الثلاثاء, أبريل 21, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراءشجرة الزيتون بين الفلسطينيين والمستوطنين: رمز الصمود في وجه الاقتلاع .. بقلم...

شجرة الزيتون بين الفلسطينيين والمستوطنين: رمز الصمود في وجه الاقتلاع .. بقلم : جورج عبد الرحيم

في ربوع فلسطين، حيث تمتدّ الحقول وتفوح رائحة الأرض، تقف شجرة الزيتون كشاهدٍ حيّ على التاريخ، وكرمزٍ للصمود والارتباط العميق بالأرض، غير أنّ هذه الشجرة المباركة، التي تحمل في أغصانها السلام والبركة، أصبحت في العقود الأخيرة هدفًا مباشرًا لسياسات الاستيطان الإسرائيلي، لتتحول من رمزٍ للحياة إلى ميدانٍ للمواجهة اليومية بين الفلسطينيين والمستوطنين.

منذ آلاف السنين، ارتبط الفلسطيني بالزيتون ارتباطًا وجوديًا وثقافيًا واقتصاديًا، فهي الشجرة التي ترمز إلى الثبات والعطاء، وتُزرع في كل بيتٍ تقريبًا، وترافق العائلة الفلسطينية في أفراحها وأتراحها.

كما يُعتبر موسم قطف الزيتون، الذي يبدأ عادة في شهر تشرين الأول، مهرجانًا وطنيًا واجتماعيًا يجتمع فيه الكبار والصغار لحصاد الثمار المباركة، يقول أحد المزارعين من قرية بورين جنوب نابلس: “نحن لا نقطف الزيتون فقط، نحن نقطف تاريخنا ونحافظ على جذورنا في الأرض”.

لكنّ الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين لا يرون في هذه الشجرة سوى عقبة أمام التوسع الاستيطاني، فمنذ عقود، تتواصل الاعتداءات على مزارع الزيتون في مختلف مناطق الضفة الغربية، خاصة في محافظات نابلس وسلفيت والخليل. وتشير تقارير منظمة “بتسيلم” الحقوقية إلى أنّ المستوطنين قاموا بإتلاف أكثر من 800 ألف شجرة زيتون منذ عام 2000 حتى اليوم، عبر الحرق والاقتلاع والرشّ بالمواد الكيماوية.

وتجري هذه الاعتداءات في كثير من الأحيان تحت حماية جيش الاحتلال، الذي يمنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم بحجة “الأمن”، بينما يُسمح للمستوطنين بالتجول بحرية في تلك المناطق.

ويمتلك الفلسطينيون نحو 12 مليون شجرة زيتون تمتدّ على أكثر من نصف الأراضي الزراعية في الضفة الغربية وقطاع غزة. وتشكّل زراعة الزيتون ركيزة أساسية للاقتصاد الريفي، إذ يعتمد عليها أكثر من 80 ألف عائلة كمصدر رئيسي أو ثانوي للدخل.

غير أن خسارة الأشجار بفعل الاستيطان والجدار العازل أثّرت بشكل كبير على الدخل الزراعي، ودفعت بالكثير من المزارعين إلى البحث عن مصادر رزق أخرى، ومع ذلك، لا تزال هذه الشجرة تمثل صمام أمانٍ معنوي واقتصادي للفلسطينيين، فهي رمزٌ للاستمرارية والتجذّر رغم كل التحديات.

 

 

وردّ الفلسطينيون على استهداف أشجارهم بأسلوبٍ هادئ لكنه عميق المعنى: الزراعة من جديد، ففي كل عام، تقوم المؤسسات الزراعية والمتطوعون بإطلاق حملات لزراعة آلاف أشجار الزيتون مكان تلك التي اقتُلعت، كرسالة واضحة بأن الجذور لا تُمحى.

لم يقتصر حضور الزيتون على الحقول، بل أصبح رمزًا ثقافيًا ووطنيا في الشعر الفلسطيني والفن التشكيلي والأغنية الشعبية. فقد تغنّى محمود درويش قائلاً: “لو يُغلقون نافذة العدم، لو يزرعون الزيتون في أرواحهم، لا الحرب تأتي.” هذا الحضور الرمزي جعل من الزيتون أيقونة للهوية الفلسطينية، ومؤشرًا على الصراع بين من يزرع الحياة ومن يزرع المستوطنات.

بين الفلسطينيين والمستوطنين، تقف شجرة الزيتون كحدٍّ فاصلٍ بين أصحاب الأرض الحقيقيين ومن يسعون إلى اقتلاعهم. هي شجرة السلام التي تحولت إلى شاهدٍ على الحرب، لكنها أيضًا رمزٌ للأمل والعودة والبقاء.

وما دام الفلسطيني متمسكًا بأرضه وزيتونه، ستظل هذه الشجرة المباركة تسقي جذور الوطن بالثبات، وتروي للعالم حكاية شعبٍ لا يُقلع من أرضه كما لا تُقلع الزيتونة من ترابها

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب