مع صعود تنظيم القاعدة، وازدياد الأنظمة العربية قمعية باطراد، والدول الضعيفة، بل المنهارة، أصبح الربيع العربي يبدو باطراد أكثر شبها بالكابوس بالنسبة للمصالح الأمنية الأميركية. ربما يكون من المنطقي عندئذ أن تزيد إدارة أوباما مساعداتها الأمنية للشرق الأوسط، من 69 في المائة من إجمالي طلب الموازنة للعام 2014، إلى 80 في المائة. مع ذلك، ينطوي هذا بدوره على خفض كبير في حجم المساعدة التي تقدم للديمقراطية في المنطقة، والتي ستهبط من 459.2 مليون دولار إلى 298.3 مليون دولار. وقد يعمق الكونغرس هذا الخفض أكثر فأكثر.
لكن النظر إلى الأمر كمشكلة أمنية ينطوي على المخاطرة بالخلط بين السبب والنتيجة. ذلك أن الشرق الأوسط اليوم هو نتاج لعملية دمقرطة فاشلة في جزء منها على الأقل، كما أن أحد مسوغات الفشل هو الدعم البسيط والفاتر من إدارة أوباما.
كان القول بأن الولايات المتحدة محدودة أساساً في قدرتها على التأثير في السياسات الداخلية للدول العربية ثيمة ثابتة في داخل إدارة أوباما وعند المحللين على حد سواء. ولا يوجد من ينكر أن ثمة حدوداً لما تستطيع الولايات المتحدة فعله، (أو لا تستطيع)، مع ذلك، يبقى السؤال: ما هي هذه الحدود؟
هناك أدبيات أكاديمية متزايدة تشير إلى الأثر الكبير الذي يستطيع الضغط و”الصلة” الغربيان أن يتركاه على عمليات الانتقال الديمقراطي. فخلال “الموجة الثالثة” من الدمقرطة، كتب ستيفن ليفيتسكي ولوتسان ووي: “كان ذلك تحولاً مدفوعاً من الخارج على حساب كلفة الاضطهاد، ولم يكن تغييرات في الظروف المحلية، وهو ما أسهم بشكل مركزي في أفول الاستبداد في الثمانينيات وفي التسعينيات.” ويجد الكاتبان أن مدى هشاشة “الدول”أمام الضغوط الغربية من أجل الدمقرطة .. كانت عاملاً حاسماً دائماً.”
سوف يكون ضغط الدمقرطة الغربية أقل تأثيراً في الشرق الأوسط بسبب الطبيعة التي تصبح أكثر وجودية للانقسامات الأيديولوجية، لكنها تظل مهمة مع ذلك. وفي مقال جديد في نشر في “واشنطن كوارترلي” نحاجج بأن الثورات المختلفة التي جرت محاولتها في العامين 2011 و2011 تظهر الدور المهم، بل وحتى الحاسم، الذي تلعبه الدول الغربية، مثلها مثل اللاعبين الإقليميين الذين يعتمد الكثير منهم هم أنفسهم على الإمدادات الأمنية الغربية وغيرها من أشكال الدعم.
لعل من باب المفارقات أن يكون الأمر قد انتهى بإدارة أوباما قد انتهت بعد ثلاثة أعوام من بدء الانتفاضات العربية، إلى تبني منهج ضيق يركز على الناحية الأمنية في التعامل مع الربيع العربي، وهو شيء كثيراً ما انتقد أوباما أسلافه على تبنيه. لا شك في أن العديد من المشاكل الأمنية المستمرة في المنطقة، وخاصة في العراق، قد جاءت نتيجة للسياسات الكارثية التي انتهجتها إدارة بوش. ومع ذلك، تجدر ملاحظة أن الرئيس بوش كان قد أقر بوجود رابط بين “الاستبداد والإرهاب” —أي الفكرة القائلة بأن الأسباب الجذرية للتطرف والإرهاب يمكن أن توجد في افتقار المنطقة الدائم للديمقراطية. وقد أصبحت تلك الادعاءات أقل صلة اليوم.
كان في فشل السياسات والديمقراطية السلمية التي تمثلت أفضل ما يكون في الانقلاب العسكري الأخير في مصر، والحرب المتواصلة في سورية، ما يمكن اعتباره هدية للقاعدة وغيرها من المجموعات المتطرفة. وقد أصبحت روايتهم التي تقول بأن العنف هو الخيار الوحيد الذي يجدي أقوى من أي وقت مضى في الوقت الراهن. وفي مواجهة هذا التحدي المتصاعد، قام أوباما بالمزيد من ابعاد المساعدة في التحولات الديمقراطية عن أولويات أجندته. وباستثناء جهودها التي تستحق الإطراء للتوصل إلى صفقة مع إيران ووضع اتفاقية إطار عمل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، تتميز طريقة مقاربة الإدارة الأميركية للمنطقة بنهج إدارة الأزمة المؤقت، ومواصلة طرق مكافحة الإرهاب التقليدية. ولم تر نور النهار بعد مبادرتها الإصلاحية الأوسع إطاراً –المتمثلة باقتراح فاتر لإنشاء صندوق محفزات للشرق الأوسط وشمال إفريقيا- ومن غير المرجح أن ترى هذه المبادرة الضوء بسبب الطريقة المضطربة التي تم تقديمها بها إلى الكونغرس الأميركي.
نحن نقول بأن على الولايات المتحدة وشركائها أن يقوموا الآن بدراسة انتهاج طريقة جديدة لمساعدة الديمقراطية في الشرق الأوسط. ففي العادة، تميل نشاطات ترويج الديمقراطية التقليدية إلى التركيز على العملية وعناصر “البيع بالتجزئة” لسياسات الديمقراطية، وأشياء مثل الانتخابات وتدريب الأحزاب السياسية، وطرائق اجتذاب أصوات الناخبين، وتعزيز المجتمع المدني. وبينما تبقى هذه الأمور مهمة بلا شك، فإنها غير كافية لتكريس إصلاحات دائمة. وقد أثبتت السلطوية في العالم العربي مرة تلو المرة -حتى في بلدان ما بعد الثورة مثل مصر اليوم- أنها تستطيع التخلص من مضايقات الانتخابات والمجتمع المدني.
إن ما تمس الحاجة إليه أكثر ما يكون الآن هو إجراء إصلاحات أكثر منهجية، والتي تركز على المؤسسات الأساسية. وتتضمن هذه أموراً مثل الحد من دور الجيش في فضاء الحكم المدني، وإجراء إصلاح في قطاعي الأمن والعدل، بما في ذلك إنفاذ القانون والعمل الشرطي، و”إعادة تجديد” شاملة لقطاع الخدمة المدنية. وهذا خطوات كبيرة وطويلة الأمد ومكلفة، والتي تتجاوز بكثير المعايير المتواضعة لمعظم برامج ترويج الديمقراطية الأميركية الحالية.
في مقالتنا، نقيم أسس الأطروحة التي تبرر إنشاء “منحة متعددة الأطراف من أجل الإصلاح”، والتي تقوم بربط مستويات كبيرة من المساعدة المالية –مليارات الدولارات- من أجل التزامات الإصلاح والتطبيق الأكيد من جانب الدول الشريكة. وتكمن الفكرة في توفير حافز فعلي للبلدان للسير على طريق يفضي إلى تنفيذ إصلاحات سياسية أعمق وأكثر ديمومة، بينما يتم الاحتفاظ بالقدرة على سحب التمويل إذا لم تقم بذلك.
تشكل تعددية الأطراف الأصيلة ميزة ضرورية للمنحة المقترحة. وبينما يجب أن تتولى الولايات المتحدة الدور الريادي في تأسيس هذا الكيان، فإن التنفيذ الناجح للمشروع يتطلب مساهمات كبيرة من الأموال والخبرة من مجموعة الثماني والدول الأوروبية، وكذلك من الاقتصادات الصاعدة في آسيا وأميركا اللاتينية، ومن القوى الإقليمية الجديدة مثل تركيا وقطر. وسيساعد هذا النوع من المقاربة في توزيع العبء المالي في وقت أصبح فيه من الصعب الحصول على أموال جديدة للمساعدات الخارجية من واشنطن، بالإضافة إلى خفض الحساسيات السياسية التي يولدها بشكل حتمي صندوق الديمقراطية الذي يرتدي وجهاً أميركياً بشكل حصري.
بدلاً من التخلي عن رعاية الدمقرطة في الشرق الأوسط، فإن هذا هو الوقت المناسب لمضاعفة الجهد في هذا الصدد. ومنذ بداية الربيع العربي، فشلت الولايات المتحدة في التفكير جيداً وتقديم رد فعل سياسي طموح جدير بهذه التطورات الضخمة. وإذا علمتنا التطورات الأخيرة شيئاً، فهو أن السعي إلى “الاستقرار” من خلال انتهاج وسائل تقليدية لا يعدو كونه وهماً. وثمة احتمال لأن تبقى الدول الضعيفة ونوع جديد من الاستبدادية في فترة ما بعد الربيع العربي لعقود تالية. وتتطلب هذه الحقيقة المؤسفة التحرك إلى ما وراء الإدارة قصيرة الأمد للأزمة، ووضع طاقم جديد من أدوات السياسة -وفق مقياس مناسب- من أجل المخاطبة الجادة لهذه التحديات. وسيكون انحرافاً غريباً إذا ما أصبح أحد عناصر إرث النظر إلى الربيع هو النظر إلى الدمقرطة والأمن أو التصرف إزائهما كما لو أنهما هدفين منفصلين، أو حتى متناقضين. وهذا هو الوقت المناسب لمعاودة الانخراط.
(الأتلانتيك)ترجمة: عبد الرحمن الحسيني الغد الأردنية





