رام الله- منذ إقامة السلطة الوطنية رسميا داخل الأراضي الفلسطينية بناء على اتفاق أوسلو، وفاتورة الرواتب الشهرية للعاملين في الوظيفة العمومية في ارتفاع مستمر، وباتت أكثر ما يرهق ويتعب السلطة وحكومتها، خاصة وأنها مرتبطة ارتباطا وثيقا باسترداد عائدات الضرائب من إسرائيل، وبالدعم العربي والدولي الذي يصل الحكومة الفلسطينية.
فاتورة الرواتب هذه، تراكمت عبر سنوات، وهي ليست وليدة اللحظة، بسبب ظروف بعضها موضوعي، وبعضها الآخر اختياري، كما يقول لصحيفة “القدس العربي” الدكتور نصر عبد الكريم، المحلل الاقتصادي.
لكن الحدث الأبرز، كان في عام 2001، وهو العام الثاني لانتفاضة الأقصى، وآنذاك خسر قرابة 130 ألف عامل فلسطيني، عملهم داخل إسرائيل، بسبب الانتفاضة والعمليات الاستشهادية وسياسة الإغلاقات الإسرائيلية، وهذا الأمر شكل ضغطا على السلطة لاستيعابهم، فيما لم يساهم القطاع الخاص باستيعاب الكثير منهم، خاصة أن درجة نموه غير كافية للظروف السياسية ذاتها، الأمر الذي أوجد السلطة في موقع المشغل، كملاذ أخير لهذه الفئة من الفلسطينيين، فكانت معظم التعيينات لهؤلاء العمال، إما في أجهزة الأمن، وإما في وظائف بسيطة تتناسب مع قدراتهم.
الحدث الثاني الذي أضاف المزيد من الإرهاق على فاتورة الرواتب حسب عبد الكريم، كان في 2005 بإقرار الشق المالي من قانون الخدمة المدنية، فشهدت فاتورة الرواتب زيادة ملحوظة، ثم تبعتها حركة التعيينات في 2006، وكل هذه العوامل ساهمت في الفاتورة للموظفين العموميين.
حاليا يبلغ عددهم حسب المسجلين في ديوان الموظفين العام، قرابة 175 ألف موظف، لكن إجمالي عدد المستفيدين من رواتب الحكومة يتجاوز المئتي ألف، إذا ما أضيف إليهم ذوو الشهداء والجرحى ومخصصات الأسرى والمحررين، وهو ما يشكل قرابة 65% من الانفاق الشهري للحكومة الفلسطينية.
ورغم كل هذا الإرهاق الذي تعانيه الحكومة في توفير الرواتب، إلا أن الأمر مرتبط تماما بالمزاج السياسي والأمني الإسرائيليين لتحقيق ذلك، وذلك بسبب المبالغ المستردة من إسرائيل من الضرائب، الذي يعادل ثلثي الايرادات الفلسطينية الشهرية، ويقدر بنحو 130 مليون دولار، وهو المبلغ الذي يشكل أساس استمرار قدرة الحكومة على توفير الرواتب، غير أن إسرائيل تحاول بين الحين والآخر وحسب الظروف السياسية أو الأمنية، إحداث إرباك للسلطة، عبر وقف تحويل عائدات الضرائب كإجراء، الأمر الذي يؤدي إلى تشويش في عمل الموظفين، وأحيانا ذهابهم إلى إعلان الإضراب عن العمل.
لكن هذا ليس كل شيء، فبعد اتفاق “الشاطئ” الأخير للمصالحة، بين حركتي فتح وحماس في نيسان الماضي، دخل على الخط رقم كبير جدا من العاملين الذين كانت حماس قد عينتهم خلال فترة حكمها لقطاع غزة في 2007، على خط فاتورة الرواتب الشهرية، فعدد هؤلاء وحدهم يصل إلى نحو 45 ألف موظف، وهو ما أحدث إرباكا جديدا للحكومة الفلسطينية، حتى قبل أن تأخذ على عاتقها توفير رواتبهم، فأعلن رئيس الوزراء د. رامي الحمد الله قبل أيام، أن رواتب هؤلاء الموظفين لن تكون عن طريق الموازنة العامة، فهم ليسوا على بنودها، كما أن إسرائيل لن توافق أن تحول الرواتب لموظفي “حماس” عن طريق السلطة، وبالتالي فإن وجود طرف ثالث أجنبي (قطر)، هو من سيتكفل بدفع رواتب هؤلاء وإيصال الأموال لهم.
لكن القيادي في حماس محمود الزهار، بين أن مشكلة أخرى برزت في موضوع هؤلاء الموظفين، وهي أن الطرف الثالث مثار الحديث، سيدفع للعاملين في الإطار المدني وليس العسكري، وستحاول حماس على الأغلب تعويض الجزء المتبقي وتوفير رواتب للعسكر المحسوبين على الموظفين العموميين في غزة.
وهو ما أكده وزير الاقتصاد الوطني في حكومة الوفاق د. محمد مصطفى، الذي قال إن رواتب موظفي حماس، لن تكون عبر موازنة العام الجاري في حال تم حل المشكلة، لأن رواتبهم ليست مدرجة في مشروع الموازنة، مشيرا إلى وجود مباحثات لحل مشكلتهم خلال الفترة القريبة القادمة، عبر تشكيل صندوق يتم تمويله من دول مانحة.
ويرى عبد الكريم، أن فاتورة الرواتب تشكل عبئا كبيرا على السلطة، وتحديا أكبر للاستدامة المالية، التي أصبحت على ما يبدو صعبة المنال، مذكرا أن رئيس الحكومة السابق سلام فياض، كان قد وضع خطة اقتصادية للوصول إلى الاستدامة المالية، أعلن فيها أنه وبحلول 2013، كان يفترض الاستغناء عن المساعدات الخارجية.
خلاصة الموضوع أن الاقتصاد الفلسطيني ضعيف، ويملك سقفا محدودا لا يستطيع توليد إيرادات بحجم النفقات، والإيرادات الأساسية مرهونة بمزاج الساسة والأمنيين في إسرائيل، وبالتالي فالأمر عرضة للتوظيف السياسي في أي وقت، وهذا الأمر يزيد من الطين بلة.
وكانت البيانات الشهرية الصادرة عن وزارة المالية في حكومة الوفاق، أظهرت أن نسبة فاتورة رواتب الموظفين العموميين شكلت قرابة 48% من إجمالي نفقات الحكومة خلال الأشهر الماضية، بينما بلغت نفقات الحكومة منذ مطلع العام الجاري على الرواتب فقط، 1.2 مليار دولار من أصل 2.5 مليار خلال السبعة أشهر الأولى من العام الحالي، وأشارت توقعات الحكومة إلى أن فاتورة الرواتب ستبلغ خلال السنة المالية الجارية، نحو 2.07 مليار دولار، أي بنسبة 47% من إجمالي الموازنة المقدرة بـ4.21 مليار دولار.
وشهدت الأراضي الفلسطينية على مدار الأعوام الماضية، سلسلة من الإضرابات عن العمل من قبل العاملين في الوظيفة العمومية، لعدم قدرة السلطة على دفع الرواتب، تارة لوقف إسرائيل عائدات الضرائب، وتارة أخرى إبان حكومة اسماعيل هنية، والحصار المالي الذي فرض على السلطة آنذاك، أو عدم استلام الأموال العربية التي اتفق عليها أكثر من مرة في القمم العربية التي انعقدت تحت بند “شبكة الأمان العربية” التي تعهدت بتوفير مبلغ مئة مليون دولار شهريا للسلطة، لكنها غالبا لم تكن تصل.
الحياة الاقتصادية





