بعد ثلاثة وعشرين شهرا من تصاعد الحروب الإسرائيلية الأمريكية على شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة والضفة والقدس، تستجمع القوى الاخوانية كل ادواتها الميدانية والاعلامية المدعمة بجيوش الذباب الإلكتروني،لشن هجمة منظمة على دول عربية مستهدفين بشكل خاص جمهورية مصر العربية والمملكة الاردنية الهاشمية، ومحملين هذه الدول مسؤولية حروب الإبادة والتجويع والتطهير والتهجير، في تغاض عن المتسببين بهذه الحروب وهم دولة الاحتلال وحكومتها الصهيونية الدينية اليمينية المتطرفة وشركاؤهم، وتجاهل لمن وفر الذريعة المناسبة للعدو الصهيوني للمباشرة بتنفيذ مخططاته الاستراتيجية الجاهزة منذ عقود بانتظار الفرصة والذريعة.
الملفت في توقيت هذه الهجمة هو تزامنها مع انعقاد المؤتمر الدولي بقيادة سعودية فرنسية لتجسيد قيام الدولة الفلسطينية ، والذي لم يتأتى عن طريق الصدفة. فهذا التزامن يعكس حقيقة المأزق الذي تعيشه هذه القوى لادراكها أن نجاح هذا المؤتمر يهدد وبشكل جدي موقعها في القطاع وفي الساحة الفلسطينية بشكل عام، ويعطي دفعا لاعترافات عالمية واسعة بدولة فلسطين تعزز دور السلطة الوطنية الفلسطينية وتكرس شرعيتها وحقها بإدارة كل أراضي دولة فلسطين ضمن معادلة:دولة واحدة، شرعية واحدة، سلاح واحد،وقانون واحد. ولذلك لم تسعفها عبقريتها لاقتناص اللحظة والانفتاح على خيارات إنهاء هذه الحروب وانقاذ أبناء شعبنا من الإبادة والتجويع والتهجير، واستغلال الزخم العالمي لتجسيد قيام الدولة الفلسطينية، واتخاذ القرار الشجاع بالذهاب العاجل لتسليم ملف المفاوضات والمشهد برمته للشرعية الفلسطينية القادرة وحدها على ربطه بالملف الوطني بتفويض الكل الفلسطيني، وبتسونامي دعم عربي ودولي. وإنما على العكس من ذلك ، توجهت وبالتكافل مع بقايا الحركة الاخوانية في دول عدة لفتح جبهات الصدام مع مصر والأردن واتهامهما بالشراكة مع دولة الاحتلال في تجويع أبناء شعبنا ومحاصرتهم في محاولة يائسة للهروب إلى الأمام. ففي الوقت الذي تحاول فيه دولة الاحتلال هندسة الفوضى في القطاع وافشال أي عملية حقيقية لإدخال المساعدات، تعمل الحركة مع أجهزة الاخوان في الإقليم والجوار على محاولة سلخ فلسطين عن عمقها وامتدادها العربي من خلال حملات التضليل الشرسة على الجوار العربي. فالاعلام التابع لهم يسلط الضوء دائما على معاناة أهلنا عند معبر رفح لتحميل مصر المسؤولية الإنسانية والاخلاقية، متجاهلين عن قصد حقيقة أن جيش الاحتلال هو من يسيطر على المعبر من الجانب الفلسطيني للحدود، وهو الجهة الوحيدة التي تعطل دخول المساعدات وتمنع وصول الإغاثة لأبناء شعبنا الفلسطيني، ما يجعل دولة الاحتلال الجهة المسؤولة قانونا عن الجريمة سواء أمام محكمة العدل الدولية أو بموجب اتفاقيات جنيف والأعراف الدولية.كما أن إعلام الاخوان الذي يبث من الخارج يتقاطع مع خطاب الحركة الاعلامي لتعزيز حدة الهجمة على القاهرة، والهدف خلق نوع من “البيئة السياسية ” التي تحمل مصر مسؤولية الحصار وليس إسرائيل ومن معها من حلفاء وشركاء.
نستعرض هذه الوقائع ليس من باب الدفاع عن هذه الدولة أو تلك مهما كانت قريبة أو بعيدة، عربية ام اجنبية، فالجميع بشكل أو بآخر مقصرون ، دولا وشعوبا. فأمام هول جرائم الاحتلال ووحشيته، ورغم كل ما شاهدناه من تعاطف وتظاهرات واعتصامات في كل أرجاء المعمورة،فقد كان حريا بشعوب العالم لا سيما الحر منذ البدايات أن تترجم تعاطفها بممارسة أقصى وسائل الضغط على حكوماتها لعزل هذا الكيان عالميا واجباره على وقف العدوان. لكن هذه الهجمة المنظمة للجماعات الاخوانية وبالتحديد على مصر، والتي انطلقت بتوقيت موحد في دول وعواصم عديدة، تحمل في طياتها اهدافا لا علاقة لها بالتجويع والابادة، وإلا كيف يمكن أن نفهم تلك المظاهرات المنظمة من قبل الحركة الاسلامية واخواتها في دولة الاحتلال والتي يقودها رائد صلاح وكمال الخطيب. هذه الحركة التي كانت ومنذ بدء حرب الإبادة غارقة في موت سريري رغم كل مجازر الاحتلال. وهنا يبرز السؤال حول وظيفة الاحتجاجات واهدافها. فهؤلاء النشطاء في الحركة لم يتظاهروا ضد من يقتل ذويهم في غزة، بل اختاروا توجيه الغضب نحو السفارة المصرية، مما يدل على استراتيجية سياسية يمكن أن تفسر كجزء من مخطط لتحويل الانتباه عن الاحتلال الاسرائيلي، وكذلك تمثل انعكاسا للعوامل المعقدة التي تحكم النظرة الاخوانية للنظام في جمهورية مصر العربية بعد ازاحتهم من الحكم وعرقلة مشروعهم على صعيد الإقليم. وبذلك فإن تلك المظاهرات في تل أبيب من قبل هذه الجماعة تقدم خدمة مجانية للاحتلال لتبرئة نفسه من حرب التجويع. فالاحتلال لا يريد فتح معبر رفح إلا للتهجير. كما أن منح سلطات الاحتلال تصريحا لتنظيم هذه المظاهرات يكشف تطابق الأهداف بين هذه الجهات، وذلك لتهميش الثقل العربي في دعم القضية الفلسطينية. هذا الثقل الذي وجد ترجمته في مخرجات المؤتمر الدولي لتجسيد حل الدولتين وقيام الدولة الفلسطينية، كما في تسونامي الاعترافات العالمية القادمة والعازلة لإسرائيل ولهذه القوى على حد سواء. فهل تراهن حماس ،وبعقلها الاخواني، على إمكانية سماح إسرائيل لها بإبقاء سيطرتها على القطاع لتأمين استمرار الانقسام واجهاض قيام الدولة الفلسطينية ولو على حساب حياة من تبقى من اهلنا في القطاع!!!





