منذ أن وُلدت السلطة الفلسطينية من رحم اتفاق أوسلو، كان الرهان الفلسطيني الواضح هو تثبيت الوجود السياسي والشرعي للشعب الفلسطيني على الخريطة الدولية، حتى في ظل بقاء الاحتلال جاثمًا على الأرض، بل وداخل مناطق يفترض أن تخضع لسيادة هذه السلطة. هذه المعركة ليست ترفًا سياسيًا، بل هي خط الدفاع الأول عن هوية وحق شعب يسعى لانتزاع حريته في وجه قوة احتلال غاشمة تضرب بكل الأعراف والمواثيق عرض الحائط.
جوهر الاستراتيجية
القيادة الفلسطينية تدرك أن ميزان القوة العسكري يميل بالكامل لصالح الاحتلال، لكن ساحة القانون الدولي والرأي العام العالمي لا تزال أرضًا قابلة للمواجهة. الاعتراف بفلسطين، حتى وهي تحت الاحتلال، يفرض على العالم التعامل معها كدولة قائمة تحت الاحتلال، لا مجرد كيان إداري أو سكان تحت سلطة عسكرية. بهذا، يتم إحراج إسرائيل سياسيًا وتفكيك روايتها التي تنكر وجود شريك أو كيان وطني حقيقي.
أبعاد الخطر على إسرائيل
توسع الاعتراف بفلسطين يعني:
1. ملاحقة إسرائيل قانونيًا كدولة تحتل أرض دولة أخرى، وليس كطرف في نزاع حدودي.
2. تجريد الاحتلال من شرعية الأمر الواقع وإحلال شرعية دولية مضادة مكانه.
3. فتح الباب أمام العقوبات والمقاطعة كما حدث مع نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.
العقبات الداخلية وصراع الأجندات
ورغم أن المعركة مع الاحتلال تتطلب وحدة الصف الوطني، إلا أن بعض الفصائل التي تدور في فلك أجندات خارجية تعمل على إفشال مشروع السلطة الفلسطينية، وتحاربه إعلاميًا عبر التشكيك بشرعيته والطعن في جدواه. هذه القوى – بوعي أو بغير وعي – تخدم الهدف الإسرائيلي في إضعاف الموقف الفلسطيني الموحد، وتحويل الصراع من مواجهة الاحتلال إلى صراع داخلي على الشرعية والتمثيل، وهو ما يمنح الاحتلال مزيدًا من الوقت لتكريس أمره الواقع على الأرض.
رغم ضرب إسرائيل قرارات الأمم المتحدة عرض الحائط، ورغم الصمت أو العجز الدولي، فإن تراكم الاعترافات يشكل قنبلة زمنية سياسية ضد الاحتلال، إذ يُبقي القضية الفلسطينية حيّة في وجدان العالم، ويمنع شطبها أو تجاوزها في أي ترتيبات إقليمية.
الخلاصة
الإصرار الفلسطيني على المعركة الدبلوماسية هو رهان على الزمن والشرعية، في مواجهة احتلال يراهن على الإنهاك والنسيان. الاعتراف الدولي لا يحرر الأرض غدًا، لكنه يضع الأساس القانوني والسياسي ليوم التحرير، ويجعل إسرائيل دولة مارقة أمام العالم، مهما غطتها القوة العسكرية أو حمتها التحالفات. وفي الوقت نفسه، فإن مواجهة الأجندات الداخلية المشبوهة لا تقل أهمية عن مواجهة الاحتلال، لأن الانقسام الداخلي هو الثغرة الأخطر التي يتسلل منها مشروع تصفية القضية. إنها حرب الإرادة، وحرب الذاكرة، وحرب البقاء حتى التحرير.





