الاخبارشؤون عربية ودولية

السبب الحقيقي لسلبية الغرب المفرطة إزاء سورية

7fdkzibr

باريس- لنكن صادقين. لم تكن الانتخابات الرئاسية السورية التي جرت يوم 3 حزيران (يونيو) الحالي أي شيء باستثناء كونها حفلة تنكرية مهندسة حكومياً. وسيظل بشار الأسد رئيساً لسورية؛ ذلك البلد الذي تقسم شعبه بشكل هائل نظراً لأن الصراع الذي دخل عامه الرابع قد حول البلد إلى ميدان معركة للجهاديين الدوليين، من الشيعة والسنة على حد سواء، مع انخراط مباشر لإيران وروسيا.
وراء في العام 2000، أمكن ارتقاء الأسد السياسي إلى سدة السلطة بفضل الاستعجال في إجراء إصلاح دستوري خفض بموجبه العمر الأدنى للمرشحين الرئاسيين، فخلف والده الذي كان قد تسلم زمام الأمور في البلد بعد تنفيذه انقلاباً في العام 1970.
كيف نستطيع تفسير طول أمد هذه السلالة الحاكمة عندما تكون عائلة الأسد منحدرة من أقلية علوية (تمثل حوالي 12 % من الشعب)، والتي طالما تعرضت للاضطهاد والملاحقة؟ كان من الأسباب المهمة التي وقفت وراء نجاحها مكر ووحشية أجهزة الاستخبارات وتنفيذ القانون، بالإضافة إلى قدرة الأسد على تخدير الشعب السوري بتصوير التضحيات باعتبار أنها ضرورية من أجل نجاح القضية الفلسطينية.
استدامت هذه الخديعة إلى حين “تسونامي” العام 2011، عندما باشر الشعب السوري في التطلع إلى الديمقراطية. ولأنه وجد نفسه واقعاً في مصيدة، أطلق الأسد عملية تحويل يجب أن يتم تدريسها في أكاديميات دراسات الحرب، حيث قام بتحويل حركة التحرر إلى صراع ديني من خلال إطلاق سراح آلاف الجهاديين الذين كان قد أرسلهم إلى العراق في العام 2004 للقتال ضد القوات الأميركية. وكان هناك أعضاء من تنظيم القاعدة الذين ينحدرون أصلاً من إيران، والذين كانوا قد وجدوا في سورية ملجأ لهم بعد العام 2011، وخدموا كبنية تحتية مثالية للترحيب بكل الجهاديين في داخل البلد.
ثم ساعد نظام بغداد الموالي لإيران حوالي 1500 جهادي على الهرب من السجون، فانتقلوا هم أيضاً إلى سورية. وكانت تلك هي الكيفية التي تم بها توليد خط أنابيب الجهاديين في المعارضة السورية، والذي استغلته كل من طهران ودمشق.
هكذا أصبحت إيران مثير حرب مشارك في سورية، حيث أقحمت جنودها النخبة ومساعديهم من حزب الله مع إرساليات كبيرة من الأسلحة والتمويل السخي. ومن خلال إبراز وحشية الإسلام السني، يحاول الأسد إخفاء حقيقة أن الفصيل الشيعي-العلوي هو في الحقيقة وحشي بالمقدار نفسه. وقد شردت هذه الحرب الشاملة التي يشنها الأسد وحلفاؤه، والتي تتميز بأنها تعتمد استراتيجية الأرض المحروقة، 40 % على الأقل من شعب البلد. بل إنها هددت حتى روح وهوية جيران سورية، مثل لبنان.
سلبية خالية من الضمير
مع ذلك، يظل اللغز الأكبر هو موقف الغرب حيال الأسد “الجلاد”. فقد خذل الغرب الشعب السوري عبر تشجيعه على الإطاحة بالنظام من دون تقديم أي دعم له. وفي الأثناء، كان حلفاء الدكتاتور وما يزالون يزودونه بأشكال متعددة من المساعدة. ولا يوجد أي شيء استطاع أن يغير السلبية المذنبة لدى الغرب، لا استخدام الأسلحة الكيميائية ولا حصار الغذاء ولا قصف المدنيين ببراميل المتفجرات ولا الموت بالتعذيب لحوالي 11000 سجين. هذا هو الغرب بقيادة باراك أوباما، المحامي اللامع، وإنما العاجز في ما عدا ذلك -بسبب الافتقار للسلطة أو الحسابات- لجعل نفسه محط احترام.
صحيح أن الرئيس الأميركي كان قد انتخب (وأعيد انتخابه) من أجل وضع حد للصراعات التي أشعلها سلفه، لكن تبريراته لعدم العمل تبقى موضع شك. ففي الوقت الذي تم فيه استبعاد أي رد مباشر، فإن شيئاً لا يستطيع وقف الاستخبارات الأميركية عن فعل ما سبق وإن نجحت في فعله في أماكن أخرى، عبر مساعدة المعارضة المعتدلة في إعادة بناء نفسها. وبالإضافة إلى ذلك، فإن هذه المعارضة المعتدلة هي التي تقاتل الجهاديين والإرهابيين في الوقت الراهن.
كيف نستطيع تفسير أن القدرة الدفاعية الجماعية للغرب تبدو غير راغبة في تدريب 20 سورياً منشقا ومنحهم صواريخ أرض- جو للحد من تفوق الأسد الجوي، وتركهم بلا أي خيار سوى القبول بالتفاوض؟
إن الغموض كبير جداً حتى يصبح من المشروع أن يجنح المرء إلى الشك في جدية الغرب إزاء رغبته في إحداث انتقال سياسي في سورية. لماذا لم تسمح هذه القوى الغربية لبلدان الخليج أو تركيا بنقل المعدات وتسليمها للثوار؟ وهل تتم في الأثناء التضحية بالشعب السوري على مذبح المفاوضات الإيرانية الأميركية؟ أم أن الأمر يتعلق بإنهاك الجهاديين الإسلاميين في حرب استنزاف لا نهاية لها؟
النتيجة واضحة. يستطيع الأسد الاستمرار في تدمير شعبه باسم القتال ضد الإرهاب. وبدلاً من تنحيه -مثلما فعل الدكتاتوريون التونسي أو المصري أو اليمني- يذبح الأسد شعبه ويترأس بلداً مقسماً. وفي الأثناء تظل الحرب الأهلية الإقليمية التي تبدو أنها صراع بين السنة والشيعة بعيدة عن أن تضع أوزارها. وقد أصبحت سورية أكبر مقبرة في هذا القرن. ويحتاج الغرب إلى التصرف للتخفيف من معاناة شعب أصبح شهيدا، وإلى وقف تدفق الجهاديين الغربيين الذين سيعودون حتماً إلى أوطانهم. ويمكن فعل هذا من دون إرسال حتى جندي واحد إلى سورية.

الغد الأردنية

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى