بقلم: جاكي حوغي/ بات القرار الذي اتخذته الحكومة، الأحد الماضي، حديث الشارع الفلسطيني. إنه من نوع القرارات التي، إذا ما اندلعت مواجهة واسعة – لا قدّر الله – سيعود إليها الجميع ويقولون، إنها كانت الزيت الذي غذى النار.
ينص القرار على أن مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية التي لا تثبت ملكيتها الخاصة ستُعلَن أراضيَ خاضعة لدولة إسرائيل، وخُوّلت وزارة العدل تنظيم عملية التسجيل، ومن أجل ذلك ستحصل على ميزانية ووظائف إضافية، وتسود، حاليا الفوضى هذا المجال، وستُجرى عملية فحص لتحديد ملكية كل قطعة أرض؛ فإذا قدّم المواطن الفلسطيني “كوشاناً” (سند ملكية عثماني) يثبت أن الأرض خاصة، ستُسجَّل باسمه، وإذا لم تكن كذلك فستُعلن أرض دولة.
وبحسب التقديرات الفلسطينية فإن الأمر يتعلق – في أفضل الأحوال – بنحو 60% من أراضي الضفة التي تفتقر إلى إثباتات طابو رسمية. نظرياً، سيطبَّق القانون المقترح في مناطق “C” فقط، الخاضعة للمسؤولية الأمنية والمدنية الإسرائيلية، لكن خبراء فلسطينيين يخشون أن تجد السلطات الإسرائيلية ذريعة لتطبيقه أيضاً على أجزاء من مناطق “A”، الخاضعة للمسؤولية الفلسطينية الكاملة. لم يستشر أحد السلطة الفلسطينية قبل اتخاذ القرار في القدس، ولم يؤخذ موقفها بالحسبان، وكذلك هي الحال بالنسبة إلى الهيئات البلدية الفلسطينية.
وقال وزير الدفاع الإسرائيلي، إن هذه “الخطوة أمنية وإدارية ضرورية تهدف إلى ضمان السيطرة”. وأضاف وزير آخر، “نحن نواصل ثورة الاستيطان وترسيخ وجودنا في جميع أنحاء أرضنا”. وختم وزير العدل بالقول، “إن أرض إسرائيل لشعب إسرائيل”. وكان الثلاثة من المبادرين إلى طرح الاقتراح.
يأتي التشريع في ذروة توتُّر حاد في العلاقات بين إسرائيل والسكان الفلسطينيين وقيادة السلطة. لم يكن وضع السلطة الفلسطينية يوماً بهذا القدر من الهشاشة؛ فعشرات في المئة من ميزانيتها الشهرية، وعلى رأسها عائدات الضرائب، مجمدة بأمر من إسرائيل، والسلطة هي أكبر مشغل في الاقتصاد الفلسطيني، وموظفوها يتقاضون حالياً رواتب جزئية فقط، ولم تُصرَف، هذا الأسبوع، سوى رواتب شهر تشرين الثاني 2025.
إن العمل في إسرائيل، مثلما كان متّبعاً قبل 7 تشرين الأول، عاد إلى نحو نصف حجمه فقط. وخلال العامين الماضيين، حسبما هو معروف، سُجّلت زيادة حادة في هجمات مستوطنين مسلحين على قرى فلسطينية، انتهى بعضها بوقوع قتلى من الجانب الفلسطيني؛ كذلك أقيمت مئات الحواجز في أنحاء الضفة، ما يعيق الحركة، ويضرّ بسوق العمل والمعنويات العامة.
هذا الأسبوع، التقيت في رام الله عدداً من الأشخاص المعنيين بهذه القضايا. جميعهم مطّلعون ولهم مواقف، ويعرفون إسرائيل والبيئة التي يعيشون فيها جيداً؛ كان قلقهم من تدهوُر واسع النطاق أعمق من أيّ وقت مضى؛ يقولون، إن الإسرائيليين سلبونا حقوقنا دائماً، والآن، يريدون أيضاً الأرض التي يقوم عليها بيتنا. يدل قانون تسجيل الأراضي، في نظرهم، على أنه حتى دونالد ترامب لا يستطيع كبح جماح الحكومة الإسرائيلية. فهذا القانون يسخر من تحذيراته من تجنُّب الضم، وإن لم يكن ضماً معلناً وبوسائل علنية، فسيجري عبر إضفاء طابع قانوني عليه. وعلى الرغم من أن سماع دوي الانفجارات نادر في الأراضي الفلسطينية، فإن شعورهم يشبه الشعور بحالة حرب يعيشونها على كل المستويات، من الأعلى إلى الأدنى، ولا توجد جهة مرجعية تحميهم. وبالتأكيد ليست السلطة الفلسطينية؛ فالجيش الذي كان في السابق عنواناً يلجؤون إليه، يفعل القليل. وأحياناً، كما قالوا، يمكن رؤية الجنود يرافقون المهاجمين، أو يستقبلونهم على بُعد كيلومتر، أو كيلومترين عن موقع الحدث.
من غير المؤكد أن تندلع انتفاضة ثالثة، على الرغم من أن الظروف مهيأة لذلك، لكن الخوف هو من مبادرات بعيدة المدى من أفراد، أو خلايا صغيرة يمكن أن تنفّذ هجمات ضد إسرائيليين في الضفة الغربية، أو داخل المدن الإسرائيلية، أو أفراد يتأثرون بالضغط الشديد ويُقدمون على أعمال عنف.
يدرك الجميع هناك أن المواجهة القسرية حُسمت لمصلحة إسرائيل، ولم يعُد لدى الفلسطينيين أوراق ضغط إستراتيجية عليها، وبالتأكيد ليست عسكرية. عملياً، تستطيع إسرائيل أن تفعل بهم ما تشاء، لكنهم يقولون، إن المشكلة ليست مشكلتنا وحدنا، بل مشكلتكم أيضاً؛ فالحسم يعني الإخضاع، وليس الحل. اليوم، يعيش ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة، ولن يذهبوا إلى أي مكان، وإن تم طردنا جميعاً فسنلتصق بالأرض، مثلما فعل أهل غزة.
كثيرون في الشارع الفلسطيني تخلّوا منذ زمن عن حلم الدولتين، ويعلقون آمالهم على دولة واحدة من البحر إلى النهر، دولة بحكم يهودي في البداية، لن تنعم بالاستقرار؛ فإمّا أن يتمتع الفلسطينيون فيها بحقوق متساوية، وإمّا أن يُفرض نظام فصل عنصري، مثلما قال أحدهم، وفي هذه الحالة ستستمر الحروب.
في ظل هذا الواقع تتناقص أيضاً الخيوط الرفيعة من الاتصال بين الإسرائيليين والفلسطينيين، إذ يسود انقطاع تام بين المستوى السياسي في القدس ورام الله، والجهة الوحيدة التي تبقي الاتصال قائماً هي المؤسسة الأمنية؛ سوق العمل تقلّص، والعلاقات التجارية محدودة.
علاوةً على ذلك، أُجبرت البنوك الإسرائيلية على الابتعاد عن التعامل مع البنوك الفلسطينية، بعد أن رفعت وزارة المالية في أيار 2025 الحماية عنها في مواجهة الدعاوى القضائية المتعلقة بتمويل “الإرهاب” و”غسيل الأموال”. وبما أن الشيكل هو العملة القانونية في مناطق السلطة، فإن البنوك الإسرائيلية هي قناة المقاصة للبنوك الفلسطينية، وعندما تُغلق هذه القناة تُغلَق أيضاً بوابة الوصول إلى النظام الاقتصادي الدولي. وبقيت مبالغ كبيرة بالشيكل في البنوك الفلسطينية من دون التمكن من تحويلها إلى دولارات، فتحولت تبعيتها للبنوك الإسرائيلية إلى علاقة خضوع.
حتى إن اللقاءات بين الأفراد من الجانبين أصبحت نادرة؛ فقبل بضعة أعوام فقط كنا نحن الإسرائيليين نُدعى للقاء رئيس السلطة في مكتبه، وكانت منظمات تستضيف إسرائيليين، وكان أعضاء كنيست، أو سياسيون إسرائيليون، يزورون المقاطعة، أما، اليوم، فالأجواء خانقة، والحديث مع إسرائيلي يُعد عملاً مشيناً في الشارع الفلسطيني.
قبل أيام، قال وزير المالية في السلطة، إن تهديداً وجودياً يخيّم على السلطة بسبب وقف أموال الضرائب في القدس، وذكر أن إسرائيل تضع يدها على 70% من الإيرادات المستحقة للسلطة، وأضاف، إن “سنة 2026 ستكون الأصعب في تاريخ السلطة”. ووصف سياسة إسرائيل تجاه البنوك الفلسطينية بأنها “لعب بالنار”.
الظروف السائدة، اليوم، في الضفة تشبه تلك التي كانت في غزة عشية 7 تشرين الأول. قبل ثلاثة أعوام، مارست إسرائيل ضغطاً عسكرياً كبيراً على سكان غزة وقيادتها، ورفضت طلبات التخفيف، ولم يكن الجمهور الإسرائيلي على دراية بحجم الضغط الواقع على الطرف الآخر، ولا رغبة “حماس” الشديدة في إحداث تغيير. انشغل السياسيون بأمور أُخرى، وتجاهلت وسائل الإعلام ما يجري هناك. كانت “حماس” تتوقع يداً ممدودة من السلطة الفلسطينية، أو من دول عربية، لكنها تلقّت رداً بارداً.
لكن في رام الله، اليوم، بخلاف “حماس” آنذاك، لا تسعى القيادة لخوض حرب، وبالكاد تستطيع خوضها حتى لو أرادت. إن فرع “حماس” في الضفة معطل تقريباً، ويكاد لا يعمل. لقد رأى الشارع الفلسطيني ما حلّ بسكان غزة بعد 7 تشرين الأول، وشاهد الرد الإسرائيلي العنيف، وهو ما يشكل رادعاً له أمام نيات “التخريب”.
ومع ذلك، أثبت الماضي أنه عندما يجد الفرد الفلسطيني ظهره إلى الحائط، فإن ذلك يُعَد وصفة لاشتعال الأوضاع، وفي مرحلة ما، سيأتي الانفجار؛ وهناك قاعدة أُخرى تقول، إن الصراع الدموي بيننا وبينهم له قوانينه الخاصة، وإن الواقع لا ينصاع دائماً لقواعد المنطق.
عن “معاريف”





