ليست المرة الأولى التي تبدو فيها فرنسا أكثر تصريحاً عن ضرورة استعادة الاستقلال الأوروبي الحقيقي بعيداً عن الهيمنة الأمريكية، لكن تصريحات الرئيس إيمانويل ماكرون هذه المرة أخذت بعداً تحذيرياً من “الجرف الاقتصادي الأمريكي لأوروبا” حسب تعبيره.
التحذير أطلقه ماكرون خلال حديثه لصحف أوروبية (من بينها فايننشال تايمز ولوموند) قُبيل قمة غير رسمية لقادة أوروبا في بلجيكا، بحثوا خلالها تعزيز التنافسية والاقتصاد الأوروبي، وهو نفس الملف الذي أطلق ماكرون تحذيراته بشأنه. وفق الرئيس الفرنسي فإن استمرار اعتماد أوروبا على الولايات المتحدة أمر خطير. برأي ماكرون أن واشنطن تسعى إلى تفكيك أوروبا. ولهذا الاعتقاد الفرنسي ما يدعمه: الضغط الأمريكي على الناتو، وربط ملف الأمن الأوروبي بالتسليح الأمريكي، والتسلل الاقتصادي نحو الهيمنة على الأسواق الأوروبية، والحرب التجارية الأمريكية التي بدأت على أوروبا، ولم تنتهِ بعد.
في حقيقة الأمر، يشعر الأوروبيون بالضغوطات التي فرضتها المتغيرات الاقتصادية الأخيرة، ولهذا كان اجتماعهم بمثابة محطة فكرية استراتيجية ناقشت مستقبل الأسواق الأوروبية، هل سيستعيدون القدرة على المنافسة أم أنهم سيظلون مجرد سوق؟ السؤال العميق يرتبط بطبيعة العلاقات الأوروبية مع العالم عموماً، ومن ضمنه الولايات المتحدة الأمريكية، ولهذا فإن الإجابة عليه تقتضي نظرة سريعة على تاريخ هذه العلاقة، وحاضرها، ومستقبلها، كما يقتضي قراءة في طريقة التفكير الأوروبية والنظرة إلى الولايات المتحدة.
تبلورت العلاقات الأوروبية الأمريكية بشكلها الحالي بعد الحرب العالمية الثانية، عندما أصبحت الشراكة عبر الأطلسي عنصراً حاسماً في إعادة بناء أوروبا من خلال خطة مارشال، ولاحقاً في تشكيل تحالف عسكري هو “حلف شمال الأطلسي (ناتو)” في مواجهة “حلف وارسو” والاتحاد السوفييتي أثناء الحرب الباردة. الاقتصاد والأمن إذاً هما من أهم الركائز الأساسية لهذه العلاقة، ومن أمتنها دوليا، لهذا كانت الرسوم الجمركية الأمريكية التي فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترامب على أوروبا بمثابة ضربة قوية للاقتصاد الأوروبي.
الملف الدفاعي فيه الكثير من النقاش أيضاً. لمح ترامب أكثر من مرة إلى الضعف الأوروبي وعدم قدرة دول القارة العجوز على الدفاع عن أنفسهم دون المظلة الأمريكية والإنفاق الأمريكي على حلف الناتو. لكنه في الوقت ذاته رد بقوة في العام 2018 على دعوة ماكرون لإنشاء “جيش أوروبي” معتبراً الفكرة مسيئة وغير منصفة للدور الأمريكي في حماية الأمن الأوروبي. حينها وبـ “المصادفة البحتة” انطلقت احتجاجات “السترات الصفراء” ضد ماكرون والتي عمت شوارع المدن الفرنسية وأقلقت الحكومة بشدة! بمعنى آخر، يعتقد ترامب أن من حقه تهميش حلف الناتو وإضعافه، لكنه يرفض أن يقوم أحد آخر بتهميش الحلف أو إضعاف دوره أو البحث عن بدائل له!
في الواقع الحالي، تبدو الخلافات أعمق من أي وقت مضى. ينظر ترامب إلى أوروبا كتابع وليس كشريك.
تصريحاته عن ضعف القادة الأوروبيين، واستهزاء أعضاء إدارته بالديمقراطية الأوروبية، والمضي في البحث عن حلول للملف الأوكراني بعيداً عن أي دور أوروبي وحتى ضد رغبة دول القارة العجوز، وتركيزه على ضم جزيرة غرينلاند بالقوة، كلها تُعتبر أدلة على طريقة التفكير هذه. تستمر فرنسا بقرع ناقوس الخطر، الاقتصادي والأمني، بحثاً عن استعادة “السيادة الأوروبية” المفقودة. لكن لكل دولة أوروبية اعتباراتها الخاصة.
تعتقد كثير من الدول الأوروبية أن حجم القوة الأمريكية، عسكرياً واقتصادياً، يجعل من الصعب عليها أن تنهض في مواجهتها. الدول التي كانت ضمن الاتحاد السوفييتي سابقاً لا تزال تعتقد بأهمية المظلة الأمريكية لحمايتها مما تسميه “المد الروسي الجديد”.
بريطانيا أصبحت خارج الاتحاد الأوروبي، وبالتالي فإن هامش التباين مع أي قرار أوروبي موحد يمكن أن يكون أكبر.
ألمانيا أيضاً لها اعتباراتها الدستورية الداخلية التي تضع قيوداً على قرار أي مستشار ألماني تمويل مشاريع اقتصادية أو عسكرية خارج حدود الدولة.
رغم ذلك، وعقب مؤتمر ميونيخ للأمن بدورته الـ 62، أبرزت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بوضوح حجم التحول في التفكير الأوروبي تجاه الاعتمادية الكبيرة على واشنطن عندما قالت إن القارة “تجاوزت خطوطا لا يمكن التراجع عنها”. هناك قناعة متنامية في أوروبا بأن الاعتماد شبه الكامل على واشنطن في مجال الدفاع ليست أمراً مسلماً به. لكن موقف الأمين العام للناتو مارك روته عكس تناقضاً واضحاً في طريقة تفكير الدول الأوروبية تجاه هذا الملف، عندما قال أمام البرلمان الأوروبي بعد مطلع العام الجاري: “إذا كان أي شخص يعتقد أن أوروبا يمكنها الدفاع عن نفسها دون الولايات المتحدة فليستمر في الحلم”.
كل الطروحات الفرنسية الاقتصادية خضعت لنقاشات داخلية في دول أوروبية، ولنقاشات على مستوى الاتحاد. لم يتم التوصل بعد إلى نقاط مشتركة، بل ولاقت بعض الأفكار الاقتصادية رفضاً كبيراً، فيما تمت إعادة صياغة مفردات الملف الأمني والعسكري بشكل أقل صدامية مع واشنطن، ومنها مثلاً: تعهّد المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بالعمل على تعزيز ما وصفوها بـ”ركيزة أوروبية” أقوى داخل الناتو، بما يسمح للقارة بتحمُّل نصيب أكبر من مسؤولية الدفاع عن نفسها. ومنها أيضاً إطلاق المفوضية الأوروبية مبادرة لبناء صناعة دفاعية أوروبية مستقلة خلال العقد المقبل، إضافة إلى تنسيق جماعي بين الدول الأعضاء لتطوير القدرات التكنولوجية والبنية التحتية الصناعية.
التباين الأوروبي في الحلول التي يعتقدون أنها ستعزز أمن قارتهم الاقتصادي والعسكري كبير، لكن مجرد البحث ووضع القضايا الملحة على الطاولة مؤشر مهم إلى إدراك أوروبا للتحديات التي تواجهها، سواء كدول مفردة أو كاتحاد يبحث عن استعادة دوره.
الأيام والأشهر والتحديات القادمة ستكشف ما إذا كانت القارة العجوز نهضت من سباتها فعلاً نحو البحث عن استعادة موقعها على الخارطة العالمية، أم أن الولايات المتحدة “ستجرفها”، اقتصادياً وعسكرياً. الكرة في ملعب بروكسيل، ولا شك أن مستقبل التوازنات الدولية بأسرها مرتبط بشكل وثيق بقدرة أوروبا على مواجهة تحدي علاقتها مع واشنطن في السنوات المقبلة.





