أقلام واراءزوايا

حرب ١٩١٤ – عن فشل الديبلوماسية القاتل…بقلم:فرانك- فالتر شتاينماير

140218044013316

انتشر في ٢٨ حزيران (يونيو) ١٩١٤ عبر التلغرافات نبأ اغتيال ولي العهد النمسوي في مدينة ساراييفو. بعدها بخمسة أسابيع اندلعت الحرب العالمية الأولى. إن الذاكرة الجماعية الألمانية كثيراً ما تغلب فيها الحرب العالمية الثانية والجريمة ضد الإنسانية المتمثلة في محرقة اليهود، على الحرب العالمية الأولى. لكن الكثير من جيراننا ممن دارت على أراضيهم رحى المعارك الدموية وشهدوا وقائع القتل البشع في الخنادق مازالت الحرب العالمية الأولى حاضرة بقوة في ذاكرتهم – فلا تزال الحرب العالمية الأولى يشار إليها في فرنسا فقط بكلمة «الحرب العظمى» (la Grande Guerre). وقد رأى جورج كينان فيها «أم الكوارث» التي شهدها القرن العشرون.

كثيراً ما جرى وصف قصة الأسابيع الخمسة التي تخللت الفترة بين واقعة الاغتيال في منطقة مضطربة على أطراف الإمبراطورية النمسوية – المجرية وبين اندلاع الحرب بين القوى الأوروبية العظمى. وصدر الكثير من الدراسات الحديثة لمناسبة ذكرى مرور مئة عام على الكارثة تحاول كلها أن تفسر ما استعصى على الأفهام. وتشرح هذه الدراسات بالتفصيل حسابات الأطراف الفاعلة في العواصم الأوروبية والتنبؤات الطائشة بشأن حملة عسكرية ناجزة وناجحة، ووضع أهداف حربية مغامرة وسوء تقدير لتصرفات الأعداء والشركاء على حد سواء.

اندلاع الحرب قبل مئة عام وانهيار توازن القوى الأوروبية الهشة في صيف ١٩١٤، هو تاريخ بالغ الأثر ومقبض في الوقت ذاته في ما يتعلق بفشل النخب والمؤسسات العسكرية، بل فشل الديبلوماسية كذلك. ولا يقتصر ذلك على الأيام المصيرية في تموز (يوليو) ١٩١٤، فالعلاقات بين القوى العظمى في القارة وبين الأسر الحاكمة المترابطة وأحياناً ذات صلة القرابة، كانت تقف منذ أمد طويل على أرضية مهزوزة قبل أن تأخذ السلسلة الكارثية من أفعال سوء التقدير السياسي والتعبئة العسكرية مجراها. فلم تعد نماذج التفكير الحاضرة في مؤتمر فيينا قادرة على التعامل مع أوروبا المتشابكة بشكل معقد (في حالة من العولمة المبكرة لاقتصاداتها القومية في مطلع القرن العشرين)، ولم تكن السياسة الخارجية آنذاك تملك الرغبة أو الوسائل اللازمة لبناء الثقة وخلق توازن سلمي للمصالح. بل كانت مطبوعة بطابع انعدام الثقة المتبادل والعميق، وكانت تعتمد على وسائل الديبلوماسية السرية ولم تتورع عن تصفية العداوات حول السلطة على حساب أطراف أخرى. ولم تنشئ مؤسسات قوية لفض المنازعات بطريق التفاوض.

إن كشف وثائق الأطراف المشاركة في الحرب عن سيادة المفاهيم الخاطئة وقصر النظر السياسي في كل مكان، ليس مبرراً لنا نحن الألمان لكي نهوِّن من الفشل الذي لحق بالسياسة الخارجية الألمانية إبان تلك الأسابيع الكارثية. فبدلاً من نزع التوتر والتفاهم غلبت في برلين الرغبة في التصعيد: فَقَد في الحرب العالمية الأولى 17 مليون شخص حياتهم في أنحاء العالم، وعانى عدد لا يحصى من الناس وعاشوا مشوهين طوال حياتهم.

نُحيي هذا العام ذكرى ضحايا الحرب في الأماكن التي شهدت المعارك آنذاك، في الإلزاس وفلاندر وعلى نهري المارن والسوم ومنطقة إيبرن وفي الشرق كذلك. إنه لمن حسن الطالع أن أحداً لم يعد يتصور اندلاع حرب أخرى في قلب أوروبا. فبدلاً من التوازن الهش بين تحالفات دائمة التغيّر بين الدول ظلت سائدة في أوروبا، وبعد الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، قمنا ببناء مجتمع أوروبي قائم على القانون. ووجدنا من خلال الاتحاد الأوروبي طريقاً لتفكيك التضارب في المصالح بيننا بطريقة سلمية. وبدلاً من مبدأ حق القوة أصبح المبدأ الذي يحكم الأوروبيين الآن هو مبدأ قوة الحق. بعضهم يشعر أن البحث عن حلول وسط بالجلوس حول طاولة المفاوضات في بروكسل هو عملية شديدة الإرهاق والبطء وغير مثمرة إطلاقاً. إن ذكرى الحرب هذا العام تدعونا لكي نتذكر دائماً وأبداً الإنجاز الحضاري المتمثل في بحث الدول الأعضاء الصغيرة والكبيرة، والفرقاء السابقين في عدد لا يحصى من الحروب على قارتنا الممزقة في ما مضى، عن حلول مشتركة في إطار من السلمية والتحضر وعبر ليال طويلة.

هناك أخطار كثيرة تكمن في الشعور بفقدان الثقة في المشروع الأوروبي والذي بدأ يتسلل في الأعوام السابقة إبان الأزمة الاقتصادية الأوروبية، لا سيما في أوساط الشباب الذي يعاني في مناطق كثيرة من الاتحاد الأوروبي من البطالة وانعدام الفرص المستقبلية. ففي وسط هذه الأجواء يسهل استحضار الخطاب القومي المتعصب متنكراً في نغمة انتقاد أوروبا الجذابة. وهنا يتعين علينا مواجهة هذا الخطر بحزم على خلفية خبراتنا التاريخية.

لم يتم حتى يومنا هذا التخلص من نظام «توازن القوى» الهش في مناطق كثيرة في العالم. وبعد مرور ٢٥ عاماً على انهيار جدار برلين والستار الحديدي لا يزال هناك العديد من بؤر التوتر. وهناك حاجة في الشرق الأوسط وأجزاء من قارة أفريقيا إلى بنية أمنية إقليمية مستقرة. أما في شرق آسيا فتسود اخطار تفاقم النزعات القومية المتعصبة والمطامح المتنافسة لتشكّل خطراً على السلم والاستقرار على نحو يتجاوز بكثير المنطقة بأسرها.

اندلاع الحرب في عام ١٩١٤ قضى على عملية العولمة الأولى، حيث كانت الاقتصادات القومية والثقافات الأوروبية متشابكة على نحو وثيق جعل كثيراً من المعاصرين يتصورون أن اندلاع الحرب من رابع المستحيلات وأنها غير معقولة وضد مصالحهم الذاتية. ولكن الحرب اندلعت رغم ذلك. وعالمنا اليوم متشابك على نحو غير مسبوق، ما يتيح الكثير من الفرص ويحقق الرخاء ويخلق مساحات من الحرية. لكن عالمنا ذو بنية هشة أيضاً وتعتريه نقاط احتكاك كثيرة وتضارب في المصالح. من هنا تكتسب الحكمة في السياسة الخارجية والحنكة الديبلوماسية في هذا العالم أهمية أكثر من أي وقت مضى.

وليس هناك غنى عن النظرة العقلانية إلى المصالح الذاتية ومصالح الجيران والشركاء كذلك، بالإضافة إلى التصرف المسؤول وتدبُّر العواقب في سبيل الحفاظ على السلام. إن الحيلولة دون اتخاذ مواقف متسرعة والسعي المتجدد والدؤوب لإيجاد حلول وسط، هما مبدآن أساسيان من ركائز الديبلوماسية المتعقلة.

إن عام ١٩١٤ يبصّرنا على نحو سديد بالعواقب المترتبة على تجاهل هذين المبدأين. هل كانت أزمة تموز 1914 ستؤدي آنذاك بالضرورة إلى الكارثة؟ على الأغلب لا! لكن الخطاب الانفعالي والبطولة المزعومة آنذاك فاقت شجاعة البحث الدؤوب عن توازن المصالح. هل من المستبعد تكرار أمر مشابه اليوم؟ هذا يتوقف علينا فقط، نحن من يحمل المسؤولية اليوم، وعلى العبر التي نستخلصها من التاريخ.

 

الحياة اللندنية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق