احتضنت العاصمة الفرنسية باريس، يوم الجمعة، مؤتمر ‘نداء باريس من أجل حل الدولتين’، في تحرك دبلوماسي دولي يهدف إلى كسر الجمود المحيط بجهود تسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وشهد المؤتمر مشاركة واسعة من وزراء خارجية ومسؤولين رفيعي المستوى من عشرات الدول، إلى جانب منظمات المجتمع المدني، في حين برز غياب الولايات المتحدة وإسرائيل عن طاولة النقاشات.
توج المؤتمر أعماله بتبني وثيقة سياسية شاملة أطلق عليها ‘دعوة للعمل’، تتضمن ثماني نقاط أساسية ترسم خارطة طريق للمرحلة المقبلة. وتصدرت هذه النقاط المطالبة بوقف دائم وفوري لإطلاق النار في قطاع غزة، والبدء في عمليات إعادة الإعمار، مع التشديد على ضرورة الوقف الكامل لبناء المستوطنات في الأراضي المحتلة وإجراء إصلاحات جوهرية في منظومة الحكم الفلسطينية.
وحذرت خطة العمل المنبثقة عن المؤتمر من أن المنطقة لا تزال تعاني من انقسام حاد، حيث وصفت قطاع غزة بالمدمر والضفة الغربية بأنها ترزح تحت وطأة إرهاب المستوطنين والضم الفعلي. وأكد المشاركون أن التوسع الاستيطاني والتهديدات الموجهة للسلطة الفلسطينية تمثل عوائق حقيقية تقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة في المستقبل القريب.
وأشارت الوثيقة الختامية إلى أن نافذة حل الدولتين لا تزال مفتوحة لكنها تضيق بشكل متسارع نتيجة استمرار العنف وانعدام الأمن والصدمات النفسية التي يعيشها الفلسطينيون والإسرائيليون على حد سواء. ومن المقرر أن يتم رفع هذه التوصيات إلى قادة مجموعة السبع خلال قمتهم المرتقبة في جبال الألب الفرنسية مطلع الأسبوع المقبل لضمان وضع القضية على رأس الأجندة الدولية.
من جانبه، أكد وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو أن إجراء الانتخابات الفلسطينية يمثل نقطة انطلاق ضرورية لتعزيز المسار الديمقراطي وتمكين الدولة الفلسطينية من ممارسة مسؤولياتها السيادية. وأوضح بارو أن اعتراف فرنسا بالدولة الفلسطينية يندرج ضمن رؤية استراتيجية تهدف لتحقيق المصالحة التاريخية والسلام الدائم في المنطقة.
وفي سياق متصل، أفادت مصادر دبلوماسية فرنسية بأن المؤتمر يسعى لمواجهة حالة الشلل السياسي القائمة على الأرض، مشددة على أن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة لم تبدأ بعد. ودعت المصادر المجتمع الدولي إلى ابتكار حلول عملية تضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق، معبرة عن إدانتها الشديدة للإجراءات الإسرائيلية في الضفة التي تخالف القانون الدولي.
بدورها، وصفت مفوضة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، المبادرة الفرنسية بأنها مصدر للأمل في وقت عصيب، مؤكدة أن المجتمع المدني يجب أن يكون شريكاً أصيلاً في الدبلوماسية الدولية. واعتبرت كالاس أن بناء السلام لا يمكن أن ينجح دون قاعدة شعبية ومدنية متينة تدعم الحلول السياسية المطروحة.
الوضع الإنساني في غزة يمثل وصمة عار أخلاقية على ضمير العالم، والحل لا يمكن أن يكون عسكرياً بل عبر مسار سياسي شامل.
وعلى صعيد الدعم المادي، أعلنت وزيرة الخارجية الكندية، أنيتا أناند، عن تقديم حزمة مساعدات إنسانية جديدة للفلسطينيين تشمل قطاعات الصحة والغذاء والمأوى. كما كشفت عن انضمام كندا إلى تحالف دولي مع أستراليا وبريطانيا لتأسيس ‘صندوق سلام دولي’، بالتزامن مع فرض عقوبات جديدة على مستوطنين متطرفين يمارسون العنف في الضفة الغربية.
وفي ذات السياق، أكد رئيس الوزراء الكندي أن بلاده ستخصص 100 مليون دولار لدعم الفلسطينيين في غزة والضفة، مشدداً على أن الاستقرار لن يتحقق دون معالجة الكارثة الإنسانية. وأثنى خلال لقائه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على الدور القيادي لباريس في الدفع نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية كخطوة لحماية خيار حل الدولتين.
من جهتها، جددت دولة قطر دعمها الكامل للمسار السياسي، حيث أكدت وزيرة الدولة للتعاون الدولي، مريم المسند أن السلام يتطلب تغييراً في العقلية وبناء بيئة ترفض الكراهية. وشددت المسند على أن الكرامة الإنسانية والحقوق الأساسية كالتعليم والصحة هي الركائز الحقيقية التي يجب أن يقوم عليها أي اتفاق سلام مستقبلي.
وفي مداخلة مؤثرة، وصفت وزيرة خارجية أندورا، إيما تور فاوس، الوضع الإنساني الراهن في قطاع غزة بأنه ‘وصمة عار أخلاقية’ تستوجب تحركاً دولياً عاجلاً. وأعلنت دعم بلادها الكامل للاعتراف بدولة فلسطين، مع التركيز على تمكين النساء والشباب ليكونوا وقوداً لعملية بناء السلام وإنهاء الصراع الدامي.
وطالبت ممثلة المكسيك خلال المؤتمر بضرورة التخلي عن الحلول العسكرية التي أثبتت فشلها في تحقيق الأمن، داعية إلى رفع كافة القيود المفروضة على دخول المساعدات الإغاثية. وأكدت أن الوقف الدائم لإطلاق النار هو المطلب الأول الذي لا يمكن تجاوزه للبدء في أي حوار سياسي جاد ينهي معاناة المدنيين.
وعلى مستوى الحراك المدني، دعا الناشط الإسرائيلي إيهاد نيسان إلى منح الأجيال الشابة دوراً قيادياً في صياغة المستقبل، مشيراً إلى أن الجيل الحالي لم يعاصر اتفاقيات أوسلو ويحتاج لرؤية جديدة. وشدد نيسان على أهمية تجديد الحياة الديمقراطية في الجانبين ومحاسبة القيادات التي تعرقل مسارات السلام والتعايش.
وختاماً، حذرت الناشطة الفلسطينية نيفين صندوقة من خطورة تصاعد خطاب الكراهية والتطرف الذي يحاول اختطاف سردية السلام، مؤكدة أن الأمن لا ينفصل عن الكرامة والازدهار. ودعت صندوقة المجتمع الدولي لضمان تمويل مستدام للمبادرات المدنية عبر صندوق السلام الدولي لمواجهة عنف المستوطنين وسياسات التهجير في القدس والضفة.





