الجمعة, أبريل 24, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراءمبادرة الحوكمة العالمية مضامين أساسية لبناء عالم مستقر  .. بقلم : د....

مبادرة الحوكمة العالمية مضامين أساسية لبناء عالم مستقر  .. بقلم : د. كاوه محمود

تمثل وجهة التحديث الصيني، التي تم تحديده في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي الصيني في عام 2022، توجهاً أساسياً ضمن التوجه العام والشامل لبناء الاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الجديد، وفي مسيرة تعزيز هذا الهدف، أعلن الرئيس شي جين بينغ على مدى السنوات الماضية أربع مبادرات أساسية، تتميز بالترابط الموضوعي والجدلي الشامل لتعزيز مفهوم مجتمع المصير المشترك للبشرية، والنضال من أجل انجازه لبناء علاقات دولية سليمة مبنية على التعايش والتكافؤ وتفاعل الحضارات والفوز المشترك، وأخذ مصالح الشعوب وسيادتها وخياراتها الأساسية بنظر الاعتبار.

تشمل هذه المبادرات الأربع جوانب الأمن المشترك والتنمية المشتركة ومبادرة الحضارة العالمية ومبادرة الحوكمة العالمية، وهي مبادرات سياسية اقتصادية ثقافية تحمل ابعاداً فكرية متجددة في النظرية الماركسية، ومنهجا علمياً واضحاً، تشكل اضافة إلى أبعادها المحلية، جزءاً أساسياً هاماً في تعزيز السياسة الخارجية للصين ورؤيتها المستقبلية في هذا الوضع المعقد والمتشابك على الصعيد العالمي.

تأتي هذه المبادرات الاساسية ضمن توجهات عقلانية مبنية على قراءة الواقع العالمي في اطار تصحيح التصورات السياسية لتيارات اليسار الطفولي، التي لا تزال تتمسك بشعارات طوباوية ناتجة عن تخندقها داخل سلطة النص وتعاملها بعقلية الرضا عن النفس، بعيداَ عن فهم ومراعاة الواقع المحلي والعالمي المتغير دوماً، وهي توجهات ترى امكانية مواجهة الهيمنة الامبريالية ومخاطر الحروب عبر الخطابات الشعبوية اليسارية المتطرفة، في حين نرى بأن التعكز على هذه الرؤية من شأنها بعثرة الجهود والطاقات الرئيسية لقوى التغيير على الصعيد العالمي في مواجهة الأسباب الحقيقية للأزمات على الصعيد العالمي والمتمثل بخطابات اليمين الشعبوي المتطرف بأشكالها المختلفة، وسياسات الليبرالية الجديدة التي ترى استمرارية هيمنتها وامكانية حل الأزمات البنيوية للرأسمالية المعاصرة عبر الحمائية والتنمر والتهديد باستخدام القوة وتأجيج النزاعات المسلحة، والترويج لنهاية التاريخ وصراع الحضارات والمفهوم الصفري في العلاقات الدولية.

لقد أثبتت التجربة التاريخية بأن مواجهة سياسات الهيمنة والأزمات الخانقة التي تخلقها الامبريالية العالمية، تتطلب القراءة المتأنية والتحليل العميق لمرحلة ما بعد الحرب الباردة، والتطورات اللاحقة المتعلقة بتعدد الأقطاب العالمية بشكل عملي، ضمن أنظمة سياسة واقتصادية متنوعة، من أجل ديمومة نضال أممي للتركيز على المهام المشتركة لحماية البيئة ومواجهة الفقر والبطالة وانهاء الحروب وتحقيق التنمية المشتركة وردم الهوة بين الشمال والجنوب وبين الجنوب والجنوب، اضافة الى مجمل النقاط الاساسية التي تضمنها مبادرة الحوكمة العالمية.

أن الدعوة والعمل لكي تتضمن الاهداف المشارة لها اعلاه في رسم سياسات جديدة على صعيد العلاقات الدولية، تمثل نضالاً عملياً في وضع الأمور في سياقه الصحيح لمواجهة سياسات الهيمنة الامبريالية، وفهم التناقضات والصراعات المعاصرة، لإقامة عالم جديد ضامن لحرية الشعوب وخياراتها الاساسية، بعكس ما يتصوره البعض كونه يمثل الدعوة الى “سلام امبريالي”، أو اضفاء الشرعية على الطابع الاستغلالي لأية قوة رأسمالية قديمة أو ناشئة.

ان التوجهات الجديدة للحوكمة العالمية لا تأتي من فراغ. فمع بداية سياسة الإصلاح والانفتاح، وانعكاسها في السياسة الخارجية للصين، أتت المبادرات السياسية الأربع للصين، والتي أشرنا إليها، كجزء من القراءة المستمرة للواقع المتغير والعمل بمنطق الحكمة والذكاء والابتكار حسب المتغيرات والتطورات، وفي مسيرة النضال من أجل القضية التاريخية للاشتراكية.

ومع تزايد السلوك المتعجرف للإمبرياليين وقيامهم بالتهديد والابتزاز واستخدام القوة للسيطرة واستغلال الشعوب المضطهدة، تدرك قوى السلام والشعوب الراغبة لتحقيق مستقبل مزدهر للإنسانية بأن السلام والأمن والتنمية والعدالة الدولية والحوكمة العالمية في خطر، وهذا ما يحفز على ايجاد تيار تاريخي للعمل من أجل السلام والنضال من أجل التنمية والتعاون والمنفعة المشتركة.

ان المنعطف الجديد الذي تواجه البشرية يحتاج إلى برامج واستراتيجيات واقعية، لتحويل خطوات التغيير من نص نظري وحلم يوتوبي إلى مشروع عمل فعلي وتحقيق النجاح فيه.

من هذا المنظور، فإن مبادرة الحوكمة العالمية هي استجابة واقعية لتفسير الوضع الراهن للعالم والعمل على تغييره، وتتطلب باستمرار المشاركة والمساهمة والحوار لتعزيز هذه المبادرة التي سبق وأن وضع الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني لبناتها الاساسية وانعكاساتها العملية في السياسة الخارجية للحزب الشيوعي الصيني منذ المؤتمرين الثامن عشر والتاسع عشر والمؤتمر العشرين، حيث أشار إلى هذه النقاط:

• التأكيد على السلام والتنمية والتعاون والمنفعة المشتركة، على المستوى الدولي.

• أن يشمل التعاون المتوازن والشامل نقاط الاهتمام المشتركة، بحيث يتم الحفاظ على الكرامة المشتركة الشاملة للدول بعيدًا عن الصغيرة والكبيرة، ويستفيد الجميع من مكاسب التنمية، ويتم الحفاظ على أمن الدول والشعوب الشامل.

• التأكيد على هدف “المصير المشترك” الذي أشير إليه لأول مرة في عام 2011 في وثيقة “التنمية السلمية للصين”، ثم تم التأكيد عليه في كلا المؤتمرين الثامن عشر والتاسع عشر وفي المؤتمر العشرين للحزب، وقد نوّه الأمين العام للحزب بأن المصير المشترك، يشمل مجمل المجتمع الدولي، ومجال المصير التاريخي ومصير التنمية والمصالح وبناء البنية التحتية.

• التأكيد على فهم جديد حول هدف المصلحة الوطنية، بحيث يكون هناك تمييز بين النظرة الكلاسيكية القديمة حول الهدف من المصلحة الوطنية والمفهوم الجديد الطموح المبني على أساس التوازن بين المثالية والواقعية، والتوازن بين المصالح والعدالة، ومراعاة المصلحة المقابلة عند العمل للحفاظ على المصلحة الوطنية، وفي هذا الاتجاه يمكن تحقيق التوازن في التعامل مع المجال الأخلاقي في العلاقات الدولية مع مجال المصالح، والاستمرار في مراعاة العدالة الدولية والصداقة بين الدول والشعوب.

• ان هدف الأمن الوطني للصين، هو الأمن الشامل والمشترك والتعاوني، بعيداً عن مبادئ الحرب الباردة وانتهاك سيادة الدول، بل التأكيد على العمل المشترك لاتخاذ الخطوات اللازمة، التي تكون في مصلحة الشعوب.

• وضع الشعب في مقدمة معايير صياغة السياسة الخارجية، بحيث تكون جميع الحكومات وشعوب العالم على مستوى واحد.

• الاهتمام الكامل بالتعاون بين دول “بريكس” التي عقد أول اجتماع قمة على مستوى القيادة في عام 2009 في روسيا وعمل على وضع نظام جديد لإدارة الاقتصاد العالمي.

• الاهتمام بالتنمية والتعاون الإقليمي عبر منظمة شانغهاي للتعاون، التي تأسست في شانغهاي في عام 2001، وتعزز الثقة والعمل ضد الإرهاب والاتجار بالمخدرات والعمل على التعاون السياسي والاقتصادي والتجاري.

• التأكيد على اعتماد وسائل سلمية لحل المشاكل والصراعات، اعتماداً على الواقعية في السياسة الخارجية للصين، وقراءة اتجاه تطور وضع ومكانة الصين في الخريطة الإقليمية والدولية، ومن منظور أن للصين حدودًا برية وبحرية مع عشرين دولة، وهذا يتطلب أن تدير بطريقة ودية، أي (التسوية والتفاهم) لحل أي مشكلة بينها.

أما في المؤتمر العشرين للحزب عام 2022، فقد أشار شي جين بينغ إلى مبادئ الحوكمة العالمية قائلاً: “نحن بإخلاص وبصدق نطلب من دول العالم أن تدفع القيم المشتركة للبشرية إلى الأمام، بما في ذلك السلام والتنمية والعدالة والديمقراطية والحرية، لتعزيز الفهم والمحبة بين شعوب الدول المختلفة، واحترام تعددية حضارات العالم، والتأكد من أن فهم الحضارات يتم عبر التبادل بين الحضارات، لتجاوز الاختلاف الحضاري عبر التعلم من بعضنا البعض، والارتقاء فوق مفاهيم تفوق الحضارة، وعبر التعايش بين الحضارات، يمكننا بشكل مشترك مواجهة جميع التحديات العالمية.”

واستمراراً في مسيرة تكامل المبادرات أعلن الامين العام للحزب الشيوعي الصيني المبادئ الأساسية لمبادرة الحضارة العالمية في 1 أيلول/سبتمبر 2025 في مدينة تيانجين خلال اجتماع “منظمة شنغهاي للتعاون”، والمتمثلة بما يلي:

1. المساواة في السيادة: بحيث تتمتع جميع الدول، كبيرة كانت أم صغيرة، قوية أم ضعيفة، غنية أم فقيرة، بحقوق والتزامات متساوية، وبمشاركة عادلة في الحوكمة الدولية والاستفادة المتساوية من ثمارها.

2. الالتزام بسيادة القانون الدولي: عبر احترام مقاصد ومبادئ الأمم المتحدة، واللجوء إلى القانون الدولي في حل النزاعات، والابتعاد عن فرض قوانين داخلية لدولة على المجتمع الدولي.

3. تعزيز التعددية الحقيقية: من خلال تفعيل آليات التشاور الشامل، وتوسيع نطاق المشاركة المشتركة في المسؤوليات والنتائج، ودعم الأمم المتحدة باعتبارها المنصة المركزية للحوكمة العالمية.

4. النهج القائم على الانسنة ومصالح الشعوب: بحيث يكون رفاه الشعوب محور الحوكمة العالمية، ويجري العمل على تقليص الفجوة التنموية بين الشمال والجنوب.

5. التركيز على النتائج العملية: بحيث لا تظل المبادرة مجرد شعارات أو خطابات، بل تتحول إلى مشاريع عملية وأهداف ملموسة يستفيد منها الجميع.

ورغم أن بعض التيارات الشعبوية اليسارية قد تنظر بريبة إلى هذه المبادرة أو تعتبرها مجرد إطار نظري، فإن دعم الرأي العام التقدمي والقوى اليسارية عالمياً لهذه الخطوة يعكس توجهاً نضالياً نحو تجاوز الأحادية القطبية، وتقديراً للقيمة الإنسانية المشتركة، وإيماناً بإمكانية تحقيق نقلة نوعية في العلاقات الدولية، وفهماً واقعياً لطبيعة الامبريالية المعاصرة وأدوات تحدي هيمنتها.

إن المبادرات الأربع التي طرحها الرئيس شي تشكل في جوهرها أدوات لتسوية النزاعات وتقليل التوترات، عبر تعزيز المشاركة الجماعية في مواجهة النزعة الإمبريالية وأهدافها الساعية إلى إعادة تقسيم العالم وفق مصالحها الضيقة.

• رئيس مركز دراسات مبادرة الحضارة العالمية.

 

 

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب