فتح المتشددون الإسلاميون جبهات جديدة في معركتهم لتأسيس دولة إسلامية في عموم العراق وسورية، فيما هم يشنون هجمات في مدن كانت في السابق خاضعة لسيطرة حكومة بغداد.
يظهر هجوم من عدة شعب، والذي شنته عبر وسط وشمالي العراق في الأيام الأربعة التي سبقت كتابة هذا التقرير، أن الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام “داعش” قد حلت محل تنظيم القاعدة الذي كان قد أسسه أسامة بن لادن كأكبر مجموعة جهادية متشددة بالغة القوة في العالم.
تستطيع داعش حالياً أن تعمل بحصانة في شريط كبير من الأراضي الواقعة في غربي العراق وشرقي سورية، وهو ما يجعلها الحركة الجهادية الأنجح عسكرياً على الإطلاق.
تحت قيادة أبو بكر البغدادي، المعروف أيضاً باسم أبو دعاء، أثبتت “داعش” نفسها منذ العام 2010 كمجموعة أكثر عنفاً وطائفية مقارنة بما يدعوه المسؤولون الأميركيون القاعدة “المركزية” بقيادة أيمن الظواهري المتمركز في باكستان. وتمتاز “داعش” بأنها متعصبة جداً وتقتل المسلمين الشيعة والمسيحيين كلما كان ذلك متاحاً، بالإضافة إلى أنها فعالة عسكرياً وتخضع لتوجيه مشدد من جانب كبار القادة فيها.
في العراق، في الأيام الأربعة الماضية التي سبقت كتابة هذا الموضوع، شقت قوات “داعش” طريقها إلى داخل العاصمة الشمالية الموصل، مرسلة طابوراً من مقاتليها إلى داخل مدينة سامراء الوسطى، ومستولية على أضخم جامعة عراقية في الرمادي في غرب البلد. وبالإضافة إلى ذلك، شنت الحركة هجمات تفجير كارثية استهدفت المدنيين الشيعة في بغداد، مما أفضى إلى مقتل 52 شخصاً على الأقل.
يولد إقامة نوع من الخلافة من جانب الجهاديين المتطرفين في شمالي سورية والعراق مخاوف في البلدان المجاورة، مثل الأردن والعربية السعودية وتركيا، من احتمال تعرضها للاستهداف من قبل مقاتلين سنة أشداء. وتبدو الهجمات جيدة التنسيق وأنها مصممة لإفقاد القوات الأمنية العراقية توازنها بحيث لا تقوى على معرفة أين سيشن الهجوم التالي. وكان هؤلاء المقاتلون قد استهلوا الهجمات يوم الخميس قبل الماضي، عندما قام مقاتلو “داعش” الذين يتنقلون في شاحنات صغيرة تحمل رشاشات ثقيلة باجتياح داخل مدينة سامراء ذات الأغلبية السنية، لكنها تضم مسجد العسكري ذا القبة الذهبية المقدس لدى الشيعة. وكان تدمير الضريح بتفجيره على أيدي تنظيم القاعدة في العام 2006 قد أفضى إلى حدوث مجازر جماعية ضد السنة، والتي نفذها الشيعة.
يقوم تكتيك “داعش” على شن هجوم مفاجئ وإيقاع أفدح الأضرار والإصابات وبث الخوف والذعر قبل الانسحاب، ومن دون تكبد خسائر ثقيلة. ويوم الجمعة قبل الماضي، قامت المجموعة بشن هجومها في الموصل، حيث تتمتع قاعدتها بالقوة أصلاً إلى درجة فرض ضرائب على الأعمال التجارية المحلية وعلى البقالات العائلية ومحلات بيع الهواتف المحمولة وشركات الانشاءات. وكان نحو 200 شخص قد قتلوا أثناء المعارك، وفق ما ذكرت مستشفيات محلية، رغم أن الحكومة العراقية تعطي رقماً بحدود 59 قتيلاً فقط، 21 منهم من رجال الشرطة، و38 من التمردين.
هذا الهجوم تبعه هجوم شُن في الصباح الباكر ليوم السبت التالي على جامعة الأنبار في الرمادي التي يدرس فيها نحو 10.000 طالب. وقال أحمد المحمدي، الطالب الذي سيق كرهينة، في حدث لوكالة أنباء، إنه استيقظ على صوت الطلقات النارية، ونظر من النافذة وشاهد رجالاً مسلحين يرتدون ملابس سوداء يركضون في الحرم الجامعي. ثم دخلوا مكان سكنه الجامعي وقالوا إنهم ينتمون إلى “داعش” وطلبوا من الجميع البقاء في غرفهم، لكنهم أخذوا آخرين معهم.
وقال أحد القادة للطالبات إناث: “سنلقنكن درساً لن تنسينه”. ثم حولوا بناية العلوم إلى مقر رئيسي لهم، لكنهم ربما انسحبوا منه بعد ذلك. وفي اليوم نفسه، انفجرت سبع قنابل خلال ساعة واحدة في بغداد، ما أفضى إلى مقتل 52 شخصاً على الأقل.
تتخصص “داعش” في تجنيد متطوعين أجانب غير مدربين عسكرياً ليكونوا مفجرين انتحاريين، والذين يصلون إلى أهدافهم إما بالسير على الأقدام وقد لفوا على أجسادهم أحزمة انتحارية، أو من خلال قيادتهم مركبات محملة بالمتفجرات. وغالباً ما يستخدم أكثر من مفجر انتحاري، كما حدث يوم الأحد الماضي، عندما انفجرت عربة عند المقر الرئيسي للحزب كردي، الاتحاد الوطني لكردستان، في بلدة جلولاء الواقعة في محافظة ديالا المقسمة التي تقع إلى الشمال الشرقي لبغداد، والتي كثيراً ما تجري المعارك من أجل السيطرة عليها. وفي غمرة الفوضى التي سببها الانفجار، انسل مفجر انتحاري آخر سيراً على قدميه إلى داخل مكاتب الحزب وقام بتفجير نفسه هناك، متسبباً في مقتل 18 شخصاً بمن فيهم ضابط شرطة رفيع المستوى.
جاء هذا الارتقاء السريع لحركة “داعش” منذ أصبح أبو بكر البغدادي قائدها، لأن الانتفاضة التي قامت في سورية في العام 2011 دفعت السنة العراقيين إلى الاحتجاج على تهميشهم السياسي والاقتصادي منذ سقوط صدام حسين. ولم تستطع التظاهرات السلمية التي قامت في العراق منذ نهاية العام 2012 تحصيل سوى النزر اليسير من التنازلات، حيث كانت الحكومة العراقية التي يسيطر عليها الشيعة مقتنعة بأن المحتجين لم يكونوا يريدون الإصلاح، وإنما القيام بثورة تعيد طائفتهم السنية إلى سدة الحكم. ولذلك أصبح الملايين الخمسة أو الستة من العراقيين السنة أكثر اصطفافاً وتعاطفاً مع العمل المسلح الذي تقوم به “داعش”.
كانت “داعش” قد شنت حملة جيدة التخطيط في العام الماضي، والتي تضمنت هجوماً ناجحاً شُن على سجن أبو غريب في الصيف الماضي لتحرير قادة ومقاتلين ممن ينطوون على الخبرة. وفي كانون الثاني (يناير) الماضي، استولت الحركة على مدينة الفلوجة، التي تقع على بعد 40 ميلاً إلى الغرب من بغداد، واستطاعت الاحتفاظ بها منذئذٍ في وجه الهجمات البرية والجوية. وقد أصبح التطور العسكري لتنظيم “داعش” في العراق أكبر بكثير من القاعدة، التنظيم الذي انبثقت عنه والذي وصل أوج نجاحاته في العامين 2006-2007، قبل أن يتمكن الأميركيون من تأليب العديد من القبائل السنية ضده.
تتمتع “داعش” بالميزة الكبيرة المتمثلة في قدرتها على العمل في كلا جانبي الحدود السورية العراقية، رغم أنها منخرطة في سورية في حرب أهلية جهادية متبادلة مع جبهة النصرة وأحرار الشام ومجموعات أخرى. لكن “داعش” تسيطر على الرقة؛ العاصمة المناطقية الوحيدة التي استولت عليها المعارضة، بالإضافة إلى الكثير من مناطق شرقي سورية خارج الجيوب التي يسيطر عليها الأكراد على مقربة من الحدود التركية.
أصبحت “داعش” الآن أكثر حذراً في قتل كل من يعمل مع الحكومة، بمن فيهم عمال النظافة أو جامعو النفايات، وهو ما كان قد حيد المواطنين وأبعدهم عن السنة في السابق. لكن هناك أشرطة فيديو عنيفة بشكل مرعب، رغم أنها أشرطة دعائية معدة باحتراف، والتي تظهر عناصر “داعش” وهم يجبرون أفراد عائلات لها أبناء في الجيش العراقي على حفر قبورهم قبل إعدامهم. وتقيد هذه الرسالة بأن أعداء “داعش” لا يجب أن يتوقعوا الرحمة منها.
استمر العنف يوم الأحد الماضي، حيث قتل 18 شخصاً على الأقل في انفجارين وقعا في المقر الرئيسي لحزب سياسي كردي في محافظة ديالا ذات الإثنية المختلطة. وأعلنت “داعش” مسؤوليتها عن الانفجارين. وكان معظم ضحايا هجوم يوم الأحد أعضاء في القوات الأمنية الكردية ممن كانوا يتولون حراسة مكاتب الاتحاد الوطني لكردستان في بلدة جلولاء.
كانت هذه التفجيرات هي الأحدث في استعراض القوة من جانب المتشددين الذين اكتسحوا في الأيام الأخيرة أجزاء من مدينتين رئيسيتين، واحتلوا حرماً جامعياً في غربي العراق وفجروا نحو دزينة من السيارات المفخخة في بغداد. وتقع مدينة جلولاء في أراضٍ متنازع عليها، وهي واحدة من بلدات عدة تواجهت فيها في السابق القوات العراقية والحرس المناطقي من البشمرغا الكردية التي أكدت سيطرتها على المنطقة، وكلاهما تعتبران هدفاً للمتمردين الإسلاميين السنة.
الغد الأردنية





