”، يتمعن في البناء والتصميم والكتابة والفسيفساء، في “هذا الخليط الرائع الذي يكسو هذا البناء”، قبل العودة إلى جنين، وقتذاك.





